أخبار - ساندروز
أخبار سياسية
- Details
- أخبار سياسية
أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما، الثلاثاء، أنه لا يزال مقتنعا بأن متصدر السباق لنيل تذكرة الترشيح الجمهورية إلى الانتخابات الرئاسية، دونالد ترامب، لن يخلفه في البيت الأبيض، منددا بالخطاب "المقلق" الذي يعتمده هذا الملياردير والعديد من المرشحين الجمهوريين تجاه المسلمين.
وقال أوباما خلال مؤتمر صحافي في ختام قمة غير مسبوقة بين الولايات المتحدة ودول رابطة جنوب شرق آسيا (آسيان) استضافها في كاليفورنيا: "أنا ما زلت مقتنعا بأن ترامب لن يصبح رئيسا، والسبب في ذلك هو أن لدي ملء الثقة في الشعب الأمريكي، فهو يدرك أنّ تولّي الرئاسة مهمة جدّيّة".
وأضاف أن تولي الرئاسة "ليس مثل إدارة برنامج حواري أو برنامج لتلفزيون الواقع، ولا هو عمل ترويجي أو تسويقي، إنه عمل شاق لا يمت بصلة إلى السعي لجذب انتباه وسائل الإعلام كل يوم".
وتابع الرئيس الأمريكي في معرض وصفه لصعوبة المهمة التي تنتظر خلَفه بأنه "في بعض الأحيان يتطلب الأمر أخذ قرارات صعبة حتى إن لم تكن شعبية. إنه يتطلب قدرة في العمل مع قادة العالم أجمع".
وفاز ترامب مؤخرا في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري في ولاية نيو هامشير، وهو يتصدر نوايا التصويت لدى الجمهوريين على المستوى الوطني، بحسب استطلاعات الرأي.
ولم يتوقف هجوم أوباما على ترامب، بل تعداه إلى العديد من المرشحين الجمهوريين الذين يعتمدون مواقف شبيهة بمواقف قطب العقارات، حتى وإن كانت طريقتهم في التعبير عنها أقل فظاظة من طريقة متصدر السباق.
وقال أوباما: "أعتقد أن بعض المراقبين الأجانب قلقون إزاء الخطاب في هذه الانتخابات التمهيدية وفي المناظرات الجمهورية. وهذا الأمر لا يقتصر على ترامب فحسب"، مشيرا إلى تصريحات "مناهضة للمسلمين" أو "مناهضة للمهاجرين" وردت على لسان أكثر من مرشح جمهوري.
كما هاجم أوباما المرشحين الجمهوريين؛ بسبب مواقفهم من مسألة التغير المناخي، وقال: "ليس هناك من مرشح واحد في المعسكر الجمهوري يعتقد أنه ينبغي علينا القيام بأي أمر لمكافحة التغير المناخي. هذا أمر يقلق المجتمع الدولي. بقية العالم ينظر ويتساءل: هل يعقل هذا؟".
من جهة ثانية، جدد الرئيس الأمريكي التأكيد على عزمه تعيين عضو في المحكمة العليا خلفا للقاضي المحافظ انتونين سكاليا الذي توفي السبت، داعيا خصومه الجمهوريين إلى الترفع عن الاعتبارات الحزبية، وعدم تعطيل آلية التعيين التي لا بد أن تمر في مجلس الشيوخ الذي يسيطرون عليه.
وقال أوباما إن "الدستور واضح جدا في ما يتعلق بما ينبغي أن يحصل الآن. عندما يحصل شغور في المحكمة العليا، على رئيس الولايات المتحدة أن يعين أحدا" لملئه.
وندد الرئيس الأمريكي بـ"الأحقاد والسموم في واشنطن، التي منعتنا من القيام بالعمل الأساسي"، مضيفا: "يمكن لهذه أن تكون مناسبة جيدة للترفع عن ذلك".
ومنذ الإعلان عن وفاة سكاليا صباح السبت اندلعت معركة بين أوباما وخصومه الجمهوريين الذين يطالبون الرئيس بترك مهمة تعيين خلف للقاضي الراحل إلى الرئيس المقبل الذي يأملون أن يكون منهم.
وينص الدستور الأمريكي على أن مهمة اختيار أعضاء المحكمة العليا تقع على عاتق الرئيس، في حين تعود لمجلس الشيوخ صلاحية المصادقة على هذا التعيين أو رفضه. ولكن بإمكان زعيم الأغلبية في المجلس أن يختار عدم إجراء التصويت وإبقاء أمر التعيين معلقا، ما يبقي المقعد شاغرا، وهو خيار يفضله الجمهوريون على خيار ترك أوباما يعين بنفسه القاضي المقبل الذي يتولى منصبه مدى الحياة.
ويأمل الجمهوريون أن يصل إلى البيت الأبيض رئيس جمهوري يعين بنفسه قاضيا محافظا محل القاضي الراحل، في حين يأمل الديموقراطيون إذا ما اختار خصومهم في مجلس الشيوخ تعطيل تعيين القاضي الذي سيختاره أوباما أن تقلب الانتخابات التشريعية التي ستجري في الوقت ذاته مع الانتخابات الرئاسية ميزان الأغلبية في المجلس، ما يمكنهم بالتالي من تعيين القاضي الذي يريدون.
ويعدّ ميزان القوى داخل المحكمة العليا أمرا بالغ الحساسية، الأمر الذي يدفع الجمهوريين لرفض أن يتولى الرئيس الديموقراطي تعيين خلف لسكاليا؛ لأن هذا التعيين قد يرجح كفة على أخرى داخل المحكمة.
وفي السنوات الأخيرة، كان للمحكمة العليا دور أساسي في الحياة السياسية في الولايات المتحدة، لا سيما حين أمرت في العام 2000 بوقف إعادة فرز الأصوات في الانتخابات الرئاسية في ولاية فلوريدا، ما جعل الفوز بالبيت الأبيض من نصيب جورج بوش الابن.
- Details
- Details
- أخبار سياسية
نشرت صحف مصرية مشروع اللائحة الداخلية لمجلس النواب، التي تضمنت تنظيم العمل داخل المجلس ولجانه النوعية، وكيفية معاقبة الأعضاء، ورفع الحصانة البرلمانية عنهم.
وكانت المجلس قد سلم الأعضاء يوم الاثنين الماضي نسخة من اللائحة الداخلية الجديدة، التي تشمل 440 مادة؛ تمهيدا لمناقشتها وإقرارها في جلسة عامة الأسبوع المقبل.
وتضمنت اللائحة بعض المواد المستحدثة، لتتوافق مع الدستور الجديد المستفتى عليه في كانون ثان/ يناير 2014، بينما أبقت على عدد من النصوص الواردة في اللائحة القديمة للمجلس.
تعديل غير مسبوق
ولأول مرة في تاريخ البرلمان المصري، نصت اللائحة على إعطاء الحق للمدعي العام العسكري والنائب العام الحق في طلب رفع الحصانة عن أي عضو بالبرلمان.
واشترطت اللائحة أن يقدم طلب رفع الحصانة عن العضو إلى رئيس مجلس النواب، مبينا فيه الواقعة المنسوبة للعضو المطلوب رفع الحصانة بسببها والمواد المؤثمة لهذه الواقعة، وبعد دراسة الطلب والتأكد من توافر الشروط المشار إليها، يعرض الرئيس الأمر على المجلس للتصويت عليه.
ومن المعروف أن القضاء العسكري يعد إحدى هيئات القوات المسلحة التي تتبع وزير الدفاع، والذي يعدّ بدوره أحد أعضاء السلطة التنفيذية، التي يجب ألّا يكون لها ولاية على البرلمان، إعمالا بمبدأ الفصل بين السلطات المعمول به في جميع دول العالم.
من جانبها، دافعت سوزي ناشد النائبة عن ائتلاف دعم مصر عن منح المدعي العام العسكري الحق في طلب رفع الحصانة عن عضو البرلمان، قائلة إن هذه تتوافق مع الدستور الجديد الذي نص على أن القضاء العسكري يعدّ هيئة قضائية مثل باقي الهيئات الأخرى.
وأضافت ناشد، في تصريحات صحفية، أن هذه المادة لا تعني أن القضاء العسكري أصبح له سلطة على مجلس النواب، لكن المقصود هو أن القضايا التي تتعلق بمنشآت عسكرية أو مناطق عسكرية سيكون تقديم طلب رفع الحصانة فيها من خلال المدعي العام العسكري.
لكن النائب عماد جاد رفض هذه المادة، قائلا إن مؤيدي هذا التوجه يتذرعون بأن كثيرا من أعضاء مجلس النواب هم ضباط سابقون في القوات المسلحة، وبالتالي يجب أن يتم رفع الحصانة عنهم من خلال المدعي العام العسكري، في حين أن العسكريين حينما يخلعون البدلة العسكرية يصبحون مدنيين، ويجب أن يتم رفع الحصانة عنهم من خلال النائب العام فقط.
تفتيت التكتلات البرلمانية
وتضمنت اللائحة بندا مستحدثا، وصفه عدد كبير من النواب بأنه تعجيزي، حيث اشترط لتكوين أي ائتلاف أو تكتل تحت قبة البرلمان ألا يقل عدد أعضائه عن 150 عضوا، وأن يكونوا من 15 محافظة مختلفة، منهم خمسة على الأقل من كل محافظة.
وقال النائب علاء عابد رئيس الهيئة البرلمانية لحزب المصريين الأحرار إن حزبه سيرفض هذه الشروط التعجيزية عند مناقشتها بالجلسة العامة لمجلس النواب، مطالبا بتعديل تلك المواد؛ لتشجيع التعددية الحزبية داخل البرلمان.
ومن أبرز المواد المستحدثة زيادة عدد اللجان النوعية بالمجلس إلى 28 لجنة بدلا من 18، وهو ما رفضه بعض النواب، معتبرين أنها زيادة مبالغ فيها، وأن كثيرا من اللجان تم استحداثها لإرضاء نواب بعينهم، عن طريق تعينهم في رئاسة تلك اللجان الجديدة دون وجود حاجة حقيقية لها.
معهد لتدريب النواب
كما استحدثت اللائحة بندا بإنشاء معهد خاص لتدريب نواب البرلمان على التشريع والرقابة وتطوير العمل البرلماني عن طريق تبادل الخبرات مع أعضاء برلمانات العالم.
كما ألزمت اللائحة الجديدة مجلس النواب بعرض القوانين الموافق عليها على مجلس الدولة؛ لمراجعتها وإعادة صياغتها قبل أخذ الرأي النهائي فيها.
كذلك نص مشروع اللائحة على تشكيل لجنة القيم التي يكون من صلاحيتها توقيع العقوبات على الأعضاء المخالفين، وقد تصل تلك العقوبات إلى شطب عضوية النائب في البرلمان، بعد موافقة المجلس، وتتكون لجنة القيم من 14 عضوا، شريطة أن يكون نصفهم على الأقل أعضاء غير منتمين للحزب أو الائتلاف الحاصل على الأكثرية.
ونصت اللائحة على زيادة رواتب النواب وبدلاتهم، لتصبح 15 ألف جنيه، معفاة من الضرائب لكل عضو مع زيادة سنوية بنسبة 10%، فضلا عن البدلات الإضافية التي يمكن أن يقررها المجلس للنواب، شريطة ألا يتعدى إجمالي ما يحصل عليه العضو الحد الأقصى للأجور في الجهاز الإداري للدولة.
- Details
- Details
- أخبار سياسية
بِن وايت – (نيوزويك ميدل إيست) 10/2/2016
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
الصراعات الداخلية تهدد إقامة الدولة الفلسطينية
يوم 25 كانون الثاني (يناير) من العام 2006، أدلى الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة بأصواتهم لانتخاب المجلس التشريعي الفلسطيني. وكانت حركة حماس، التي لم تكن قد خاضت انتخابات المجلس التشريعي السابق قبل عقد من الزمن، في وضع جيد لكي تبلي حسناً.
كانت الولايات المتحدة قد أنفقت مليوني دولار في محاولة لإحباط فوز حماس، وهو مبلغ يتجاوز بكثير كل ما ضمته خزائن حملات الأحزاب الأخرى. وتم استخدام تلك الأموال لتمويل "العشرات من المشاريع السريعة... لتعزيز صورة فصيل فتح الحاكم أمام الناخبين"، والتي ركزت على "الدوائر الانتخابية التي تتمتع فيها حماس بوضع جيد".
لكن تلك النقود أنفقت عبثاً. فقد فازت حماس بـ74 مقعداً من أصل 132 مقعداً في المجلس التشريعي الفلسطيني، بينما تمكنت فتح؛ الفصيل المهيمن منذ وقت طويل على منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية، من تأمين 45 مقعداً فقط. وتم افتتاح البرلمان الجديد في 18 شباط (فبراير) 2006.
بالنسبة لإسرائيل، حولت نتيجة الانتخابات السلطة الفلسطينية أتوماتيكياً إلى "سلطة إرهابية". وفي غضون أسابيع، شنت حكومة رئيس الوزراء أيهود أولمرت "حملة... ركزت على تركيع (السلطة الفلسطينية) التي تعاني من ضائفة مالية، عن طريق تجفيف منابع الدخل الذي تمس حاجة السلطة إليه".
في سياق تلك الحملة، منعت إسرائيل عمال غزة من العمل في إسرائيل، وتوقفت عن تحويل عوائد الضرائب التي تجمعها نيابة عن السلطة الفلسطينية، وحثت المجمتع الدولي على "وقف كل المساعدات المالية" للسلطة الفلسطينية، واعتقلت في حزيران (يونيو) من ذلك العام العشرات من أعضاء حركة حماس في البرلمان.
هدفت تلك الإجراءات التي أقرها المسؤولون الإسرائيليون إلى معاقبة الفلسطينيين في غزة عن طريق خنق اقتصاد القطاع. وبالتعبير سيئ السمعة لدوف فايسغلاس، مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الحين، كانت الفكرة هي "وضع الفلسطينيين في نظام حمية غذائية، وإنما عدم تركهم يموتون من الجوع".
كما أثار انتصار حركة حماس المدوي أيضاً مَن يُدعون الأوصياء الدوليين على عملية السلام، رباعية الشرق الأوسط (الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وروسيا والولايات المتحدة). وبينما رحبت الرباعية بما وصفته بأنه "عملية انتخابية حرة ونزيهة وآمنة"، فإنها سرعان ما فرضت ثلاثة شروط على الحكومة الفلسطينية: "نبذ العنف؛ والاعتراف بإسرائيل؛ والقبول بالاتفاقيات والالتزامات السابقة".
وفي شباط (فبراير) من العام 2006، انتقد الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، الذي كان يراقب الانتخابات على الأرض، "التزام (الولايات المتحدة وإسرائيل) المشترك... بسلب السلطة من مسؤولي حماس المنتخبين عن طريق معاقبة المواطنين العاديين"، وحذر من "تداعيات وخيمة" محتملة لذلك السلوك.
لم تصل محاولات فتح وحماس للتوصل إلى تسوية إلى شيء، وازداد العنف الفصائلي. والصدامات بين القوات المسلحة لفتح وحماس "تصاعدت بشكل خطير" في العام 2007، وبلغت ذروتها في حزيران (يونيو) عندما سيطرت حماس على قطاع غزة. وقد قتل في تلك السنة أكثر من 300 فلسطيني في الاقتتال الداخلي.
من وجهة نظر "العديد من المسؤولين الغربيين"، كان هجوم حماس في غزة بمثابة "ضربة وقائية... قبل أن تتمكن واشنطن من بناء فتح". وكانت الولايات المتحدة وإسرائيل تدرسان مسبقاً "السبل الكفيلة بزعزعة استقرار الحكومة الفلسطينية" في العام 2006. وفي العام 2008، تم الكشف عن "مبادرة سرية" لإدارة بوش، والتي هدفت إلى "إثارة حرب أهلية فلسطينية"، بما في ذلك تعزيز قوات فتح.
والآن، بعد عقد من ذلك، ما يزال الانقسام الفلسطيني المرير والدموي باقياً. وقد تصاعدت الجهود لتحقيق المصالحة الوطنية وتضاءلت، لكن الاقتراحات الجوهرية لكسر الجمود ذهبت كلها من دون تطبيق. ومع أن المسؤولين يتحدثون خطابياً عن الوحدة الوطنية، فإن قسمة فتح-حماس ما تزال في الممارسة العملية واضحة تماماً كما كان شأنها على الدوام.
كانت نتائج هذا الانقسام الفلسطيني المتواصل كارثية: فهو يؤثر على الحياة اليومية للفلسطينيين (سواء فيما يتعلق بالهجمات المتبادلة على حرية التعبير، أو فيما يتعلق بالتنسيق العملي)؛ وهو يجهض المبادرات الفلسطينية على المسرح العالمي؛ وهو يستمر في أن يشكل واحدة من أكبر العقبات أمام إقامة انتخابات تشريعية ورئاسية فلسطينية.
في الآونة الأخيرة، ظهرت بعض الإشارات إلى عملية مصالحة جديدة ممكنة تجري وراء الكواليس. وقام "قادة من الجيل الثاني من قادة فتح" بزيارة رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، خالد مشعل، في الدوحة، "لتقييم ما هو مطلوب للخروج من المأزق" الذي يبقي معبر رفح الحدودي مغلقاً. ويشكل المعبر الواقع على الحدود بين غزة ومصر بوابة القطاع الرئيسية على العالم الخارجي. وفي 25 كانون الثاني (يناير)، أعلن أمين مقبول، الأمين العام للمجلس الثوري في فتح، أن وفداً "رفيع المستوى" من فتح سوف يتجه إلى الدوحة في أوائل شباط (فبراير) لعقد اجتماع مع مشعل في محادثات ترعاها الحكومة القطرية. وتوقع المراقبون أن يفضي ذلك الاجتماع إلى تنقية العلاقات بين الفصيلين.
ربما تسفر هذه المساعي الأخيرة عن شيء؛ ولكن، هل سيكون ذلك كافياً لحل الأسئلة الأكثر أساسية، مثل طبيعة المقاومة، ودور منظمة التحرير الفلسطينية، والمصالح الفصائلية التي تعمقت فقط بمرور الوقت؟
لعل مما يزيد الأمور تعقيداً هو أن كلاً من فتح وحماس تواجهان معضلاتهما وتحدياتهما المخصوصة. فبالنسبة لحماس، تبدو الصورة الإقليمية معقدة. ما تزال المضامين بعيدة الأمد للانفراج المتكشف في العلاقات التركية-الإسرائيلية غير واضحة، بينما تتطلع حماس إلى الحفاظ على توازن دقيق بالغ الحساسية في علاقاتها المتشابكة مع إيران والمملكة العربية السعودية، وإلى تجنب التورط في التوترات المتصاعدة بين الرياض وطهران.
كما تسير السلطات في غزة أيضاً في مسار وعر فيما يتعلق بنهج المجموعة تجاه خصومها من السلفيين الجهاديين. فبينما تتحدد نشاطات هؤلاء الأخيرين في داخل المنطقة المحاصرة، فإن لهم "علاقات مدفوعة اقتصادياً" أكثر غموضاً مع جماعات متمركزة في سيناء، في ضوء الحملة التي تشنها مصر على الأنفاق عبر الحدود.
في كانون الأول (ديسمبر)، دعت مقالة نشرت في جريدة فلسطين الموالية لحماس، والتي كتبها مؤمن بسيسو، إلى "مراجعة وتقييم" تجريهما الحركة، وحدد عدداً من الأخطاء التي ارتُكبت في السنوات الأخيرة. وذكر سلوك واستراتيجيات حماس بعد انتخابات العام 2006 كمثال، وقال أن الحركة لم تكن مستعدة في ذلك الحين للانتقال من المعارضة إلى السلطة.
ووفقاً لبسيسو، فإن "افتقار (حماس) للخبرة السياسية والإدارية في السلطة والتعامل مع القضايا السياسية والخدَماتية المختلفة، أخضع الحركة لانتقادات فصائل مهمة في فلسطينية وقطاع (غزة)"، وكتب أن حماس "تحتاج إلى أن تمثل مشروعاً وطنياً ومسؤولاً"، والذي تستطيع أن تتعلمه من أخطاء الماضي.
في الأثناء، تواجه فتح مشكلاتها الخاصة الداخلية في الغالب. وكان الرئيس الفلسطيني قد انتخب أخيراً قبل 11 عاماً (لفترة رئاسية مدتها 4 سنوات). وقد تلقى خطاب ألقاه عباس في أوائل كانون الثاني (يناير) الكثير من الانتقادات لأنه "(تجنب) تقديم أي إجابات عن التحديات والمخاطر التي تهدد القضية الفلسطينية"، و"لم يقل أي شيء عن انتقال السلطة" بعد مغادرته.
الآن، أصبحت الاستعدادات لمعركة الخلافة بعد عباس تجري على قدم وساق، وفي العلن. وقد ظهر طابور مزدحم من اللاعبين الرئيسيين الساعين للحصول على المنصب، والذي يضم كلاً من: مصطفى البرغوثي، عضو المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية؛ وماجد فرج، رئيس جهاز المخابرات العامة؛ وصائب عريقات، كبير مفاوضي السلام؛ ومحمد دحلان، قائد فتح السابق في غزة؛ وجبريل الرجوب، الرئيس السابق لقوات الأمن الوقائي في الضفة الغربية. ومع ذلك، لم يعقد المؤتمر العام لفتح، المؤسسة الأعلى في المنظمة، أي اجتماعات منذ اجتماعه السادس في العام 2009. ويضع ذلك المؤتمر برنامج فتح السياسي، وينتخب اللجنة المركزية والهيئة التنفيذية والمجلس الثوري والهيئة التشريعية. ويشكل المؤتمر المصدر الأساسي لشرعية قيادة فتح.
وفي ميدان الرأي العام أيضاً، تبدو فتح في ورطة. ففي إشارة على السخط، كشف استطلاع حديث أن 65 في المائة من الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة يريدون استقالة عباس. وسجل الرضا عن أداء عباس كرئيس نسبة 35 في المائة؛ مقارنة بنسبة 44 في المائة قبل ستة أشهر فقط.
وكشف نفس الاستطلاع أيضاً أنه في مسابقة رئاسية رأساً لرأس بين عباس وبين زعيم حركة حماس في غزة، اسماعيل هنية، فإن الأخير سوف يفوز بنسبة 51 في المائة مقارنة بنسبة 41 في المائة للأول. ومع ذلك، سوف يهزم قائد فتح السجين، مروان البرغوثي، اسماعيل هنية بنسبة 56 في المائة إلى 38 في المائة. وفي الانتخابات التشريعية، ستجتذب كل من فتح وحماس 33 في المائة من الأصوات لكل منهما (حيث لم يقرر 33 في المائة من سينتخبون بعد).
وهناك استياء فلسطيني متصاعد من استمرار التنسيق الأمني بين قوات السلطة الفلسطينية وبين الاحتلال الإسرائيلي. وقد أثار فرج مشاعر الغضب الشعبية مؤخراً حين زعم في إحدى المقابلات أنه منع 200 هجوم كان فلسطينيون سينفذونها ضد الإسرائيلييين منذ تشرين الأول (أكتوبر) فقط، وأنه اعتقل نحو 100 فلسطيني أيضاً.
وهذه السياسة مثيرة للحنق بشكل خاص بالنظر إلى افتقار عباس إلى عرض أي نتائج: فقد استمرت إسرائيل في سعيها العدواني لاستعمار الضفة الغربية والقدس الشرقية واستيطانهما، وفشلت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في ممارسة ضغط يعتد به على الحكومة الإسرائيلية. فلا عجب إذن أن الدعوات لإجراء إصلاح شامل للقيادة الفلسطينية تصبح أكثر إصراراً وأعلى صوتاً.
بعد 10 سنوات من انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني المصيرية في العام 2006، يبدو المشهد الفلسطيني المباشر قاتماً؛ ويحذر بعض الخبراء من أنه "إذا ما استمرت الاتجاهات الحالية، فإن فلسطين ربما تصبح دولة فاشلة حتى قبل أن تصبح دولة حقيقية". وتلقي انتفاضة الشباب الفلسطينيين التي بدأت قبل بضعة أشهر ضوءً أكثر سطوعاً على غياب قيادة وطنية فلسطينية موثوقة.
بالإضافة إلى ذلك، أصبحت العمليات المتمايزة -وإنما المتعالقة- أكثر تشابكاً: ملف الوحدة الوطنية؛ الانتخابات التشريعية والرئاسية في الضفة الغربية وغزة؛ صراعات فتح الداخلية، وتنشيط هيئات صنع القرار الخاصة بمنظمة التحرير الفلسطينية.
كما لا يمكن تجاهل التدخلات الإقليمية والتدخل الدولي أيضاً. وقد أصبح نفاق "شروط" اللجنة الرباعية -والتي تشكل عقبة كأداء أمام التقدم في جهود المصالحة الفلسطينية- أكثر وضوحاً بينما تنتخب إسرائيل ممثلين يرفضون علناً قيام دولة فلسطينية.
في نهاية المطاف، يمكن تلخيص الحالة المزرية التي تعيشها السياسة الفلسطينية على أنها أزمة عجوزات: في الرؤية؛ الوحدة؛ والشرعية. ولا يمكن حل هذه المشكلات بإصلاحات قصيرة الأجل. ولكن، وبعد عقد من الانقسام، لا يبدو أن ثمة نهاية في الأفق حتى الآن.
*نشر هذا العرض تحت عنوان: Palestine: The Road Ahead
عن "الغد"
- Details
- Details
- أخبار سياسية
تسفي برئيل
«ملايين من المخلوقات البريئة يؤخذون إلى المجزرة التي ينفذها الانسان منذ 1500 سنة. مخلوقات لا قوة لها تدفع كل سنة حياتها. تُقطع رؤوسها وتسيل دماءها بدون ذنب، ثمنا لهذا الكابوس المقدس». هكذا وصفت الكاتبة المصرية فاطمة ناعوت طقوس ذبح الخراف في الأعياد الإسلامية الكبيرة، عيد الفطر وعيد الاضحى.
ناعوت هي مهندسة في مهنتها وعضوة في نقابة المهندسين المصريين. لكنها اشتهرت بسبب كتاباتها في الصحف، وبشكل خاص في الفيس بوك حيث ظهرت هناك قبل عام وانتقدت التقليد الديني المذكور أعلاه.
ليس واضحا لماذا قرر المحامي محمد عفيفي أن يتابع صفحة ناعوت في الفيس بوك. لكن النتيجة كانت دعوى قدمها العفيفي واثنان من زملائه للمحكمة الشرعية في القاهرة بادعاء أن ناعوت قد أخلت بالقانون الذي يمنع الحاق الضرر واهانة الاديان. فحسب المادة 98 من القانون الجنائي، كل من يُهين ديانات اخرى أو يلحق الضرر بها أو يمنع المؤمنين من اجراء طقوسهم الدينية أو ينشر مواقف دينية متطرفة، فان حكمه ربما يصل إلى خمس سنوات سجن مع دفع غرامة مالية.
المحكمة لم تستطع تجاهل القضية. لكنها لم توفر الاهانات على المدعين، وكذلك التضييق والاعتقال المؤقت. ويبدو أن هذا بسبب الاشتباه أنهم ينتمون إلى الاخوان المسلمين وأن هدف الدعوى احراج النظام وتصويره على أنه لا يهتم بمعاقبة من يلحق الأذى بالدين.
ليست هذه هي المرة الاولى التي يستخدم فيها نشطاء الاخوان المسلمون الجهاز القضائي من اجل اظهار اهمال النظام وتسامحه فيما يتعلق بالحفاظ على الإسلام في مصر. ولكن في الفترة التي يلاحق فيها النظام الاخوان المسلمين، فان حساسية الرئيس عبد الفتاح السيسي تجاه اتهامه بأنه «لا يهتم بالدين»، عالية جدا.
لقد قبلت المحكمة الدعوى. وفي نهاية كانون الثاني حكمت على ناعوت بالسجن ثلاث سنوات ودفع غرامة تبلغ 20 ألف جنيه مصري. لكن ناعوت لم تصمت. «أنا أشكر المحكمة على قرارها»، كتبت، «وأشكر ايضا اولئك الذين يقدمون ضدنا دعاوى تتهمنا بالاستخفاف بالدين، في الوقت الذي هم أنفسهم لا يعرفون فيه كتابة اسم الله».
تنضم ناعوت إلى قائمة طويلة من المثقفين والكتاب والنشطاء مثل فرج فوده، رجل الدين الذي قتل عام 1992 على أيدي نشطاء متدينين متطرفين. والمخرجة ايناس الدغيدي التي تم التحقيق معها في العام الماضي بعد أن طالبت بمنع ارتداء البرقع وقالت باستهزاء إنها تتحدث مع الله. وناصر حامد أبو زيد، الباحث في الدين الذي تم تكفيره عام 1995 بسبب التفسير العصري الذي اقترحه للقرآن. كل هؤلاء تمت محاكمتهم حسب قانون الحاق الضرر بالدين. هذا البند الذي وضعه الرئيس أنور السادات، وُجه في الاساس ضد الاخوان المسلمين الذين استغلوا المنصة الدينية من اجل التحريض ضد المسيحيين في مصر.
ناعوت أُدينت في الوقت الذي يطالب فيه السيسي من البرلمان ومن الازهر بتشكيل الحوار الديني في مصر بشكل يمنع التفسير المتطرف، ويقترح طرق تعاون بين الديانات وضمان التعليم الديني المعتدل في المدارس.
قبل عام احتفل السيسي بما سمي «الثورة الدينية» التي تهدف إلى ابعاد أفكار الاخوان المسلمين والتيارات الراديكالية عن الحوار الديني. بقيت الثورة ميتة، باستثناء مؤتمرين قام بهما الازهر، ولم ينشر محتواهما. لا يمكن الحديث عن تغيير حقيقي في برامج التعليم أو الخطب في المساجد. «لا يستطيع الازهر أن يدافع عن أولادنا في وجه التطرف»، قال الصحافي خالد صلاح في الاسبوع الماضي. وفي المؤسسة الدينية ينشط باحثون ومحللون وهم يعتبرون أن الدعوة إلى تجديد الحوار الديني محاولة من قبل النظام لفرض سياسته في موضوع الدين.
السيسي نفسه عقد لقاءً مع المثقفين وفقهاء الدين من اجل مناقشة الحوار الديني معهم. وكانت فاطمة ناعوت من بين المشاركين. لكن اللقاء لم يُحدث التحول الذي سعى اليه الرئيس. الخشية هي من أن المبادرة لتجديد الحوار الديني من شأنها وضع معايير لتقييد حرية التعبير. من الذي يقرر كيف يتم الحاق الضرر بالدين؟ أي اقوال يمكن اعتبارها شرعية وأيها لا؟ من من بين فقهاء الدين يُقدم للمحكمة الاستشارة حول كيفية التعامل مع الاقوال المضرة بالدين؟.
هذا جزء من التساؤلات التي يطرحها المثقفون المصريون على ضوء ما يبدو وكأنه خط آخر تبناه النظام المصري، ليس فقط ضد المتطرفين المتدينين، بل ايضا ضد الليبراليين. وقد عبر الصحافي ابراهيم عيسى عن خيبة أمل الليبراليين العلمانيين حينما سأل «كيف يمكن السماح لكل انسان تقديم دعوى ضد شخص آخر متهما إياه بالكفر، في الوقت الذي يقام فيه في مصر معرض الكتاب الاكبر في المنطقة؟». التحضر والدين، حسب عيسى، لا يمكن أن يعيشا معا. ولكن من الذي سيعرف ما هو التحضر؟.
عن "هآرتس" 16/2/2016
- Details
- Details
- أخبار سياسية
حسن نافعة*
تشهد منطقة الخليج نوعين من التحولات سيكون لهما تأثيرات عميقة في الأوضاع الراهنة والمستقبلية للنظام الإقليمي العربي عموماً، وللدول العربية الواقعة في هذه المنطقة، على وجه الخصوص.
النوع الأول: تحولات تمس موازين القوى الإقليمية، ولها أسباب عديدة، ربما كان أهمها التنامي الملحوظ في قوة إيران على مختلف الأصعدة السياسية والعسكرية والاقتصادية، بخاصة بعد التوصل إلى اتفاق حول برنامجها النووي مع الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن مضافاً إليها ألمانيا. ولأن إيران كانت حتى وقت قريب دولة محاصرة بالعقوبات، وبالتالي معزولة عالمياً إلى حد كبير، فمن الطبيعي أن يؤدي تطبيع علاقتها مع المجتمع الدولي إلى إزالة العقبات كافة التي كانت تعترض طريق تغلغل نفوذها أكثر داخل محيطها الإقليمي، وهو ما يثير أشد القلق والمخاوف لدى الدول العربية المجاورة.
الثاني: تحولات تمس موازين القوى العالمية، وهي تحولات لها أسباب عدة أيضاً، ربما كان أهمها تراجع الوزن النسبي لقوة ومكانة الولايات المتحدة في النظام العالمي، مصحوباً بتراجع بعض أسباب ومحددات الاهتمام الأميركي بمنطقة الشرق الأوسط، بما فيها منطقة الخليج، وهو تراجع قد يضطر الولايات المتحدة إلى تقليص بعض مظاهر تواجدها ودرجة انغماسها في شؤون هذه المنطقة برمتها، تاركة وراءها فراغاً يغري قوى دولية وإقليمية أخرى بالتقدم لملئه. ومن الطبيعي أن يثير هذا التطور في موازين القوى العالمية قلقاً أشد لدى دول الخليج العربية. من الطبيعي أن تطرح هذه التحولات تساؤلات جادة حول تأثيراتها المستقبلية المحتملة في استقرار منطقة الخليج، وما إذا كانت الدول العربية الواقعة في تلك المنطقة، تملك من القدرات ومن المهارة الديبلوماسية والحنكة ومن الإرادة السياسية ما يجعلها قادرة على التعامل بكفاءة مع أعاصير هوجاء بدأت تهب بعنف على المنطقة وتهدد باقتلاع مرتكزات الاستقرار فيها. وهو ما يفرض على صناع القرار، وعلى وسائل وأدوات تشكيل الرأي العام ومراكز التفكير الاستراتيجي في دول الخليج العربي الاهتمام بتشخيص طبيعة هذه التحولات ودراسة تأثيراتها الفعلية في موازين القوى في المنطقة وما يتعين اتخاذه من إجراءات وقرارات عاجلة أو آجلة لإنقاذ مستقبل يبدو مهدداً بالضياع.
كانت دول الخليج العربي قد اعتادت على مدى عقود طويلة أن تلجأ إلى وسيلتين متكاملتين لمواجهة الأخطار التي قد تشكل تهديداً لأمنها الوطني. الوسيلة الأولى: البحث عن مظلة أمنية تكفل تقديم الحماية المطلوبة عند الحاجة، من خلال إبرام ترتيبات خاصة مع إحدى القوى العظمى، مقابل حصول هذه الأخيرة على مكاسب عسكرية وسياسية واقتصادية تنوعت وتعددت أشكالها: قواعد أو تسهيلات عسكرية، صفقات سلاح ضخمة، امتيازات نفطية مجزية، استثمارات مالية مباشرة أو غير مـــباشرة...الخ. ساعد على توفير هذه الوسيلة دخول النظام العالمي مرحلة جديدة بعد الحرب العالمية الثانية اتســمت بالقطبية الثنائية. وهو ما أتاح أمام الدول المحدودة القدرات، ومنها العديد من الدول العربية في منطـــقة الخليج، هامشاً أكبر من حرية الحركة والمناورة مكَّنها من الإفلات من حصار أو وصاية الدول القوية المجاورة، وذلك عبر مد الجسور لعلاقة استراتيجية خاصة مع الولايات المتحدة الأميركيــة. وعندما خرجت الولايات المتحدة من الحرب الباردة منتصرة عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، بدت دول الخليج العربي وكأنها راهنت على الحصان الفائز في السباق الدولي وتصورت أنها دخلت بالتالي ضمن مجموعة الدول المؤهلة للحصول على جوائز ومكافآت في النظام الدولي الجديد بعد أن أصـــبح أحادي القطبية. غير أنه سرعان ما تبين أن هذا الاعتقاد لم يكن سوى وهم كبير، خصوصاً بعد أن اكتشفت هذه الدول متأخرة أن حصـــتها من الثمن الذي دفع لضمان انتصار المعسكر الغربي في الحرب الباردة، وهو تدمير العراق، كان باهــظاً وتـــرتب عليه خلل كبير في موازين القوى في المــنطقة عانت ولا تزال تعاني منه الدول العربية ككل.
الوسيلة الثانية: استخدام وفوراتها المالية الهائلة لشراء ولاءات سياسية، وللتعامل مع بعض أنواع الابتزازات أو المزايدات أو الأطماع التي كثيراً ما تعرضت لها، ولإطفاء حرائق أو حل أزمات خشيت من آثارها السلبية المحتملة التي قد تنجم عن احتمال تمددها وانتشارها في المنطقة، أو حتى لإثارة مشكلات وقلاقل لقوى إقليمية ودولية مارست عليها ضغوطاً أو تبنت سياسات اعتبرتها معادية أو ضارة بأمنها الوطني. غير أن التقلبات الحادة في أسعار النفط، وهي تقلبات دورية وأحياناً مفاجئة لا تستطيع التحكم فيها، كشفت محدودية تأثيرها وبالتالي صعوبة وربما خطورة الاعتماد على هذه الوسيلة بدرجة كبيرة.
كشف سقوط العراق وتحوله إلى دولة فاشلة، من ناحية، وإحجام الولايات المتحدة الأميركية عن الزج بقواتها المسلحة لتأمين مصالح حلفائها في المنطقة، من ناحية أخرى، عن بعض مظاهر الخلل البنيوي والاستراتيجي في موازين القوى في المنطقة، ودفع بدول مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة لاتخاذ مبادرات ما كانت لتخطر على بال أحد من قبل. فلم تتردد السعودية في التدخل عسكرياً في الأزمة اليمنية وتقود بنفسها منذ عام تحالفاً عسكرياً ضد الحوثيين وقوات علي عبد الله صالح تشارك فيه دولة الإمارات بهمة كبيرة. ومنذ أيام، أبدت السعودية والإمارت استعدادهما لوضع قوات برية كبيرة تحت تصرف تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة الأميركية للقيام بعمليات عسكرية مباشرة داخل الأراضي السورية.
أثار هذا التطور الملحوظ في سياسات الدول العربية الخليجية تعلــيقات عدة من جانب عدد من الكتاب والمحللين العرب. وبدلاً من تحليل أسباب ودوافع هذا التطور ورصد نتـــائجه وتأثـــيراته المحتملة في مســـتقبل المنـــطقة العربية، راح هؤلاء الكتاب والمحللون يركزون جهدهم على بعد آخر، أعتقد بأنه ثانوي، يدور حول الأطراف المؤهلة حالياً لقيادة العالمين العربي والإسلامي. فمن قائل إنه يعني «انتقال مركز الثقل السياسي في العالمين العربي والإسلامي إلى دول الخــليج العــربي»، ومن قائل إنه «يجسد لحظة الخليج في التاريخ العربي المعاصر»، ومن قائل إنه يعني «انتقال القرار العربي من دول الماء إلى دول النفط»... الخ.
لا يتسع المقام هنا لتحليل فاعلية المبادرات السعودية والإماراتية وتأثيراتها المحتملة في الأوضاع في المنطقة العربية ومسار الأزمات المشتعلة فيها، بخاصة في سورية واليمن. كما لا يتسع المقام هنا لحديث مفصل عن قضية القيادة في النظام العربي، وهي قضية معقدة تستحق معالجة أكثر جدية. غير أن حقائق الأوضاع على الأرض تشير إلى أن النظام العربي أشبه بسفينة تتقاذفها الأمواج في عرض بحر هائج بلا دفَّة أو بوصلة توجهها، وبالتالي هو نظام بلا قيادة وسفينة تائهة بلا قبطان. وذلك لسبب بسيط وهو أن كل دولة في العالم العربي لا تزال تتصرف وفق رؤية ضيقة وأنانية لمصالحها الوطنية، أو بمعنى أدق وفق رؤية تتمحور حول مصالح النخبة الحاكمة فيها. وما يصدق على النظام الإقليمي العربي ككل يصدق بالقدر نفسه، وباستخدام المقاييس نفسها، على دول مجلس التعاون الخليجي التي لم تنجح حتى هذه اللحظة في إقامة نظام فرعي يحقق لها أمناً جماعياً.
لقد فرضت متطلبات تحقيق التوازن الاستراتيجي في منطقة الخليج أن تبذل كل الدول العربية المشاطئة، بما فيها العراق، أقصى ما تستطيع من جهد للتوصل إلى أفضل صيغة تكاملية تمكنها من التحرك ككتلة واحدة في مواجهة إيران، بصرف النظر عن طبيعة النظام الحاكم في هذه الدولة الجارة والمسلمة، مع الحرص في الوقت نفسه على إقامة علاقات تعاونية تقوم على التكافؤ والندية ومراعاة حسن الجوار. غير أن المشروعات التي استهدفت تحقيق التكامل في هذه المنطقة ظلت قاصرة وعاجزة. وربما تكون تجربة تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة هي أنجح تجارب التكامل العربي حتى الآن، على رغم ما انطوت عليه من بعض أوجه القصور. فقد عجزت هذه التجربة الناجحة، من ناحية، عن استيعاب دولة قطر في إطارها، كما عجزت، من ناحية أخرى، عن أن تصبح نموذجاً يحتذى من جانب مجلس التعاون الخليجي الذي لم يستطع حتى الآن أن يفرض نفسه كتجربة تكاملية ناجحة ومؤثرة. ويكفي أن نتذكر ما مرَّ به المجلس من أزمات، والتي كان آخرها قطع ثلاث من الدول الأعضاء علاقاتها الديبلوماسية مع دولة رابعة هي قطر بسبب غياب رؤية عربية خليجية مشتركة لطبيعة الأزمة السياسية التي أطاحت حكم جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 2013. ومن المؤكد أن عجز دول مجلس التعاون الخليجي عن حماية العراق من السقوط وعن صيانة عروبته، بصرف النظر عن حماقات صدام ومسؤوليته عما جرى، عرَّض الأمن الجماعي لدول مجلس التعاون الخليجي لأخطار جسيمة يصعب أن يتصدى لها بمفرده.
* كاتب مصري
عن "الحياة"
- Details