حين يتحول الفكر إلى طوطم.. لماذا تعجز الأيديولوجيا عن فهم الواقع؟ - د.عبدالرحيم محمود جاموس
د.عبدالرحيم محمود جاموس
ليست أخطر الأزمات السياسية هزيمة الجيوش، بل هزيمة العقل حين يفقد قدرته على مراجعة نفسه. فالفكر، عندما يتحول إلى عقيدة مغلقة، لا يعود أداة لفهم الواقع، بل يصبح قيدًا يحجب رؤيته.
وهنا يتجلى معنى طوطمية الفكر: أن تُختبر الوقائع بالفكرة، لا أن تُختبر الفكرة بالوقائع. وبدلًا من مراجعة النظرية في ضوء الأحداث، يُعاد تأويل الأحداث بما يحفظ النظرية. وهذه من أخطر صور الوعي الزائف.
وقد أوضح كارل بوبر أن قيمة النظرية تكمن في قابليتها للاختبار واحتمال الخطأ. أما النظرية التي ترفض الاختبار وتؤول كل نتيجة لصالحها، فتتحول من معرفة قابلة للنقد إلى عقيدة مغلقة.
ومن هذا المنظور يمكن قراءة كثير من المواقف التي أعقبت السابع من أكتوبر 2023. فقد دخلت القضية الفلسطينية مرحلة شديدة التعقيد، ودفعت غزة وشعبها أثمانًا كارثية، وكان يفترض أن تفرض هذه الوقائع مراجعات عميقة في الاستراتيجية وإدارة الصراع وحماية الإنسان الفلسطيني.
غير أن الفكر الأيديولوجي المغلق لا يراجع نفسه، لأنه يعدّ المراجعة هزيمة والنقد خيانة، ويخلط بين الثبات على المبادئ والجمود على الوسائل. لذلك يواصل إنتاج الخطاب ذاته رغم تغير الواقع. وهذه ليست أزمة تيار بعينه، بل أزمة كل فكر دوغمائي، دينيًا كان أو قوميًّا أو ماركسيًا أو ليبراليًا، متى تحول إلى يقين مطلق. فالأيديولوجيا حين تنفصل عن الواقع تصبح أداة لتبريره لا لفهمه.
ولعل المفارقة أن بعض القوى التي تقدم نفسها بوصفها يسارًا ثوريًا ما تزال أسيرة قوالب فكرية صاغها القرن الماضي، في وقت يشهد العالم تحولات عميقة في الدولة والاقتصاد والتكنولوجيا والإعلام والعلاقات الدولية. لذلك تراجع حضورها الاجتماعي والسياسي، بينما ظل خطابها مرتفع النبرة.
إن أزمة هذه القوى ليست في شعارات العدالة والحرية، بل في عجزها عن إنتاج قراءة جديدة للواقع، وعن ممارسة النقد الذاتي، وعن الانتقال من ترديد النصوص إلى تحليل الوقائع.
إن ما آلت إليه غزة يفرض سؤالًا أخلاقيًا وسياسيًا: هل تكفي المواقف، أم أن السياسة مطالبة بحماية الإنسان وتحقيق المصلحة الوطنية؟ فالقيمة الحقيقية لأي استراتيجية تُقاس أيضًا بقدرتها على تقليل الخسائر وتعظيم المكاسب.
إن الأمم لا تنهض باليقين المغلق، بل بالعقل النقدي. والتاريخ يعلمنا أن الحضارات لا تسقط لأنها أخطأت، بل لأنها رفضت الاعتراف بأخطائها.
واليوم، لم تعد القضية الفلسطينية بحاجة إلى مزيد من الخطابات التعبوية بقدر حاجتها إلى ثورة في التفكير السياسي؛ ثورة تعيد الاعتبار للعقل والنقد وحسابات الواقع والمصلحة الوطنية العليا. فالقضية لا تُصان بالشعارات، وإنما بحسن قراءة التاريخ وفهم موازين القوى والتمييز بين الثابت الوطني والمتغير السياسي.
فالعقل الذي لا يترك نافذة يدخل منها الجديد يتحول إلى غرفة مغلقة يختنق فيها صاحبه. أما الفكر الحي، فهو الذي يمتلك شجاعة السؤال وجرأة المراجعة وحكمة الاعتراف بأن الحقيقة أكبر من أي أيديولوجيا، وأن الواقع يظل الحكم الأخير على صحة الأفكار.
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 904
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 1022
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 910
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 879
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 872
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 1104
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...