قضايا وأراء
- Details
- قضايا وأراء
عبدالعزيز السماري
ذهنية التطرف والجمود ليست وليدة اللحظة أو نتاج لمرحلة الصحوة الأخيرة، لكنها قد تمثل الأصالة التي نشيد بها من حينٍ إلى آخر، ونمجدها كلما مرت حالة نقدية لتلك العقلية المتحجرة، بينما يُعتبر التنوير أو محاولات تفكيك الذهنية المتطرفة حالة طارئة وجديدة على المجتمع، ولهذا نحن أمام أكبر تحد في تاريخنا المعاصر، فالتطرف والتعصب والتزمت مستقر في أراضينا، ويسكن عقولنا، ويرفض الخروج منها بسلام.
يصعب في هذه المقالة تحديد بداية تلك الحقبة، وكيف استطاعت بعض العقول في عصور الأمية والتخلف تحويل الدين العظيم إلى سجن أشبه بالصندوق المغلق من جميع الاتجاهات، وحالة من العتمة التي تمنع دخول النور والعلم حتى من الثقوب المتناهية في الصغر، وذلك من أجل أن تستمر حالة الظلام في العقول ويستمر التعسف والاستبداد والتسلط كأدوات للتواصل مع الآخرين.
هذه العزلة والانغلاق الشديد ليس لها علاقة بالدين العظيم، فقد ساهم المسلمون الأوائل في إثراء الإنسانية بمختلف الاكتشافات العلمية، ومن أجل فهم ما أريد الوصول إليه أحيل القارئ إلى الاطلاع على كتاب بيت الحكمة لجوناثان ليونز عن إسهامات علماء المسلمين أمثال جابر بن حيان والرازي وابن سيناء وابن رشد والخوارزمي وغيرهم في العلم والاكتشافات العلمية والفلسفة، وعندما ينتهي المرء من قراءة هذا الكتاب ربما يدرك أننا نعيش بالفعل خارج تلك الحقبة المستنيرة.
لم يحدث الانهيار فجأة، ولكن بعد عدة نداءات أطلقها بعض الفقهاء تحت دعوات إحياء علوم الدين، وأدت إلى سقوط العلم والمعرفة والتنوير، وإلى طرد العقول بعد بدء حملة تكفير موجهة إلى العلماء والفلاسفة، واتهامهم بالزندقة، ووصل الأمر إلى تحريم الكيمياء وتحويل الطب من علم التجربة والاكتشاف إلى الطب النبوي وأنه وحي مرسل، واعتماد تلك النصوص الظنية الثبوت كمرجعية مطلقة لعلاج الأمراض والأوبئة.
كانت النتيجة تلك الحالة التي كان عليها أجدادنا، والذين كانوا يعيشون حالة من العزلة الشديدة العداء للعلم والمعرفة والمجهول، وكانت أشبه بالصندوق المغلق من مختلف الاتجاهات، ووصلت إلى مرحلة تحريم السفر إلى الخارج، لذلك لازلت أعتقد أننا نفتقد إلى إدراك تلك المرحلة، والسبب حالة الإنكار التي نعيش فيها، فالأصالة عندنا لازالت تلك الحالة المظلمة في تاريخنا الوسيط، والتي ليس لها علاقة بالإسلام العظيم على الإطلاق، ولكنها تمثل حالة من الآثار المدمرة لما فعله الفقهاء الأوائل بحضارة المسلمين المشرقة.
في الصغر كان بعض الدعاة يوزع على تلاميذ المدارس كتاب «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين» لأبي الحسن الندوي، وتم استخدامه في بدايات مرحلة الصحوة الدينية، وقد نجحوا في إخفاء الحقيقة المرة، والتي لا يختلف عليها اثنان أن الفقهاء بتحريمهم العلم والفلسفة والكيمياء وزندقة علماء أفذاذ أمثال جابر بن حيان والرازي وابن سيناء وابن رشد ونجاحهم في ذلك كانت أحد أهم أسباب سقوط حضارة المسلمين.
ولو رجعنا للمرحلة المتأخرة في صراع الأجداد مع العلم والاكتشافات العلمية وموقفهم منها لاتضحت صورة الانغلاق، فقد رفضوا مختلف الاختراعات الحديثة بدءا من المايكروفون إلى التويتر، وكانوا دوما بعد رفضهم يعودون وينضمون إلى الركب ثم يستخدمونه لمحاربة العلم والثقافة، وكان إنكارهم الأولي لتعليم البنات ومنع الرق يمثل أحد أهم أمثلة حالة العزلة، وليس الدين الحنيف.
أجدادنا كانوا ضحية لمرحلة انغلاق طال أمدها، وتحولت مع مرور الزمن إلى عقيدة متشددة ضد الجديد، وضد الآخر، وليس لها علاقة بالدين، وكانوا دوما ما يطلقون المواقف المتطرفة جداً لكل قادم جديد، ثم يرضخون للأمر الواقع، ويعود الأمر برمته للسياسي الذي نجح طوال العقود الماضية في تمرير التحديث، وفي إدخال النور إلى بعض أجزاء الصندوق.
في الوقت الحالي يظهر على بعضهم حالة من التصميم على إسقاط ما تم إنجازه خلال العقود الماضية، وكأنهم بذلك يعيدون المحاولة التي فعلها الفقهاء الأوائل في أوج حضارة المسلمين، من خلال دعوة إحياء الدين، وذلك لضرب العلم والتنوير والانتقال إلى المجد وإثراء الحياة بالإنجازات العلمية والاقتصادية، ولا يخفى على أيا كان حالة الترويج للعودة إلى الصندوق مرة أخرى ثم الانغلاق داخل الكهوف لقرون أخرى..
لهذا السبب لازلت أؤمن أن الحل ليس عند العوام من أجل الخروج من الصندوق بسلام، ولكن عند النخب الدينية المستنيرة والسياسية والاقتصادية، التي تتحمل مسؤولية إكمال المسيرة وتصحيح مسارها، وذلك من خلال إصلاح الإدارة والاقتصاد وتوطين ثقافة الحقوق، وإيجاد الحلول للبطالة والتطرف عبر إشاعة العلم والتنوير بين شرائح المجتمع، ثم التخلي عن فكرة ربط الانغلاق بالأصالة، والتي تعني لي ذلك المجد الذي سطره الأجداد أمثال جابر بن حيان والخوارزمي وأبو القاسم الزهراوي، وليست سير التطرف ودعوات الانغلاق تحت شعار إحياء علوم الدين..، الله المستعان.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
خالد بن حمد المالك
مع كل حديث أو تصريح يدلي به ولي ولي العهد، يمتد تفاؤله المعلن بمستقبل المملكة الواعد إلى كل مواطن، يقتل ما يقوله سموه ما قد يكون بداخل كل منا من أوهام، يقضي على الشكوك، يكرِّس التفاؤل لدينا، يمحي من خارطة متابعاتنا ما نسمعه أو نقرأه للمرجفين والمحبطين وذوي النوايا السيئة، ممن يحاولون زرع الأشواك في طريق تقدمنا، بينما يأتي كلام الأمير الجميل وكأنه يزرع الورود في الطرقات وميادين التقدم لتحقيق ما هو أجمل.
***
هكذا هو محمد بن سلمان لمن يتابعه، ويتواصل مع رؤاه، لمن يتعمق في قراءة أفكاره وطموحاته ويربطها بإنجازاته، مدعوماً ومسانداً من ملك حكيم وخبير يعرف حجم قدرات سموه وتطلعاته نحو آفاق مستقبلية أفضل للوطن والمواطن، ما أشاح من أجوائنا ما يقوله عنا الأعداء والحاقدون، وبالتالي أفشل كل جهد عدواني يتربص بنا.
***
فمن أحاديثه لنا -رؤساء التحرير- ما لم يُنشر خلال الزيارات الرسمية الخارجية للملك أو لولي العهد ويكون سموه ضمنها، أو في زياراته الرسمية منفرداً، تكون هناك فرصة ليتحدث لنا عن تفاؤله بما يسرّ الخاطر، ويبوح بما لديه من جديد يهمه أن نتعرف عليه، وفي كل لقاء يكون لديه ما يستحق أن يفصح عنه، بالأرقام والإحصاءات، مدعوماً بوجهات نظر متفائلة، ترتكز على المتاح من الإمكانات وفق قراءة مسحية لكل الجوانب التي يتحدث بها وعنها.
***
وجاء التحول الوطني الذي يتبناه الأمير الشاب، ليرسم لنا خريطة متفائلة للوطن في المستقبل، وكأنه يذكِّرنا بأننا أمام بناء اقتصادي طموح لن يعرِّض الوطن للشح طالما أننا نتعامل مع الموارد الأخرى، ولن يجعله رهينة للنفط حيث تقلباته وعدم استقرار سعره وسقف إنتاجه، أو أن يكون عرضة وسبباً في تراجع إيقاع التنمية في البلاد فيما لو أصبح البترول ليس كما هو الآن السلعة الوحيدة والرئيسة التي تعتمد عليها المملكة في الإنفاق على المشروعات.
***
ففي حواره مع وكالة (بلومبيرج) العالمية مؤخراً أفصح عن كثير مما يدخل ضمن إطار هذا التفاؤل الذي نعنيه في عنوان هذا المقال، فالمملكة -كما يقول الأمير- تخطط لتأسيس صندوق بتريليوني دولار لحقبة ما بعد النفط، وتحويل (أرامكو) لتكتل صناعي، مع توجه نحو تنويع الاستثمارات، وأن اقتصادنا لن يكون معتمداً على النفط، وليس لدينا مشكلة حقيقية بانخفاض سعره، فهناك حلول سريعة لجزء من خطة التحول الوطني، وأن المملكة من الآن تعمل على زيادة كفاءة الإنفاق، ومن بين أهم ما قاله الأمير محمد: تستطيع المملكة من خلال صندوق التريليوني دولار شراء أكبر أربع شركات عالمية في البورصة.
***
الأمير محمد لا يتحدث من فراغ، فهو قريب من الملك الذي يرسم هذه السياسة، وما يتحدث به إذاً هو توجيه ملكي كريم يتبنى الأمير تنفيذه بحسب توجيه خادم الحرمين الشريفين، كما أن مواقعه المهمة والكثيرة في مسؤوليات الدولة برئاسته لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، وكونه رئيس المجلس الأعلى لشركة أرامكو السعودية، وكونه ولياً لولي العهد، ونائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء، ووزيراً للدفاع، كل هذه المسؤوليات تجعل بين يديه هذا الكم من المعلومات التي تمكنه من أن يقول وينفذ بتفاؤل ما قرأناه في حديثه للوكالة العالمية.
***
الأمير محمد في حديثه التفاؤلي هذا وفي غيره لا يكتفي بطمأنة المواطن، والتأكيد على أن المملكة قوة اقتصادية كبيرة بالبترول وبدونه، وإنما يريد أن يكون المواطن أيضاً قريباً من خطط وبرامج التجديد وآفاق التحول الاقتصادي الذي تمر به المملكة، وكأنه يريد من المواطنين أن يكونوا شركاء معه بأفكارهم في كل إنجاز يتحقق، وأن تكون مصادرهم للتعرف على المعلومات الحقيقية عن الوضع الاقتصادي في المملكة باعتمادهم على المرجعيات التي تملك المعلومة الصحيحة ولا تتردد في الإفصاح عنها، والمقصود هنا الجهات الرسمية المعنية بالشأن المحلي.
***
قبل ذلك بفترة كان الأمير محمد قد استقبل الكاتب الأمريكي الشهير «توماس فريدمان»، فكتب الكاتب عن ذلك اللقاء مقالة في «نيويورك تايمز» واصفاً لقاءه بالأمير بأنه غيَّر كثيراً مما كان يعتقده عن المملكة، فقد أخبره الأمير بأن تنظيم داعش ظهر نتيجة للقمع والممارسات الوحشية التي عانى منها أهل السنة في العراق على يد حكومة نوري المالكي، ومثل ذلك سحق نظام بشار الأسد المدعوم من إيران للسنة في سوريا، وبسبب الفراغ الذي خلَّفه الانسحاب الأمريكي غير المنظم من العراق، فأنتج عنه دخول إيران لتعميق الفتنة الطائفية القائمة هناك.
***
يقول «فريدمان» في تفاصيل أخرى عن لقائه بالأمير: قضيت أمسية مع محمد بن سلمان في مكتبه، وبطاقته المتفجرة رسم الأمير أمامي خططه بالتفاصيل، مشروعه الرئيس هو لوحة قيادة للحكومة على الإنترنت، من شأنها أن تعرض كل وزارة أهدافها بشفافية، بمؤشرات الأداء الرئيسة الشهرية التي سيحاسب عليها كل وزير، فكرة الأمير أن تشارك كل أطراف البلاد في الأداء الحكومي، ويضيف أن الأمير أخبره بأن القرارات الكبرى التي كان إنجازها يحتاج من الوزير سنتين يتم تنفيذها الآن في غضون أسبوعين.
***
وعن تفاؤل الأمير الذي اخترناه عنواناً لهذا المقال، ينقل الكاتب الأمريكي الشهير عن سموه في مقاله المشار إليه، بأن المملكة حتى ولو انخفض سعر البترول إلى ما دون 30 دولاراً للبرميل، فسوف يكون للرياض الإيرادات الكافية للاستمرار في بناء الدولة، دون الحاجة لاستنفاد كل الاحتياطيات، فهل بعد هذا القول ما يمكن أن يخالج أي مواطن الشك باستمرار وتيرة العمل والإنجاز بالقوة ذاتها وبالإيقاع الذي هو عليه ودون توقف؟
***
باختصار شديد، ليس الأمير محمد هو الوحيد المتفائل، فكلنا ذلك الرجل - كما يقال - صحيح أن التحديات كثيرة وكبيرة، ولكنها ظاهرة آنية في كل دول العالم، وسرعان ما تزول، وقد مرت المملكة في سنوات خلت بأصعب مما تمر به الآن من انخفاض في أسعار النفط، وتمكنت من التغلب على التحديات التي واجهتها، وواصلت مسيرتها دون أن تتأثر برامجها أو خططها بظروف تقلبات سوق النفط، فكيف لا تتغلب عليها الآن، وهناك عمل وتخطيط بمثل ما تحدث به الأمير المتفائل محمد بن سلمان.
***
مجلة (أيكونوميست) من جانبها هي الأخرى وجهت سؤالاً للأمير مفاده: كونك مسؤولاً عن الدفاع والاقتصاد، وممثلاً للجيل الشاب، ما السعودية التي تريد بناءها؟ يجيب الأمير: «السعودية التي آمل ببنائها، هي السعودية التي لا تعتمد على النفط، السعودية باقتصاد متطور وبقوانين شفافة وذات موقع قوي في العالم. السعودية التي يمكنها تحقيق أحلامها أو طموحها، من خلال توفير حوافز وحكومة مناسبة، نريد سعودية قادرة على الاستمرار، وتضمن مشاركة الجميع في اتخاذ القرار، السعودية التي تعد إضافة جيدة للعالم، وتشارك في الإنتاج العالمي، وتشارك في التصدي للمعوقات والتحديات التي تواجه العالم. أحلامي كوني شاباً سعودياً، ويشاركني الكثير من المواطنين السعوديين، كثيرة، وأحاول التنافس معهم ومع أحلامهم، ويتنافسون مع حلمي، من أجل أن تكون السعودية في وضع أفضل».
***
لهذا نقول من جانبنا عن ولي ولي العهد وبثقة واطمئنان، إنه الأمير المتفائل حقاً، ونحن كذلك.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
سعد الدوسري
مرحباً ألف يا سينما..
مرحباً بقرار وزارة الثقافة والإعلام بتعميم تجربة مهرجان أفلام السعودية الذي نظمه فرع جمعية الثقافة والفنون بالدمام، الأسبوع الماضي.
مرحباً ألف بمثل هذا المهرجان في كل المدن السعودية، من نجران لسكاكا، ومن المدينة المنورة للأحساء.
كنا جميعاً، كصناع للسينما أو كعاملين في الحقل الإداري لإنتاجها، نأمل أن تلتفت الوزارة لهذا الفن الأهم في تسجيل الشهادات الاجتماعية لوطن ظل يفتقد من يسجل شهاداته. ولقد كتبت من قبل منتقداً غياب قرارات الوزارة الداعمة للسينما في هذه الزواية، وها أنا اليوم أعود من باب إحقاق الحق، لأشكره على إيصال التفاتة الدولة لمهرجانات السينما، ولتكريسها في كل المدن. وشكري هذا لأثبت للمهتمين بالشأن الاجتماعي أننا بقدر ما ننتقد، فإننا نثني؛ ليس عيباً أن يحدث ذلك. العيب أن تمر مبادرة إيجابية، دون أن نشكرها. وهل هناك مبادرة أكثر إيجابية من دعم الشباب والشابات الذين يحاولون أن يعبروا عن هموم أمتهم، من خلال النص ومن خلال الصورة، مهما كان الموقف الفكري والثقافي لهذا الشاب ولهذه الشابة، سواءً محافظاً أو حداثياً؟! ليس هناك أهم من ذلك، فالسينما، ستكون ساحة تعبير لكل التوجهات الفكرية والإبداعية، وسنكون نحن كمؤسسات ثقافية مدنية، داعمين لهذا التنوع.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
د. جاسر الحربش
قبل أربعين سنة كانت نسبة الكفاءات الصحية الوطنية دون العشرة بالمئة، بما يشمل كل المهارات الصحية. الآن لا تزال النسبة داخل هذا الرقم. الأطباء السعوديون أقل من عشرين بالمئة، ولا أعرف نسبة الكفاءات الفنية والتمريضية العاملة في الميدان فعلاً وأظنها في نفس النطاق. حجة كليات الطب ومعاهد التمريض لمحدودية القبول في السابق كانت الجودة النوعية، وحجة السلطات الصحية في عدم ارتفاع النسب هي الانفجار السكاني وتوسع الخدمات وزيادة المتطلبات. الأعذار مقبولة لكن بشرط الاعتراف بأن التخطيط كان غائباً عن الوعي، أو أنه على الأقل لم يكن على مستوى المستقبل رغم إهدار الأموال بلا حدود.
في الأسبوع الماضي تم التعاقد مع شركة كورية لتبني لنا مائة ألف وحدة سكنية مقابل مبلغ مالي هائل في الوقت الذي نحن فيه على أمس الحاجة للأموال. أريد أن أسأل كمواطن غير متخصص في البناء والتعمير، فقط كمواطن يستعمل عقله خارج البيروقراطية، أين الخبرات والشركات والكفاءات الهندسية الوطنية التي من المفترض أنها تجمعت ونبتت لها عقول وعضلات معمارية خلال أربعين سنة من الحفر والردم والبناء والتشييد ؟. الجواب الأسهل هو الاستنتاج أنها لم تصل بعد إلى الكفاءة الكافية رغم نصف قرن من إمكانات جمع الأموال المتشابك مع إهمال تدريب المهارات الوطنية في الميدان بهدف الوصول إلى مرحلة النضج المعماري الذي يغنينا عن التعاقد الأجنبي. نفس السؤال يصلح عن الكفاءات الصحية وطواقم صيانة الهواتف النقالة وإصلاح أعطال السيارات والطرق والتعامل مع الكوارث البيئية.
لا أظن العثور على الجواب الصحيح صعب. الاعتماد على الاستقدام ومقاولات الباطن وعمالة السخرة المجلوبة من مناطق البؤس العالمي والوثوق بالمشرف الأجنبي كمؤتمن على المسكوت عنه داخل المؤسسة وتقديمه على ابن البلد، هذه بعض الأسباب التي وقفت حاجزاً بين العقل المخطط وبين بناء الإِنسان لصالح الاستعجال في تجميع الأموال بأقصى سرعة ممكنة حتى لو ذهب نصفها إلى خارج البلاد.
المهم، لدينا الآن عناوين كبيرة جداً للتحول الوطني، ولكن ليس لدينا كفاءات وطنية تستطيع المشاركة، ناهيك عن القيام بمهمات التنفيذ. هل سوف يتم التحول الوطني باستخدام الطرق القديمة، أي الاعتماد الميداني على الكفاءات الأجنبية واستبعاد الخامات الوطنية من الحصول من خلال الممارسة الميدانية على تجربة النجاح والفشل، للوصول يوماً ما إلى الاكتفاء العملياتي الذاتي ؟. إن كان هذا ما سوف يحصل، فسوف نبقى في منخفض العشرة والعشرين بالمئة إلى الأبد.
نصيحة لوجه الله ثم للوطن، حولوا نصف مدارس الذكور والإناث إلى ورش تدريب ونصف المناهج الدراسية إلى معامل تطبيق عملي، وضعوا لكل طالب وطالبة شهراً إجبارياً في السنة للتواجد في المستشفيات والمناطق الصناعية وأماكن البناء وشق الأنفاق وتشييد الجسور وممارسة الرقابة التجارية الميدانية. اجعلوا ذلك من متطلبات برنامج قياس، بنقاط تحتسب في شروط القبول للدراسات العليا في المستقبل. هذا المجهود هو ما حقق لكوريا الجنوبية نهضتها ويستحق الاستثمار فيه، لأنه يعلِّم الصلابة والثقة والجدية أولاً، ولأنه يكشف للطالب والطالبة المواهب التي يمكن استثمارها والإبداع فيها فيما بعد.
للتذكير فقط، سبق أن كتبت قبل سنوات مقالاً طالبت فيه بتحويل المدارس إلى ورش ومعامل، وأظن المجتمع بكامله ضج بالضحك آنذاك على هذه السخافة، ولكن رب يوم ضحكت منه فلما صرت في غيره بكيت عليه.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
مصر كنانة الله في أرضه، ومن الثابت سياسيّاً أن مصر إذا "زكمت" أصاب الصداع كل محيطها العربي والإفريقي. أمّا الأزمات فليست جديدة على مصر بل تكاد تكون واحدة من مكونات تاريخها وأسرار قوتها ومحفّز قدرتها على الصمود والمضي إلى الأمام. وحين يتكلّم التاريخ القديم والمعاصر فهو يؤكد بأن ثرى مصر ظلّ نابضاً بالثراء الحضاري والتحدي الاستثنائي بنفس القدر من الضخامة.
ومن المعلوم أن مصر الدولة لم تتشكّل يوم أمس ولم تتكوّن برسومات وخرائط الغزاة بل هي الدولة التي رافقت التاريخ وورد اسمها في الكتب المقدسة منذ آلاف الأعوام. كانت ومازالت مصر شاهدة على التاريخ وسط حضارات الشرق والغرب وحاضن الإلهام بين الشمال والجنوب.
إن مصر اليوم وحدها التي تختزن معظم التاريخ وتعرض روعة إبداع عقول الجنس البشري وهي مكانها صامدة صمود أهراماتها وهي تتواصل وتتناغم مع وشوشة النيل ومراكبه تغني للاستقرار والأمل.
وما دمنا على بوابات التاريخ لابد لنا أيضاً من تأكيد حقيقة أن المحن التي مرت على مصر منذ توحدت على يد الملك "منيا" حوالي ٣١٠٠ قبل الميلاد لم تكن عاديّة بمقاييس أزمات الأمم والشعوب. إذ لم تكد الدولة الموحدة تبدأ استقرارها وازدهارها حتى غزتها قبائل "الهكسوس" واحتلّت أرضها لحوالي مئة وخمسين سنة. وبعد ذلك أتى الآشوريون لانتزاع حكم مصر من ملك نوبي ثم كانت حقبة "قمبيز" الفارسي وجيشه فاحتل أرض النيل لتبقى مصر محتلّة من الفرس قرابة ٢٠٠ عام. ثم كان أن طرد الإسكندر المقدوني الفرس لتبدأ مرحلة احتلال وحكم الإغريق (البطالمة) على مصر حوالي ثلاثة قرون الذين أنشأوا جامعة ومكتبة الإسكندرية وكانت نهاية حكمهم بانتحار الملكة الشهيرة كليوباترا خشية الأسر. وعقب نهاية حكم الإغريق جاء الغزاة الرومان فاحتلوا مصر الصابرة لما يزيد عن ستة قرون حتى كان الفتح الإسلامي لها على يد عمرو بن العاص سنة ٦٤٠م.
وحتى في العصر الإسلامي تعاقب بعد ولاة الخلفاء الراشدين والأمويين عدد من الحكام (الدول) تحت ظلال الدولة العباسيّة لتصبح مصر أشبه بالدولة المستقلة في عهود الدول: الطولونيّة والإخشيدية ثم الفاطميّة التي حكمت مصر اكثر من ٢٠٠ سنة ثم كان الأيوبيون فالمماليك (حكموا لمدة ٢٦٤ سنة). ومع أن العثمانيين حكموا مصر ولكنهم في حقب متأخرة لم يستطيعوا إحكام سيطرتهم فكانت الحملة الفرنسيّة سنة 1798ثم الاحتلال الإنجليزي لمصر (١٨٨٢-١٩٥٤م).
"مصر التي في خاطري" عنوان ومطلع قصيدة للشاعر أحمد رامي، وهي قصيدة تلخص الشعور العربي قبل المصري نحو أرض الكنانة بروحها العربيّة وهمها الإسلامي. وفي عصر تجزيء المجزأ وبهذا الزحم التاريخي الذي عرفت فيه مصر كل أشكال التحديات لا يمكن لمصر إلا أن تكون في صف أشقائها وفي مقدمتهم المملكة العربيّة السعوديّة التي وضعت مصر وشعبها فوق كل الحسابات.
"مصر التي في خاطري" مسألة مبدأ سعودي لا يقبل المساومة ولا يمكن أن يكون بضاعة في مزاد سياسي أو سلعة إعلامية رخيصة على منابر التحريض ووكلاء "الفوضى الخلاقة أيّا كانوا.
قال ومضى:
سواء ابتدأت بالخصام أم لم (تبدأ).. تأكد أن احترامي لك مسألة (مبدأ).
لمراسلة الكاتب:
- Details
- Details
- قضايا وأراء
العام الفائت بلغ نمو الهند (7.5%) وبهذا تكون قد تخطت نمو الصين الذي بلغ (6.9)، للمرة الأولى منذ أكثر من عقد من الزمن، وتعطينا هذه الأرقام دلالة واضحة على حالة الصعود التي ينوي ناريندرا مودي تحقيقها على المستوى الوطني بعد أن حقق قفزة تنموية على مستوى الولاية التي كان يرأس مجلسها الوزاري وهي "غوجارات" حيث يتواجد الرخاء المالي والتجاري.
وتخبرنا لغة الأرقام أيضاً أن الهند تتجه للإسهام أكثر من أي بلد آخر في ارتفاع الطلب العالمي على الطاقة على مدى السنوات الخمس والعشرين المقبلة، فحسب تقرير للوكالة الدولية الذي صدر في نوفمبر الماضي ويشير إلى أن معدل اعتماد الهند على النفط المستورد سيزيد من 80 إلى 90% بحلول 2040 وإن البلاد ستقود نمو الطلب. وبالتالي من شأن تلبية الطلب الهائل على النفط من قبل الهند أن يسهم في انعكاس ذلك على الاقتصاد السعودي بشكل كبير.
وإذا ما نظرنا من زاوية تحوّل المملكة من دولة يعتمد اقتصادها على النفط إلى الاعتماد على الاستثمارات والتقنية، فإننا جديرون بالقول إن نمو الهند الاقتصادي الذي نراه الآن هو نتاج اقتصادٍ مبني على المعرفة التي أحد عناصرها التكنولوجيا، التي يقول عنها الباحث الهندي الدكتور بيساونث غوتش في كتابه البيئة الاقتصادية للأعمال إنها – أي التكنولوجيا - معرفة الوسيلة، والعلم معرفة العلة، والعلم ينتج المعرفة والتكنولوجيا تساعد على إنتاج الثروة.
تتباهى الهند بوجود عدة مراكز عالمية لتعليم العلوم، لا سيما المعاهد الهندية للتكنولوجيا التي تحظى بتقدير كبير، كما أن مؤسسات الأعمال التجارية بالدولة تستثمر المزيد في البحث والتطوير، مما يبشر بالخير للابتكار في المستقبل على حد كاتب افتتاحية مجلة "نيتشر" العلمية الرصينة.
هذه المعطيات إذاً تجعلنا بالضرورة نعمل على الاستفادة من تجربة الهند في الإثراء التقني الذي بلغ حداً جعلها المصدر الأول لمبرمجي وادي السيلكون في كاليفورنيا، ودولة يتواجد فيها أكبر فرع لشركة "مايكروسوفت" خارج أميركا، بأن تكون أحد شركائنا في هذا المجال عبر شد وثاق الرباط بين المؤسسات التقنية والجامعات في المملكة ونظيراتها الهندية لجلب التقنية واستثمارها في المملكة، ففي ذلك مستقبل مبهر لاقتصادنا.
إن لعلاقة الرياض بنيودلهي وجهاً سياسياً جديراً بالاهتمام، ولأن الاقتصاد قد يقود للتفاهم السياسي، فإن الهند تقف في لحظة يتجاذبها فيه الشرق والغرب، فأميركا والغربيون حريصون على إبعادها بعيداً عن أحضان أنصارها القدامى في المعسكر الشرقي حيث الصين وروسيا، وهنا يجدر بنا ألا نذهب إلا فيما يفيد مصالحنا، ولدى المملكة القدرة على ضبط توازن علاقاتها دون أن تؤول تحالفاتها مع أي من المعسكرين إلى خسارة هذا الشريك المهم والاستراتيجي، يدعمنا في ذلك توجه الهند نفسها التي استفادت من دروس الماضي وتعرف المكانة التي تحظى بها والقدرة والدور الذي يمكن أن تلعبه على مشارف منطقة تراها القوى الكبرى منطقة مصالح استراتيجية بالنسبة لها، أيضاً ترى نيودلهي أن للرياض ثقلاً في ميزان علاقاتها مع الدول الإسلامية حيث يعتبر المسلمون الهنود الأكثر عدداً بعد اندونيسيا، كما أن المملكة وبفضل علاقاتها القوية مع الدول الإسلامية الآسيوية قادرة على دعم الهند للانخراط أكبر في سياسات القارة لاسيما لدى حكومات الدول الإسلامية في جنوب شرق آسيا وآسيا الوسطى التي تنظر لها نيودلهي بأهمية بالغة، هذا الدور لا يمكن لأي دولة في آسيا القيام به سوى المملكة.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
لم يجد الباحثون سبباً في ازدهار الرأسمالية بعد الحرب العالمية الثانية، وتحديداً في الفترة من 1947- 1973 إلاّ في تحول الإنسان نحو الإنتاج، وتطوير مفاهيمه تبعاً لذلك، والانسجام مع التغيرات الجيو سياسية التي فرضت الهيمنة والنفوذ بعد أن وضعت الحرب أوزارها، وساعده في ذلك تحول إيدولوجيا الدولة من فكرة الاستحواذ إلى تفويض الأفكار الاستراتيجية لمؤسسات المجتمع، والشراكة معها، وفق رؤية طموحة متناغمة وفاعلة ومنتجة، حيث تجاوزت الرأسمالية مفاهيم الإقطاعية الاشتراكية العتيقة، والخروج من «عصر الأزمات» إلى «العصر الذهبي»، والتحليق بعيداً ولا تزال في التأثير على اقتصاديات العالم، والقدرة على تجاوز الحدود الجغرافية، وتنويع الاستثمارات، وتعدد مواقع الأسواق الحرة.
هذا النمط من التفكير ساهم في بناء مجتمعات متطورة، قادرة على حماية مصالحها، والحفاظ على مكاسبها، وتنويع مصادر دخلها، وزيادة ناتجها القومي، رغم السلبيات التي تركتها الرأسمالية على النسق الثقافي في المجتمع، ومع ذك كان الإنسان متصالحاً مع واقعه، وطامعاً في تحقيق مكاسبه الذاتية التي لم تنفصل عن مكاسب مجتمعه.
حديث ولي ولي العهد مع شبكة بلومبرغ الإخبارية عن تخطيط المملكة لتأسيس صندوق سيادي بمبلغ تريلوني دولار لمرحلة ما بعد النفط، والإعلان عن ملامح الخطط الاقتصادية للدولة خلال السنوات المقبلة، بما فيها طرح (5%) من شركة النفط العملاقة «أرامكو» للتداول العام 2017؛ هو توجه ينسجم مع مكانة المملكة ضمن أقوى 20 اقتصاد في العالم، ويعزز من مكاسبها، واستثمار مقوماتها، وتعزيز كفاءة إنفاقها، حيث عنون لهذه المرحلة ب«التحول»، ويعني في أبسط مفاهيمه تحول المواطن من ثقافة الاستهلاك إلى الإنتاج، وتحرير مؤسسات الدولة من الاعتماد المالي للموازنة إلى بناء شراكات تستثمر في الأصول والخدمات وتحقيق العوائد، وتحسين مستوى الخدمة وتجويدها.
الأمير محمد بن سلمان يفكّر بطريقة مختلفة، وجريئة، وذات نتائج مضمونة، ويطمح أن تتحقق المعادلة بتعاون المواطن لاستيعاب المرحلة، والقدرة على النهوض في مشروع اقتصادي متعدد المصادر، والشراكات؛ فهو يؤمن بالحكمة الفرنسية: «من يفهم كل شيء ينبغي أن يغفر كل شيء»، ومعناه أن الفهم الجديد لإدارة اقتصاديات الدولة -وهو حتماً يفهم تفاصيل ما تعانيه كرئيس لمجلس الاقتصاد والتنمية- يتطلب أن نغفر للممارسات التي كانت سائدة في إدارة ذلك الاقتصاد الضخم، والبدء بمرحلة جديدة لا نسأل فيها عن سعر برميل النفط، ولا يساوم أو يزايد أحد في تحديد سقف إنتاجه، أو الارتهان لتقلبات أسواقه، وبالتالي هي مرحلة تحول علينا كمواطنين أن نعي أبعادها، ونتائجها، والاعتماد عليها في ثقافة تعاطينا مع المتغيرات التي حتماً ستكون في صالح اقتصاد يعوّل عليه كثيراً في المرحلة المقبلة.
المملكة أو «السعودية الجديدة» التي يرسم ملامحها الاقتصادية ولي ولي العهد هي دولة صناعية، متعددة الاستثمارات، والمداخيل، متطورة الخدمات، والإمكانات، قادرة على مواجهة الأزمات، وتقنين النفقات بتفويض المهام التشغيلية والتحويلية للقطاع الخاص، وتعزيز دوره، وقدرته على الشراكة الفاعلة مع الدولة على قاعدة «بقدر ما تأخذ تعطي»، والأهم من بين ذلك هو في إعادة بناء العنصر البشري على أساس الإنتاج بدلاً من الرعوية، والأمان بدلاً عن الضمان، والعمل الحر بدلاً من انتظار الوظيفة، والعلم كنور للمستقبل وفق احتياجات السوق.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
كيف يتسنى لمجتمع أن يتقدم؟ هذا السؤال الذي شغل الكثير من الفلاسفة والمفكرين في كل العصور، يقول الفيلسوف أرنلد توينبي عن هذا السؤال، إن الارتقاء الحقيقي لأي
- Details
- Details
- قضايا وأراء
- Details