لا للفهم.. لا للحفظ - 3 - د. محمد بن إبراهيم الملحم
د. محمد بن إبراهيم الملحم
استمرارا لحديثي عن ثنائية الفهم والحفظ وإشكالية الفصل بينهما بطريقة غير واعية وغير صحية، فلابد من الاعتراف أن هناك ثمة مجالات لا غنى فيها عن الحفظ الحرفي: مثل حفظ القوانين الرياضية، والمصطلحات العلمية الدقيقة، والجداول الأساسية، وأحيانا النصوص القرآنية للطلاب الصغار الذين لايتمكنون من استيعاب معانيها وتفسيرها، لكن حتى هنا يؤكد الخبراء أن الفهم يجب أن يسبق الحفظ ليكون أكثر ثباتًا، فالطالب الذي يفهم معنى قانون فيثاغورس ثم يحفظ صيغته سيكون أقدر على استخدامه من طالب حفظه دون فهم، وعلى هذا يقاس.
ثم إني سألقي الضوء اليوم على أمثلة من واقع الممارسات في مدارسنا، ففي مادة العلوم مثلا، قد يحفظ الطالب تعريف «الخلية» نصًا كالتالي «هي الوحدة الأساسية في بناء الكائن الحي»، لكنه لا يستطيع ربط ذلك بوظائف الأنسجة والأعضاء، والمشكلة هنا ليست في حفظ التعريف، بل في غياب التنظيم المعرفي الذي يفترض أن يجعل هذا الحفظ جزءًا من شبكة مفاهيم تمكنه من عمل مثل تلك الروابط التي أشرنا إليها، وفي مادة اللغة العربية مثلا، يحفظ كثير من الطلاب نصوص القراءة استعدادًا للاختبار، لكنهم يعجزون عن شرحها بلغتهم، أو بأسلوبهم وتعبيراتهم الخاصة، والسبب أن الحفظ كان حرفيًا لا معنويًا، ولو دُرّب الطلاب على تلخيص كل فقرة في جملة دلالية، ثم حفظ تلك الجمل، لتحول الحفظ إلى فهم حقيقي، ومثل هذه الممارسة لن تفيد الطالب فقط في تحسين قوة الحفظ وكذلك جودته من حيث انتمائه للفهم بل تتجاوز ذلك إلى بعد مهم جدا وهو تعويد الطالب على الصياغة اللغوية الذاتية للمعاني بطرق جديدة تختلف عن أسلوب الكتاب المقرر ليخرج من هذا الصندوق ويحلق في دنيا الإبداع اللغوي مما يجعله قادرا في المستقبل على التعبير عن أفكاره الذاتية بطلاقة ووضوح، وهو ما يفتقر إليه عامة جيلنا اليوم بسبب التمسك بعبارات الكتب المقررة وحفظها كما هي، لا لشيء.. ولكن لأن المعلم يطالبهم بها كما جاءت، ومن جهة أخرى أحيانا يكونوا هم لا يثقون في حسن تعبيرهم عن المعنى الذي تضمنه الكتاب فليجأون إلى التمسك بعباراته تخلصا من أي مأزق.
حين يُحتقر الحفظ باسم أهمية الفهم، تظهر نتائج كارثية نراها اليوم في كثير من أنظمتنا التعليمية: طلاب يفتقرون إلى المفردات، يقرأون نصوصًا ولا يفهمونها، يعجزون عن كتابة فقرة مترابطة لأنهم لا يملكون رصيدًا لغويًا محفوظًا، ويعانون في الرياضيات لأنهم لم يحفظوا الأساسيات على أساس سليم.
إن المهارات التفكيرية العليا لا تزدهر في عقول فقيرة بالمعرفة، تمامًا كما لا يمكن لطبيب أن يمارس الطب الإبداعي دون أن يحفظ تشريح الجسد حفظا متقنا إلى آخر درجة. كل ذلك يدعو إلى خطاب تربوي أكثر توازنًا فقد آن الأوان أن نراجع شعاراتنا التعليمية.
فبدلا من أن نقول: «لا نريد الحفظ»، ينبغي أن نقول: «نريد حفظًا قائمًا على المعنى». وبدل أن نضع الحفظ في مواجهة الفهم، يجب أن نراهما حلقتين في سلسلة واحدة، فالتعليم الفعّال هو الذي يبني قاعدة معرفية قوية، ويدرّب على تلخيصها وترميزها، ويربطها بمواقف تطبيقية، ثم ينتقل بها إلى التحليل والإبداع. وهنا نقول إن الحفظ والفهم ليسا خصمين، بل شريكان متكاملان. المعرفة المخزنة هي الوقود الذي يعمل به التفكير، والتفكير هو الأداة التي تعيد تشكيل تلك المعرفة. ومن دون جذور معرفية راسخة، لن تزدهر مهارات التحليل والتقويم مهما رفعنا من شعارات.
إن الطريق إلى الفهم العميق يمرّ – بالضرورة – عبر بوابة الحفظ المنظم القائم على المعنى. وهنا يكمن التحدي الحقيقي لمدارسنا: ليس أن نهرب من الحفظ، بل أن نعلّم أبناءنا كيف يحفظون بذكاء لكي يفهموا بعمق فتزدهر فيهم ثقافة الموضوع ويتطور نماؤهم المعرفي وتتكون لديهم بذرات الإبداع، فهل مدارسنا تمارس ذلك وهل اختباراتنا تقود إليه؟
** **
- مدير عام تعليم سابقاً
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 607
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 713
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 592
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 581
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 579
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 780
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...