قضايا وأراء
- Details
- قضايا وأراء
د.فوزية أبو خالد
أتذكر أن مجموعة من الشابات والشباب منا ومن سوانا في العالم العربي لما لم يجدوا ما يعبرون به عن احتجاج أرواحهم على إعلان أمريكا قرارها المنفرد الظالم بمحاربة العراق، واحتلاله أرضه، وتقتيل شعبه عام 2003، قرروا الصيام.
البعض صام أيامًا، والبعض صام أسابيع. ومع أن عملية صيام مواطنين عرب لم توقف العمليات الوحشية للحرب والاحتلال وسط صخب آلات الحرب العسكرية والإعلامية معًا مقابل الصمت العربي المرعوب من امتداداتها، إلا أنها عبّرت لأصحابها على الأقل عن أن باستطاعتهم اتخاذ موقف ضميري رافض للظلم والعدوان، وإن أمام أنفسهم.
فإذا استحال تعبير الاحتجاج الحر أمام الملأ لإحداث التأثير المنشود لتصحيح موقف حيف، أو الاعتراض على ظلم لإيقافه عن حده، فلا أقل ألا يفقد الإنسان إنسانيته واحترامه لنفسه كاملاً بمضيه في روتينه اليومي من أكل وشرب وتناسل دون رفة احتجاج ولو بالإنكار في القلب أو الدعاء على الظالم.
وذلك أنه إذا كانت الأفعال الشائنة تمثل انتهاكًا لإنسانية البشر فإن الصمت إزاء الأفعال البشعة، أو التردد في ردها، أو العمى عن نقدها ولو بتسجيل موقف احتجاجي عليها، يعتبر إهانة وتهديدًا مرعبًا لعمود أساسي من أعمدة الإنسانية، هو عمود الخلق القويم والفطرة السليمة.
وفي هذا السياق المتمرد على الانحناء لرياح الشر، مهما كانت محدودية مثل هذا التمرد، جاء وقتها بيان «ليس باسمنا»، الذي وقّعه عدد من الكتّاب والأكاديميين من الأمريكيين، منهم إدوارد سعيد ونعومي تشاومسكي؛ ليعلنوا تبرُّؤهم من تلك الحرب غير العادلة، وذلك كأضعف الإيمان، ما دام ليس باستطاعتهم التدخل لمنعها أو وقفها.
ومنذ ذلك التاريخ إلى اليوم لم يكف - مع الأسف - مسلسل سفك دماء مجتمعات عربية بأسرها وانتهاك جغرافيا وتاريخ عدد من ديار العرب ومدنهم العريقة في العراق واليمن وليبيا وبلاد الشام بأيدٍ أجنبية، وبمخالب الطغاة والخونة من أبناء الجوار ومن أبناء البلاد، وكأننا في ماراثون إجرامي مستدام لتركيع المكان، وخلع كلمة ضمير من قواميس الأبجدية في كل اللغات.
فليس إلا بقتل كلمات مرهفة، مثل الضمير والأمل والحرية والكرامة، يمكن أن تمر جريمة اغتيال الأوطان فيما تمضي وتيرة الحياة الروتينية في المحيط القريب والبعيد للحريق، لا يقطعها إضراب عن طعام، ولا امتناع عن شراب، ولا تمرد على سلطان النوم، ولا صلاة غائب، ولا دعاء قنوت، ولا مظاهرة احتجاج.
فبأي حبر نكتب اليوم اسم مدينة حلب التي استطاعت بدم نسائها ورجالها، بأرواح أطبائها (محمد وسيم معاذ، حاتم، صلاح، فاطمة، ليلى)، بدماء تلاميذها (تيسير وبشرى وفيحاء)، أن تخرجنا على غيلة الأخلاق، وترش قليلاً من ماء الحياء على وجه العالم؛ فتعيد شيئًا من إرادة الحياة للضمير الإنساني.
فما تلك المظاهرات التي خرجت في أوروبا أمام السفارة الروسية الوالغة مع إيران وطغمة بشار البعثية الحاكمة في دم الشعب السوري على أثر حريق مدينة حلب، المدينة التاريخية الصهباء النجلاء الشهباء، إلا احتجاج على محاولة قتل الضمير وإعدام كرامة الإنسان والأوطان. وما تلك اللافتات الحمراء التي رُفعت أمام البيت الأبيض بواشنطن، وتلك الصور المروعة التي احتلت الصفحات الأولى من الصحف العالمية، كصورة السيدة الحلبية السورية الموشحة بالدم وبتراب بيتها، التي جاءت على نصف صفحة النيويورك تايمز، والتي ضجت بها مواقع التواصل الاجتماعي العربي والعالمي، إلا صرخة احتجاج وإن خفتت أو علت على المحاولات الشرسة لكسر حوض مدينة حلب، ولقطع أعناق القيم والأخلاق. وفي سياق الاحتجاج السلمي نفسه على فداحة الحروب العدمية، لم تكن صلاة الغائب التي أُقيمت في الإسكندرية وعدد من المدن العربية على شهداء حلب مع ما لف الكرة الأرضية عبر الواتساب من دعاء للحلبيين ورسائل انتقاد لصمت العرب والعالم ومنظمات حقوق الإنسان إزاء تشتيت الشعوب واختطاف أوطانها إلا صورة شخصية لاحتجاج إنساني عام على محاولة قتل الضمائر وإعدام مواثيق الشرف محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا.
إن المبادرة وتأييد مواقف الاحتجاج السلمي ومواقف تطوير الحس النقدي السليم اليوم تجاه الأحداث التجريفية في المنطقة، مثل غيلة مدينة حلب ومثلها حصار مدينة تعز من قِبل الحوثيين ونهش مدينة مصراتة وتفتيت أربيل والموصل والرمادي وعين العرب وسواها من مدن السلام التي تحولت على أيدي الطغيان والعدوان ونيرونات الهيمنة إلى ما يشبه المقابر الجماعية، مواقف لا يجب التفريط ولا الاستهانة بها مهما بدت مثل هذه المواقف صغيرة أو طفولية أو حتى حالمة.
فهي في رمزيتها ليست إلا الشمعة التي لن يسمح التنازل عنها أو التقليل من شأنها أو السماح بإطفائها إلا الغرق النهائي في طوفان الظلم والظلام لا سمح الله.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
سمر المقرن
موجعًا للغاية، ذلك الإعلان الذي يتردد على القنوات التلفزيونية الإيرانية، والذي يحث الأطفال على الخروج إلى الحرب على جبهات القتال في سوريا. في ذلك الإعلان يخرج طفلان يحملان المايكروفون يغنيان قائلين: (لدي الحكم للدفاع عن حرم ملك النجف، بإيعاز من المرشد خامنئي أضع دومًا حياتي، هدفي ليس تحرير العراق وسوريا فحسب، بل هو الوصول إلى القدس عن طريق حلب) يتخلل هذا الإعلان مؤثرات مرئيّة لأطفال يرتدون ملابس الجيش ويتدربون في المعسكرات.
زج الأنظمة الإرهابية بالأطفال في أتون الحروب ليس بجديد، إنما الجديد هذه المرّة هو «بجاحة» النظام الإيراني في جعل هذه الدعوة مرئية عبر القنوات التلفزيونية واستخدام أطفال فيها لبث رسالة لا إنسانية ولا تمت إلى الأخلاق ولا الدين بصلة!
الكل يعلم أن ملالي إيران قد تورطوا في حرب سوريا، وخسائرهم فادحة، بعد أن عاد عساكر الحرس الثوري من سوريا بأكفانهم، لم يعد لديهم سوى الأطفال ولم يتبقَ لديهم سوى هذه الأسلحة الرخيصة وهي الأطفال الإيرانيين والأفغان، بعد أن تكاتفت المليشيات الأفغانية مع الحرس الثوري الإيراني مقابل ثمن مادي رخيص!
تحدث المجتمع الحقوقي الدولي كثيراً عن حقوق الأطفال في الحروب، وحاجاتهم للرعاية والعلاج والتعليم وحمايتهم من مخاطر الحروب والإصابات وانفصالهم عن أهاليهم وغيرها، لكن المُلاحظ أن هناك صمتا مطبقا على توريط الأطفال داخل هذه الحروب وجعلهم وقودا لمعارك لا يعيها استيعابهم الصغير.
هذه المشاهد المؤلمة في توريط الأطفال داخل ساحات الحروب، تطرح كثيراً من الأسئلة على الجهات المعنية الراعية للقوانين الدولية الإنسانية مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر وغيرها: أين هي الجهود التي سمعنا أنه يتم العمل عليها منذ سنوات لحماية الأطفال من التجنيد والمشاركة في الحروب؟ وأين قوانين حماية الأطفال في الحروب التي وضعتموها وتلزمون بها الدول والجماعات المسلحة غير الحكومية؟ ما هي الجهود التي وقفتم عليها لحماية أطفال إيران وأفغانسان من التورط بهذه الحرب القذرة؟ ما الذي فعلتموه بعد مشاهدتكم تشييع أكثر من عشرين طفلاً أفغانيًا قُتلوا قبل أيام في سوريا؟
قائمة الأسئلة تطول لكنني على ثقة بأن لا إجابات منطقية سأجدها، ولا أفعال حقيقية ستوقف هذه الجرائم البشعة في حق أطفال الحروب.
الكلام سهل، وإظهار بيانات (القلق) والاستنكار أسهل، إنما الخطوات المُتحركة تجاه إيقاف هذه الجرائم هي الأصعب، بل إن النظام الإيراني يتجّح في إعلاناته التلفزيونية لأن من أمن العقوبة أساء الأدب، ولو لم يعلم أنه لا عقوبات ستطوله على هذه الجريمة النكراء لما أقدم عليها في وضح النهار!
ما زال النظام الإيراني يتمادى في جرائمه بحق شعبه، وبحق الشعوب العربية، ويريد من خلال الإعلان أن يوهم الأطفال بالذهاب إلى القدس، أي قدس يتحدثون عنه وهم من يحاول إفساد وتخريب مراسم الحج في مكة المكرمة؟ أي قدسية لبيوت الله يتحدث عنها هذه النظام وجرائمه في مكة لا تُعد ولا تحصى؟
إن كان المجتمع الدولي قد التزم الصمت حيال كل جرائم هذا النظام، فإن جريمته بحق الأطفال من المهم أن يكون تجاهها ردة فعل على الأقل تُشعرنا بأن هناك مجتمعا دوليا قادرا على إيقاف ولو -بعضٍ- من الجرائم!
- Details
- Details
- قضايا وأراء
سعد الدوسري
تهتم الشركات المتميزة بأدائها المهني، بخلق بيئة عمل مريحة لموظفيها، وذلك لكي تحصل على أفضل ما لديهم. وفي الغالب، تكلف البيئة ميزانية ضخمة، ولكن مردودها كبير على الموظف وعلى استثمارات الشركة.
هذا الأمر، لا تفكّر فيه معظم شركاتنا ومؤسساتنا، فتجدها تغرق الموظف في بيئة سيئة، لا خدمات ولا تقدير ولا حوافز ولا تأهيل.
يدخل الموظف لمقر العمل مكتئباً ويخرج مكتئباً، وتجد أداءه بلا روح.
وحين تحاول أن تبحث عمّن يطور بيئات العمل في المشاريع الاقتصادية، فستجدهم محدودين جداً، وستجد أنه ليس هناك من يلزم القطاع الخاص.
بتوفير هذه البيئة، وتطويرها وجعلها المحفز الأكبر للعاملين.
من سيكون في صفّ الموظف؟! من سيطالب له بهذا الحق وغيره من الحقوق؟!
اليوم نسمع عن شركات لا يتوفر فيها الحدّ الأدنى من البيئة الإدارية الصالحة للعمل.
ونسمع أيضاً عن شركات تؤخر صرف مرتبات موظفيها، أو لا تصرف لهم رواتبهم؛ هؤلاء من يقف معهم؟!
صحيح أن هناك مكاتب لحقوق العمال، ولكنها لم تقضِ على مثل هذه الظواهر. هناك مناخ عام لا يساعد على الإنتاج، وهو ما يجعل الكثير من شبابنا وشاباتنا غير متحمسين للعمل في القطاع الخاص.
الذي قد يبدو في معظم الأحوال بديلاً وحيداً للقطاع الحكومي الخالي من فرص التحدي والإبداع. وإذا استمرت بعض الشركات والمصانع والمؤسسات في لا مبالاتها فيما يخص بيئة عمل الموظفين وصرف مستحقاتهم بانتظام، فإن النتيجة سوف لن تكون في صالح التركيبة الاقتصادية الوطنية.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
محمد أبا الخيل
نحن نخبة من التنفيذيين في القطاع العام والخاص اشتركنا في برنامج (السعودية - أكسفورد للقيادة المتقدمة) عام 2010م، ومنذ ذلك الحين ونحن نلتقي دورياً كل شهر، وخلال ذلك نتناقش في شؤون تنموية عامة، كان لقاؤنا الأخير يوم الأحد الماضي، وكان الحوار والنقاش عن (رؤية السعودية 2030) ومشروع (التحول الوطني). الجميع كان متفائلاً ومتحفزاً للمساهمة في تحقيق ذلك وبناء مجتمع عصري، لذا انحصر النقاش في محاولة الإجابة على (كيف نبدأ ومن أين نبدأ؟)، هل نبدأ بالتعليم والتدريب فنحسِّن المناهج ونستثمر في أنظمة ووسائل التعليم والبيئة التعليمية، ونرفع من درجة الكفاءات الإنتاجية لدى المواطنين بالتدريب الموجه والنوعي؟ أم نبدأ بالاقتصاد فنخصص ما يجب تخصيصه وننمي موارد الدولة بتحسين بيئة الأعمال ونحسّن بيئة الاستثمار ونعتني بالحوكمة ونرفع درجة المسؤولية؟، أم نبدأ بتحسين الأداء الحكومي من خلال تطوير الإجراءات والتمكين للتعاملات الإلكترونية ووضع مؤشرات الأداء وتحميل الموظفين مسؤولية تحقيق أهداف خططهم، ومكافحة الفساد؟
لم يكن من السهل الاتفاق حول ما يجب أن يكون أولوية أولى من تلك المحاور، فكلها أولويات متضافرة وكل منها يمثل دعماً أو إعاقة للمحاور الأخرى، وذلك يعتمد على مدى التطوير والتوفيق في ذلك لأي من المحاور، ولكن كان واضحاً لكل المحاورين أن بين تلك المحاور مشتركاً أعظم اتفق الجميع أنه هو الأولى بالعناية والتطوير، فهو المحرك لعملية التحول وهو المحقق للرؤية، ذلك هو الفرد المواطن المؤثر في محيطه، فهذا المواطن قد يكون معلماً في مدرسة أو موظفاً في دائرة أو عسكرياً في مخفر للأمن والحماية، أو واعظاً في مسجد أو قاضياً في محكمة أو تاجراً في تجارة أو طبيبة أو ربة منزل، هذا المواطن يجب أن يتحول في ذاته أولاً ليصبح أساس البناء التنموي والحضاري، هذا المواطن إذا لم يكن جاهزاً للتحول عن قناعة وسلوك وطموح فلن يحدث الكثير.
من هذا المواطن يجب أن يبدأ التحول الوطني، وأعني بالتحول الذي يجب على المواطن الاضطلاع به، هو تحوُّل ذاتي، تحوُّل في الممارسة الحياتية، وتحوُّل في الأخلاق العامة، وتحوُّل في الصيغ الفكرية التي يبني عليها أحكامه وقراراته، الممارسة الجمعية للمجتمع السعودي ما زالت غير مناسبة لمجتمع يطمع في التحول للمستقبل، فنحن بحاجة للتخلي عن التواكل والتسويف وتحمُّل مسؤولية قراراتنا واختياراتنا وعدم الإغراق في غيبيات (الحسد والسحر والقدر)، فكل هذه أعذار للأخطاء لا تشجع الفرد على تصحيح الأخطاء وتحمُّلها، نحن بحاجة للتخلي عن الفوضى والتلقائية في حياتنا واستبدال ذلك بالانتظام والالتزام والتخطيط لنشاطاتنا الحياتية، المواطن بحاجة للتحوُّل لمكارم الأخلاق والتي بعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم ليتممها، الصدق والأمانة والكياسة والرحمة والعطف والنظافة في النفس والمنطق، وهذه الأخلاق ليست غريبة فمعظم المجتمع ملتزم بها، ولكن لا بد من سيادتها لتكون عامل إلفة وتقارب بين المواطنين.
وأهم ما يجب أن يُولى عناية هامة في التحول الذاتي هو التحول عن الصيغ الذهنية غير المناسبة للتنمية لصيغ ذهنية جديدة، والصيغ الذهنية تمثّل أفكاراً أو معتقدات ترسّخت في الذهن فباتت تحكم التصرفات والقرارات الفردية. هذه الصيغ كثيرة ويضيق المقال عن حصرها، ولكن من هذه الصيغ (العنصرية) حيث يجد فردٌ في ذاته سمواً على غيره لسبب يتعلق باللون أو الأصل أو الطبيعة، ومن الصيغ الذهنية غير المناسبة (العدائية للمختلف) حيث يمارس الفرد نفوراً لمن يختلف معه في المذهب أو الفكر أو حتى تفسير الظواهر الطبيعية، إن التحول عن الصيغ الذهنية يحتاج لجهد جمعي ولجهد فردي، فالجهد الجمعي هو ما يجب أن ترعاه الدولة من خلال وسائل الإعلام والمناشط الثقافية والحوارات الفكرية، والجهد الفردي هو في تمثُّل صيغ ذهنية جديدة مثل (الإخاء الوطني) وتقمُّص دور القدوة الحسنة بحيث يجد الإنسان الآخر صورة يطمح لها.
نرجو الله أن يُوفقنا - قيادةً وشعباً - لبلوغ المرام الذي نطمح له ونتمناه (رؤية 2030).
- Details
- Details
- قضايا وأراء
د. جاسر الحربش
كنا إلى وقت قريب (وما زال بعضنا) يشمت بالعالم الصناعي ويتهمه بالتخلي عن عجائزه وضعافه ومقعديه، بإيداعهم في مراكز العناية الاجتماعية خارج المنزل، وكنا نزكي أنفسنا ونزعم أن مثل هذا لا ولن يحصل في المجتمعات الإسلامية. اللهم لا شماتة، داهمتنا متطلبات العيش الجديدة التي لا ترحم، فأصبحنا لا نستطيع القيام بمتطلبات الكبار والعاجزين في البيوت، ولا نحن وفرنا لهم المراكز المتخصصة والمريحة التي وفرها العالم الصناعي لفئاته تلك منذ عقود طويلة. مستشفياتنا وصلت إلى حدود الانهيار الخدماتي بسبب الامتلاء لفترات طويلة، أحياناً بالشهور والسنوات، بحالات عجز لا يستطيع الطب إيجاد حلول لها لأنها تحتاج فقط إلى رعاية تمريضية واجتماعية. التدخل الطبي المباشر في مثل هذه الحالات يكون مطلوباً فقط عند الانتكاسات المرضية الحادة، بهدف إرجاع الحالة إلى وضع الاستقرار السابق.
إذاً أصبح لدينا أعداد كبيرة جداً من المحتاجين إلى خدمات صحية وتمريضية غير محددة بزمن ولا شفاء لها في الاحتمال المنظور حسب المعطيات الطبية. أين يذهب أصحاب هذه الاعتلالات، أو أين يمكن لأهاليهم توفير العناية المقبولة لهم، شرعياً واجتماعياً وصحياً؟. الطاعنون في السن وأصحاب الاعتلالات الدائمة من بقايا الحوادث والجلطات الدماغية والمصابون بحالات مزمنة ومتقدمة من السكر والضغط وتصلب الشرايين والضمور المفصلي والعضلي، وتلك الفئات المريضة التي لا عائل لها أو تخلت عنها الأسرة، والمحتاجون بشكل مزمن إلى تنفس وتغذية بالأجهزة والأنابيب، والمعوقون بالكامل جسدياً وعقلياً أو نفسياً بحيث تتعذر رعايتهم بالمنزل، وغير ذلك الكثير من الأمثلة، كل هؤلاء كيف يستطيع المجتمع أن يوفر لهم ما يليق ويتوجب من أساسيات الرعاية والمحيط الاجتماعي المريح والحركة الضرورية خارج الجدران الأربعة، كواجب شرعي واجتماعي لا يمكن التخلي عنه؟.
حسب علمي لم يكن في هذه البلاد الشاسعة الواسعة ولا مركز واحد متخصص في الرعاية الصحية لذوي الاعتلالات والحاجات المزمنة الممتدة والمستقرة. هذا ما كنت أعتقده، وبناءً عليه كتبت مراراً في هذه الزاوية عن شؤون رعاية المسنين وذوي الاحتياجات المزمنة والخاصة. قبل أيام اتصل بي زميل كان أحد طلبتي في كلية الطب قبل أكثر من ثلاثين سنة. لن أذكر اسمه، مكتفياً بالقول إنه استشاري في طب الأسرة والمجتمع ويحمل درجة الماجستير من أمريكا في مجال الرعاية الصحية للمسنين وذوي الأمراض المزمنة. اقترح علي زيارة ما أسماه «مستشفى واحة الصحة» الواقع في طريق الملك عبدالله بين مركز الملك سلمان الاجتماعي ومعرض الكتاب. لبيت دعوته مسروراً، وفوجئت بما سمعت ثم شاهدت من خلال جولة في أقسام هذا المستشفى. عندما عاتبته على إهمال الترويج الإعلامي للمستشفى قال إنهم لا ولم يحتاجوا إلى ذلك مطلقاً، لأن جميع إمكانيات المستشفى بما يشمل الثلاث مائة سرير للتنويم حجزت قبل افتتاحه. مستشفيات الرياض الكبرى بادرت من غير طلب إلى حجز مواعيد انتظار لتحويل الحالات المتكدسة عندها وتنطبق عليها شروط العناية طويلة الأمد. سألت عن الحاجة في الرياض وفي كافة أنحاء السعودية إلى مثل هذه المستشفيات، فقال إنها بلا حدود، إذ لا يوجد طولاً وعرضاً سوى هذا المستشفى.
ماذا يقدم مستشفى واحة الصحة من خدمات؟. لكي لا تدخل الدعاية في المقال أقترح على المهتم التواصل والاطلاع الشخصي. أشير فقط إلى واحدة من أنبل ما يقدمه المستشفى ويسميه برنامج «قريبي»، ويهتم: أولاً بتسهيل الوسائل لعوائل المرضى للتواصل معهم وزياراتهم من داخل وخارج الرياض حسب ظروفهم، وثانياً يهتم بمبادرة تكوين عائلة بديلة من داخل العاملين في المستشفى ومتطوعين من خارجه، تتبنى المريض الذي تقطعت به السبل ولا عائلة له أو المنقطعة صلاته بأفراد عائلته لسبب من الأسباب قد يكون منها العقوق والإهمال.
يوجد في مستشفى واحة الصحة مرضى على أجهزة التنفس والتغذية الصناعية بشكل مستمر، ومعوقون بدنياً وعقلياً يحتاجون إلى رعاية ومراقبة دائمة، ومرضى فقدوا الصلات بالمجتمع الخاص والعام. الرقابة المركزية على كل غرفة وصالة وممر متوفرة على مدى أربع وعشرين ساعة.
ليس في هذا المقال نية الدعاية والترويج، ولذلك أختتم بدعاء الله ورجائه أن يوفق من فكروا ونفذوا هذا المشروع، ولأهيب بالموسرين القادرين أن يتسابقوا إلى الاقتداء بفكر وأهداف هذا المستشفى، كل طرف في مدينته ومقر عمله. الحاجة ماسة والهدف نبيل والله من وراء القصد وهو الموفق.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
- Details
- قضايا وأراء
مازالت معاناة ابنائنا وبناتنا طلاب وطالبات الهيئة العامة للتعليم
- Details
- Details
- قضايا وأراء
قطعا ليس هنالك من قومية أو طيف أو شريحة
- Details
- Details
- قضايا وأراء
وفق الرؤية التي عبّر عنها الأمير محمد بن سلمان في حواريته مع فضائية العربية، لا يمكن لمؤسسات الدولة أن تقوم بدورها على أكمل وجه في دعم وإسناد الرؤية الوطنية إلا بتجديد بعض مؤسساتها وإدخال بعض الإصلاحات في أدائها..
لقد أجاد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان في عرض مشروع الرؤية الوطنية الجديد.. ويبدو أن أغلب المشاهدين السعوديين تفاءلوا من جراء تلك المقابلة التلفزيونية، كما أن الأمير محمد بن سلمان عبّر عن قناعاته بثقة تامة، وانفتح في حواريته مع العربية على طبيعة المشاكل وسبل علاجها.
وقد رسخت هذه الحوارية السياسية والاقتصادية والمستقبلية، عن ثقة عميقة يمتلكها الأمير محمد بن سلمان بمشروع الرؤية السعودية، وأن بإمكان هذه الرؤية أن توفر للمملكة قدرة على بناء مستقبلها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي..
صحيح أن المقابلة لم تتطرق إلى بعض المشاكل والقضايا التفصيلية، إلا أن هذه المسألة من طبيعة الأمور التي تناقش قضايا كبرى ورؤية استراتيجية ستسير عليها دولة إقليمية كبرى بحجم المملكة العربية السعودية..
ويبدو من طبيعة الأرقام التي ذكرها الأمير في المقابلة أن هذه الرؤية استطاعت أن تناقش أموراً عديدة، مع إدراك تام أن هذه الرؤية بحاجة إلى إدارة سليمة لتطبيقها بشكل سليم بما يعود على الوطن كله بالخير والنفع العام..
ولا ريب أن من الصحيح أن تسير الدولة وفق رؤية استراتيجية وذات مدى زمني محدد.. وستبقى هذه المسألة مسجلة باسم الأمير محمد بن سلمان حيث أرسى هذا التقليد الذي نتطلع إلى استمراره.. فالمملكة كدولة لا تعيش وفق ردود أفعال سياسية واقتصادية وإدارية، وإنما تسير كل أجهزتها وهياكلها ومؤسساتها وفق رؤية مكتوبة ومستندة إلى معطيات وحقائق واقعية تتعلق بمستوى الطموح والتطلع للوصول إلى غايات وأهداف بعيدة، كما أنها ترسم خارطة للطريق لكي تتمكن كل أجهزة الدولة من السير وفق هدي ومقتضيات الخطة والرؤية الاستراتيجية الوطنية..
وعلى حد علمي قد تكون هذه المبادرة والإعلان الرسمي عنها من أعلى السلطات في المملكة من المبادرات الأولى التي أرست تقليد وعرف إدارة كل مؤسسات الدولة وفق خطة مدروسة ورؤية استراتيجية شاملة لكل المؤسسات والهياكل الرسمية للدولة..
وعليه فإننا نعتبر هذه الخطوة من المبادرات الإيجابية والهامة، والتي نتطلع إلى استمرارها مع كل حقبة زمنية..
فالدول اليوم لا تسير بلا هدى وبلا خطة، وكل الدول المتقدمة تسير وفق رؤية استراتيجية وخطة وطنية مدروسة ومرسومة..
لذلك نسجل إعجابنا بإرساء هذا العرف والتقليد، أن مؤسسات الوطن المتنوعة، تسير وفق مبادرة متعوب عليها.. ونتطلع إلى ذلك اليوم الذي نجد فيه كل عناصر الرؤية والخطة الوطنية قد تم تنفيذها والالتزام بكل مقتضياتها..
ومن المؤكد أن صراحة الأمير محمد بن سلمان سواء في المقابلة التلفزيونية أو في المؤتمر الصحفي تعكس أن ثمة عزماً حقيقياً على تنفيذ كل بنود الرؤية الوطنية، وإن مشروع التحول الوطني يعكس حجم الطموحات والتطلعات التي أبداها الأمير في مقابلته ومؤتمره الصحفي.. ومن المؤكد أن وقوف الأمير محمد بن سلمان خلف تنفيذ هذه الرؤية ومتابعة كل تفاصيلها سواء الإيجابية أو السلبية، يعتبر من مصاديق الجدية في تحويل كل بنود مشروع التحول الوطني إلى معطيات وحقائق شاخصة في المشهد الاقتصادي والاجتماعي الوطني.. ولا ريب أن الاستجابة إلى مقتضيات التغيير تعد من العناصر الإيجابية.. فمؤسسات الدول بحاجة بشكل دائم إلى دماء جديدة وإرادة على التغيير حتى تتمكن هذه الدول من امتلاك كل الحيوية والفعالية... ولعلنا لا نقول جديداً حينما نقول إن الدول التي تتوقف لأي سبب من الأسباب عن التغيير، هي تساهم في إضعاف ذاتها، لأن التوقف عن التغيير يؤدي إلى تسرب بعض أمراض الضعف..
وأود في هذا السياق ذكر مجموعة من النقاط التي تساهم في تعزيز مشروع التحول الوطني..
لا ريب أن مشروع التحول الوطني من المشروعات الطموحة والهامة، والتي بحاجة أن تسند إعلامياً وتعليمياً.. ومن المؤكد أن استمرار مناهج التعليم على حالها في ظل تطبيق رؤية التحول الوطني، سيجعل من التعليم الوطني ومخرجاته البشرية من عوائق التحول..
لذلك نشعر بأهمية تجديد وتطوير مناهج التعليم والإعلام، حتى تكون بمستوى الرؤية الوطنية، وبمستوى بناء كفاءات وقدرات وطنية، قادرة على دعم وإسناد والمساهمة في مشروع التحول الوطني..
ومن المؤكد أن تطوير التعليم بمراحله المختلفة، يعد حجر الأساس لتفاعل شرائح عديدة اجتماعياً مع كل مقتضيات ومتطلبات الرؤية الوطنية الجديدة.
كما أن المؤسسات الإعلامية بحاجة أن تطور من أدائها حتى تتمكن من تقويم أداء آليات التحول الوطني..
فالمؤسسات الإعلامية الحية والحيوية من ضرورات النجاح في مشروع التحول الوطني..
وفق الرؤية التي عبر عنها الأمير محمد بن سلمان في حواريته مع فضائية العربية، لا يمكن لمؤسسات الدولة أن تقوم بدورها على أكمل وجه في دعم وإسناد الرؤية الوطنية إلا بتجديد بعض مؤسساتها وإدخال بعض الإصلاحات في أدائها..
ولا ريب أن تفعيل نظام الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني يعد من الخطوات الهامة، كما أن إدخال مبدأ الانتخابات على بعض دوائر الدولة وبالخصوص مجلس الشورى، يعد من المداخل التي تعزز من قدرة مؤسسات الدولة لدعم وإسناد مشروع التحول الوطني..
وجماع القول: إن رؤية المملكة 2030، رؤية طموحة وذات أفكار ممكنة التطبيق، وتحتاج لكي تذلل كل العراقيل الذاتية والموضوعية إلى تحول سياسي، يعلي من قيمة الانتخابات المباشرة وتفعيل وتسهيل تأسيس مؤسسات المجتمع المدني، حتى تضمن هذه التحولات مشاركة جدية من قبل المجتمع السعودي في دعم وإسناد رؤية التحول الوطني..
وإنهاء مرحلة إدمان النفط على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، ليس هدفاً بعيد المنال، وإنما هو بحاجة إلى استعدادات وتحولات إعلامية وتعليمية وثقافية ومجتمعية، للنجاح في إنهاء مرحلة إدمان النفط..
وكسعوديين كل ما نتطلع إليه هو أن تجد كل الرؤى والبنود طريقها للتنفيذ. ولكي يكون طريق التنفيذ معبداً، نحن بحاجة إلى بعض التحولات الداعمة لخيار التحول في البناء الوطني..
ومن المؤكد أن إدخال دماء جديدة في المؤسسات والدوائر الرسمية، يساهم في ترشيق مؤسسات الدولة، وهذا من لوازم النجاح في مشروع التحول الوطني..
لمراسلة الكاتب:
- Details