الإثنين, آب/أغسطس 17, 2026

All the News That's Fit to Print

د.إبراهيم بن عبدالله السماري

«المفردات المهملة في القاموس العربي» هذا عنوان محاضرة قيمة، قدّمها الأستاذ عبدالمحسن اللعبون في جمعية التراث والثقافة في بلدة حرمة حيث عبق التأريخ وثقافة الإنسان ودفء المشاعر، بحضور ثقافي رصين وإثراء هادئ يجمع بين العلم، والأدب، ودفء الكلمة، مما جعل الحوار رحلة ممتعة وإضافة تُثري النقاش وتفتح آفاقًا جديدة للحاضرين، وتثير الفكر أكثر مما تستغرق من الوقت.

لامس هذا الموضوع جانباً مهماً من تراثنا اللغوي، في قالب شذرات لغوية وأدبية تناولت بعض المفردات من تراثنا النجدي التي أصبحت مهملة، وبعضها تتعلق به أحكام شرعية؛ تقتضي العلم بمدلولاتها ليصح العمل بشأنها. أي أنها تمسّ جانباً مهماً من تاريخ اللغة في نجد، فالوثائق القديمة ليست مجرد أوراق تحفظ الأحداث، وإنما هي أوعية تحمل لغة عصرها، ومن لا يعرف مفرداتها قد يخطئ في فهم الوقائع أو في تنزيل الأحكام الشرعية المترتبة عليها. ومن المؤكد أن اللغة ليست ألفاظاً تُقال فحسب، بل هي ذاكرة مجتمع، وسجلّ حياة، ومفتاح لفهم الوثائق والأنظمة والعقود. ومن يقرأ الوثائق النجدية القديمة يلحظ مفردات كانت تجري على ألسنة الناس، ثم انحسر استعمالها حتى غدت غريبة على كثير من أبناء الجيل الحاضر، برغم أنها لا تزال حاضرة في بطون الوثائق، بل يترتب على فهم بعضها آثار شرعية وقضائية، وكان من الجميل حقاً؛ إحياء او إبراز هذه المفردات، مع بيان أصلها اللغوي، واستعمالاتها في الوثائق النجدية، وما يترتب على فهمها من آثار تاريخية أو شرعية أو قضائية.

وهنا لابد من الاعتراف للسابق سبقه، أعني الشيخ محمد العبودي رحمه الله، الذي كان سبَّاقاً لإنارة الطريق نحو هذا المجال العلمي في كتابه (كلمات قضت) الذي طبعته ونشرته دارة الملك عبدالعزيز، فهو -في حد علمي- أول من دندن حول هذا الموضوع. كما تجدر الإشارة إلى «قناة ذكريات» في وسائل التواصل الاجتماعي؛ لأنها تسعى فيما تسعى إليه لإحياء بعض تلك المفردات وشرح مدلولاتها من خلال ما تنشره من الوثائق والصور التراثية القديمة.

ولأن المجالس العلمية لا تزدهر إلا بوجود قارئ يحسن التقاط المعنى، ويعرف كيف يحوّله إلى أثر، ولأن الحديث عنها لا يقل متعةً عن حضورها؛ حيث أهلها يتبادلون الفكرة كما يتبادلون التحية، وقيمة ما يُطرح فيها ليس في كثرة ما يُقال، بل في جودة ما يتركه في عقول السامعين، ولأن السؤال العميق قد يفتح من أبواب المعرفة ما لا تفتحه صفحات من الحديث؛ لذا اجتهدت أن أنقل صورة ذهنية عن تساؤلاتي حول موضوع تلك المحاضرة للقراء الكرام.

في هذه المحاضرة ونقاشاتها تمّ التأكيد على أن اللغة العربية ليست ألفاظًا تُحصى، بل ذاكرة أمةٍ تُروى؛ وأن كلَّ مفردةٍ مهملة صفحةٌ من تاريخنا تنتظر من يعيد قراءتها، لنعرف لماذا وُلدت، ولماذا غابت، وهل آن لها أن تعود؟ كما أن مفردات اللغة العربية لا تموت بكثرة ما ننسى من ألفاظ، وإنما تضعف حين ننسى قدرتها على التجدد؛ ذلك لأن اللغة العربية ليست مجرد ذاكرة تحفظ الألفاظ، بل هي كائن حي ينتقي ما يبقيه الاستعمال ويُميت ما يهجره الناس، وأن المفردات المهملة تُبعث لا لمجرد وجودها في المعاجم، بل لأن معيار إحيائها ينبغي أن يكون قدرتها على سد فراغ دلالي في الاستعمال المعاصر، وإدراك كيف نوازن بين الوفاء للتراث اللغوي، وبين الحاجة إلى لغة حية تستجيب لمقتضيات العصر دون تكلف أو إغراق في الغريب؟ وبالتالي تجاوز معطيات المعجم اللغوي إلى فلسفة اللغة ذاتها، مما يعني ضرورة وجود ندوات وملتقيات ثقافية ودراسات متعمقة للإجابة عن الأسئلة المثارة: هل تُعدُّ المفردة مهملة لأنها فقدت دلالتها، أم لأنها فقدت مجتمعها اللغوي الذي كان يمنحها الحياة؟ وهل وظيفة المعجمي حفظ اللفظ بوصفه أثراً تاريخياً، أم إعادة توظيفه متى كان قادراً على إنتاج معنى جديد؟ وبتعبير أدق: هل يمكن أن تتحول بعض المفردات المهملة من رصيدٍ تراثي إلى طاقةٍ تعبيرية في اللغة العربية المعاصرة؟

ثم سعدت بمداخلة في ديوانية الأستاذ إبراهيم السنيدي عن هذا الموضوع مورداً بعض الأمثلة من تلك المفردات وأهميتها الدلالية لغة وشرعاً وقضاء، حيث تكثر في الوثائق النجدية القديمة مفردات ذات دلالات اصطلاحية وعُرفيّة مثل: كلمة «التخلية»، ولفظ «المخارجة» ولفظ «الإبراء» وكثير من المفردات التي تحتاج إلى معرفة دقيقة مثل: كلمة «الحكر»، و«المساقاة»، و«المغارسة»، و«المزارعة» فكل واحدة منها عقد مستقل في الأحكام الفقهية، كما كانت ألفاظ مثل «المشاحّة»، و«المسامحة»، و«الشفعة»، و«المهايأة»، و«المقاسمة» تحمل معاني محددة في لغة القضاء والوثائق، وليس مجرد معناها اللغوي المتبادر. كما نجد في الوثائق ألفاظاً محلية كانت مفهومة لدى أهل زمانها، مثل: المنحاة والقليب و«القراح» للأرض الخالية من الغراس، و«السكة» للطريق أو الممر، و«المنزلة» لما يخصص من موضع أو حق، ونحوها من الكلمات التي قد يظنها القارئ المعاصر ألفاظاً عادية، بينما هي مصطلحات ذات دلالات عرفية مستقرة، وبالتالي لابد أن أؤكد أن المحافظة على هذه المفردات ليست ترفاً لغوياً، وإنما هي ضرورة علمية؛ لأنها تمثل الجسر الذي يصل حاضرنا بماضينا، وتعين الباحث في التاريخ والاجتماع والفقه والقضاء على فهم النصوص كما أرادها أصحابها، لا كما نفهمها نحن بمصطلحات عصرنا، ولأن موت الكلمة ليس في غيابها عن الألسنة، وإنما في غياب معناها عن العقول؛ فإذا بقيت الوثائق وكذلك الندوات العلمية شاهدة عليها بقيت الكلمة حيَّة تنتظر من يوقظها.

إن الأمل معقود على مؤسساتنا الثقافية ذات الصبغة العلمية التي تجمع جهودها ومخرجاتها بين العناية بالثقافة وإبراز عمق تأريخنا الوطني، كدارة الملك عبدالعزيز، ومركز الملك فيصل للبحوث، والكليات المتخصصة في الجامعات السعودية؛ للقيام بهذا العبء الثقافي المهم، كما أقترح أن يتم التنسيق بين سبتية الجريفة لراعيها أ. إبراهيم التويم، وبين ديوانية أ. إبراهيم السنيدي، لإبراز هذا الموضوع من خلال عقد عدة محاضرات، ويخصص خمس أو ست مفردات لكل محاضرة، ضمن جهودهم لحفظ تراثنا اللغوي. وأختم ببيتين يلخصان الموضوع:

إذا اللغاتُ سمتْ فخيرُ سمائِها

لغةُ الضادِ في البيانِ تُنيرُ

ما ماتَ لفظٌ في المعاجمِ إنما

يَحيا إذا بالوعيِ عادَ يسيرُ

وبالله التوفيق.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...