أخبار - ساندروز
أخبار سياسية
- Details
- أخبار سياسية
أناتولي كاليتسكي*
لندن - في مختلف أنحاء العالم اليوم، يسود شعور بنهاية عصر، ونذير عميق بتفكك مجتمعات كانت مستقرة في سابق عهدها. وفي أبيات خالدة من قصيدته العظيمة "المجيء الثاني"، يقول الشاعر ويليام بتلر ييتس:
"الأشياء تتداعى، ويعجز المركز عن الصمود
ويُطلَق العنان للفوضى لتجتاح العالم...
الصالح لا يجد سبيلاً للإقناع، بينما الطالح
تملؤه قوة متوقدة...
أي وحش فظ هذا الذي يفيق أخيراً
ويمشي محدودبا صوب بيت لحم ليولد هناك؟"
كتب ييتس هذه الأبيات في كانون الثاني (يناير) 1919، بعد مرور شهرين من وضع الحرب العالمية الأولى أوزارها. وقد استشعر بشكل غريزي أن السلام سوف يتقهقر مُفسِحاً المجال أمام أهوال أعظم.
وبعد ما يقرب من الخمسين عاماً، وبالتحديد في العام 1967، اختارت الكاتبة الأميركية جوان ديديون عبارة "يمشي محدودباً صوب بيت لحم" كعنوان لمجموعة من المقالات التي كتبتها عن الانهيارات الاجتماعية التي حدثت في أواخر ستينيات القرن العشرين. وفي الأشهر الاثني عشر التي تلت نشر الكتاب، اغتيل مارتن لوثر كنج الابن، وروبرت كينيدي، واندلعت أعمال الشغب في المدن الداخلية في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، وبدأ الطلاب الفرنسيون المحتجون حركة التمرد التي أطاحت بالرئيس شارل ديغول بعد عام من ذلك.
وبحلول منتصف السبعينيات، خسرت أميركا الحرب في فيتنام. وكانت منظمات مثل "الألوية الحمراء" في إيطاليا، ومنظمة الصمود تحت الأرض اليسارية في الولايات المتحدة، والجيش الجمهوري الأيرلندي، ومنظمة الإرهابيين الفاشيين الجدد في إيطاليا، تشن الهجمات في مختلف أنحاء الولايات المتحدة وأوروبا. وبفضل دعوى عزل الرئيس ريتشارد نيكسون، تحولت الديمقراطية الغربية إلى مادة للسخرية.
واليوم، مرت خمسون سنة أخرى أيضاً، وأصبح العالم مرة أخرى نهباً للمخاوف حول فشل الديمقراطية. فهل يمكننا استخلاص بعض الدروس من تلك الفترات السابقة التي اتسمت بالشك الوجودي في الذات؟
في العشرينيات والثلاثينيات، وأيضاً في الستينيات والسبعينيات، ومرة أخرى اليوم، كان اليأس من السياسة مرتبطاً بخيبة الأمل من نظام اقتصادي فاشل. وفي فترة ما بين الحربين، بدا الأمر وكأن الرأسمالية محكوم عليها بالزوال بفِعل التفاوت المفرط بين الناس، والانكماش، والبطالة الجماعية. وفي الستينيات والسبعينيات، بدا الأمر وكأن الرأسمالية تنهار للأسباب المعاكسة تماماً: التضخم، وردود الفِعل العكسية لدافعي الضرائب والمصالح التجارية ضد سياسات إعادة التوزيع التي تتبناها "الحكومة الضخمة".
ولا يعني ذِكر هذا النمط من الأزمات المتكررة أن هناك قانوناً ما من قوانين الطبيعية يملي شبه انهيار للرأسمالية العالمية كل خمسين إلى ستين عاماً. ولكنه يعني حقيقة أن الرأسمالية الديمقراطية هي نظام متطور، يستجيب للأزمات بتحويل العلاقات الاقتصادية والمؤسسات السياسية بشكل جذري.
لهذا، ينبغي لنا أن نرى في اضطرابات اليوم استجابة متوقعة لانهيار نموذج بعينه من نماذج الرأسمالية العالمية في العام 2008. وإذا حكمنا من خلال تجارب الماضي، فربما تكون إحدى النتائج المحتملة هي قدوم عشر سنوات أو أكثر من البحث عن الذات والاستقرار، والتي قد تنتهي إلى تسوية جديدة لكل من السياسة والاقتصاد.
كان هذا هو ما حدث عندما جاء انتخاب كل من مارغريت تاتشر ورونالد ريغان في أعقاب التضخم الكبير في أوائل سبعينيات القرن العشرين، وعندما تمخضت أزمة الكساد العظيم في الثلاثينيات عن الصفقة الجديدة و"الوحش الفظ" الذي تمثل في إعادة تسليح أوروبا. وقد اتسمت كل من هاتين التسويتين بعد الأزمة بتحولات في الفِكر الاقتصادي، فضلاً عن السياسة.
فقد أدى الكساد العظيم إلى اندلاع الثورة الكينزية في الاقتصاد، جنباً إلى جنب مع الصفقة الجديدة في السياسة. وأثارت الأزمات التضخمية في الستينيات والسبعينيات ثورة ميلتون فريدمان النقدية المضادة، التي ألهمت تاتشر وريغان.
وهكذا، بدا من المعقول أن نتوقع أن يتسبب انهيار الرأسمالية المالية المتحررة من الضوابط والقيود التنظيمية في إحداث تغير هائل رابع (أو الرأسمالية 4.0 كما كنت قد سميتها في العام 2010) في كل من السياسة والفِكر الاقتصادي. ولكن، إذا كانت الرأسمالية العالمية تدخل مرحلة ثورية جديدة حقاً، فما هي سماتها المحتملة؟
كانت السِمة المميزة لكل مرحلة متعاقبة من مراحل الرأسمالية العالمية هي حدوث تحول في الحدود بين الاقتصاد والسياسة. ففي رأسمالية القرن التاسع عشر التقليدية، كانت السياسة والاقتصاد يتجسدان من الناحية المثالية في مجالين متميزين. وكانت التفاعلات بين الحكومة والقطاع الخاص تقتصر على تحصيل الضرائب (الضرورية) لتغطية نفقات المغامرات العسكرية والحماية (الضارة) للمصالح الخاصة القوية.
وفي المرحلة الثانية الكينزية من الرأسمالية، كان يُنظَر إلى الأسواق بعين الريبة، في حين اعتُبِرَ التدخل الحكومي صحيحاً. وفي المرحلة الثالثة، التي هيمنت عليها مارغريت تاتشر ورونالد ريغان، انقلبت هذه الافتراضات: فكانت الحكومة خاطئة عادة، والسوق على صواب دائماً. وربما يمكن تعريف المرحلة الرابعة بالاعتراف بأن الحكومات والأسواق على حد سواء يمكن أن يرتكبا أخطاء مأساوية.
وربما يبدو الاعتراف بهذه اللاعصمة التامة مُحبِطاً -ويبدو من المؤكد أن المزاج السياسي الحالي يعكس هذا الحال. ولكن من الخطأ أن يكون الاعتراف بعدم العصمة أداة تمكين في الواقع، لأنه يعني ضمناً إمكانية التحسن في كل من الاقتصاد والسياسية.
ولكن، إذا كان العالَم معقداً وغير متوقع إلى الحد الذي يمنع الأسواق أو الحكومات من تحقيق أهداف اجتماعية، فإن هذا يستلزم تصميم أنظمة جديدة من الضوابط والتوازنات حتى يصبح بوسع عملية اتخاذ القرار السياسي أن تقيد الحوافز الاقتصادية، والعكس بالعكس. وإذا كان العالم يتسم بالغموض واستحالة التنبؤ به، فلا بد من إعادة النظر في النظريات الاقتصادية التي سادت في فترة ما قبل الأزمة -التوقعات العقلانية، وكفاءة الأسواق، وحيادية المال.
وعلاوة على ذلك، ينبغي للساسة أن يعيدوا النظر في الكثير من البناء الإيديولوجي الخارق الذي أقيم على افتراضات أصولية السوق. ولا يشمل هذا إلغاء القيود التنظيمية المالية فحسب، بل وأيضاً استقلال البنوك المركزية، والفصل بين السياستين النقدية والمالية، وافتراض أن الأسواق المتنافسة لا تحتاج إلى تدخل الحكومة لإنتاج عملية توزيع دخل مقبولة، ودفع الإبداع، وتوفير البنية الأساسية الضرورية، وتسليم المنافع العامة.
من الواضح أن التكنولوجيات الجديدة وعمليات إدماج المليارات من العمال الإضافيين في الأسواق العالمية خلقت الفرص التي ينبغي أن تعني المزيد من الازدهار في العقود المقبلة مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة. ومع ذلك، يحذر الساسة "المسؤولون" في كل مكان مواطنيهم من "معتاد جديد" يتصف بالنمو الراكد. وليس من المستغرب والحالة هذه أن تثور ثائرة الناخبين.
يستشعر الناس أن قادتهم يملكون الأدوات الاقتصادية القوية الكفيلة بتعزيز مستويات المعيشة. فمن الممكن طباعة النقود وتوزيعها بشكل مباشر على المواطنين. ومن الممكن رفع الحد الأدنى للأجور من أجل الحد من التفاوت بين الناس. وبوسع الحكومات أن تزيد من استثماراتها في البنية الأساسية والإبداع بتكاليف لا تتجاوز الصِفر. ومن الممكن أن يعمل التنظيم المصرفي على تشجيع الإقراض بدلاً من تقييده.
لكن نشر مثل هذه السياسات الراديكالية سيعني رفض النظريات التي هيمنت على الاقتصاد منذ ثمانينيات القرن العشرين، جنباً إلى جنب مع الترتيبات المؤسسية التي تقوم عليها، مثل معاهدة ماستريخت في أوروبا. والواقع أن قِلة من الأشخاص "المسؤولين" ما يزالون على استعداد لتحدي العقيدة الاقتصادية التي سادت قبل الأزمة.
تتلخص الرسالة التي تبثها الثورات الشعبوية اليوم في أن على الساسة أن يمزقوا دليل اللوائح التنظيمية الذي تعودوا على العمل وفقاً له قبل الأزمة، وأن يعملوا على تشجيع ثورة في الفِكر الاقتصادي. وإذا رفض الساسة المسؤولون ذلك، "فمن المؤكد أن وحشاً شرساً سوف يفيق أخيراً" لكي يقوم بهذه المهمة بالنيابة عنهم.
*كبير خبراء الاقتصاد والرئيس المشارك لمركز جافيكال للديموغرافيا. كاتب عمود سابق في "تايمز أف لندن"، و"نيويورك تايمز" و"الفايننشال تايمز". وهو مؤلف "الرأسمالية 4.0"، و"الاقتصاد البريطاني الجديد".
*عن "الغد".
- Details
- Details
- أخبار سياسية
سمير سعيفان
لا تثير فضائح بنما قضية الجنات الضريبية والسرية المصرفية وحسب، بل تثير قضية الأنظمة الضريبية في العالم، بل ومجمل أنظمة وقواعد عمل اقتصاد السوق الرأسمالي الليبيرالي برمته. فالجنات الضريبية ليست أكثر من التعبير المتطرّف الذي يشير إلى القاعدة، وهي أن النظام المالي والنقدي والمصرفي مصمم لحماية أموال الأغنياء، بغض النظر عن مصدرها، كما أن أنظمة الاستثمار والأنظمة التجارية وأنظمة حماية الملكية الفكرية وغيرها جميعها مصممة لتعزيز قوة الأقوياء على حساب الضعفاء، سواء كانت دولاً ضعيفة أو مواطنين ضعفاء في الدول القوية.
ما تسمى الجنات الضريبية (Tax paradise) وتسمى أيضاً الملاذات الضريبية (tax haven) أو الواحات الضريبية (tax oases)، ليست دولاً في مجاهل أفريقيا أو دولاً "مارقة" بحسب التعبير الأميركي، أو أماكن سرية، بل هي دول أو جزر صغيرة أو كبيرة تتبع أحياناً لدول كبيرة، مثل بريطانيا العظمى أو غيرها. وإذا نظرنا إلى القائمة الطويلة للجنات الضريبية، نقرأ أسماء دولٍ، مثل بنما التي أصبحت شهيرة الآن، وجامايكا وباربادوس وجزر أندورا والباهاماس وبيليز وبيرمودا وتورك وكايكوس آيلاند، وكذلك أسماء دول في قلب أوروبا، مثل إيرلندا وسويسرا (الأكثر شهرة ونشاطاً) والدنمارك وموناكو وليختنشتاين ولوكسمبورغ والجزر العذراء البريطانية وجيرسي البريطانية وآيل أوف مان البريطانية وجزر الأنتيل الهولندية وجزيرة كايمان ودول ومدن أخرى، مثل كوستاريكا وبيروت وقبرص ودبي والبحرين وجبل طارق ومالطا وهونغ كونغ وسنغافورة وماليزيا. وليبيريا وأنغولا وغيرها، بل وتعد بعض الولايات في الولايات المتحدة جنات ضريبية. ويقدر عدد الملاذات الضريبية اليوم بأكثر من 50 منطقة، وتحضن قرابة عشرة ترليونات دولار أميركي من الأصول المالية، وفيها أكثر من 400 مؤسسة مصرفية ومسجل فيها نحو مليوني شركة.
وتقدم الجنات الضريبية خدماتها عبر أسلوبين رئيسيين: الأول، إيداع أموال وثروات فاسدة والتكتم عليها بدون فرض أية ضرائب. لذا، يلجأ إليها الفاسدون من الرؤساء وكبار المسؤولين لإيداع أموالهم وتأسيس شركات بأسمائهم أو أسماء أشخاص آخرين، يستخدمونهم واجهة، وثمة طرق ملتوية مختلفة، تعرفها مكاتب خبرة قانونية، تخدمهم لقاء مبالغ زهيدة. الثاني: تلجأ إليها الشركات الكبرى والصغرى، للتهرب من دفع الضرائب، فتسجل مقرها الرئيسي فيها شكلياً، بينما مقرها الفعلي في عاصمة كبرى، أو تشكل الشركات الكبرى شركاتٍ شقيقة في إحدى الملاذات الضريبية، وتمارس النشاط باسمها في دول وأسواق ومناطق، لا تفرض ضرائب مرتفعة، وبالتالي، تتهرب من دفع الضريبية، بحسب قانون الدولة التي تقيم فيها، وقد تكون بريطانيا أو أميركا أو ألمانيا أو طوكيو أو غيرها لا فرق.
فضيحة بنما هي فضيحة بالنسبة للمواطن العادي الذي لم يكن يعلم شيئاً عنها، بينما المتابعون عرفوا ثانيةً ما كانوا يعرفونه من قبل، فالجنات الضريبية والتهرب الضريبي هما في الواقع جزء من ممارسةٍ عاديةٍ ضمن نظام عالمي محكم، صممه ونفذه ويحميه الأقوياء المتحكمون بهذا العالم، من رجال مال ورجال سياسة في خدمة رجال المال. والطريف، في هذه الجنات الضريبية، أنها مخصّصة للأغنياء، لزيادة غناهم بتقديم الحماية لهم للتهرب من الضرائب وحماية للفاسدين وناهبي شعوبهم التي تزداد فقراً. وتعد الجنات الضريبية والنظام الضريبي العالمي برمته أحد الأسباب في زيادة التفاوت في الدخل بين الأفراد داخل كل مجتمعٍ من مجتمعات الأرض اليوم، إلى حد أن عشرةً من أغنياء العالم يملكون دخلاً سنوياً، قد يزيد عن الدخل السنوي لعشرة دول كاملة.
النظام الضريبي والنظام البنكي العالمي، بل ونظام اقتصاد السوق الليبرالي برمته، بات يعدّ جنة ضريبية واسعة تلف الكرة الأرضية، فمنذ مطلع الثمانينيات بدأت هجمة ليبرالية، مع صعود تاتشر إلى رئاسة مجلس وزراء بريطانيا، ومن بعدها تولي رونالد ريغان رئاسة الولايات المتحدة واتباعهما نهجاً ليبرالياً جديداً متطرفاً في انحيازه لرأس المال على حساب العمل، وقد نظّر لها منظرون كبار، مثل ميلتون فريدمان وفريدريش فون هايك وجون ويليامسون الذي سطر عام 1989 "الوصايا العشر" فيما يسمى توافق واشنطن. ومذاك، تم تنظيم حملة عالمية جُنِدَت لها إمكانات كبيرة لدفع الدولة نحو الوراء، وتقليص البرامج الاجتماعية، وتقليص تدخلها في السوق، ثقةً بأن السوق تنظم نفسها بنفسها عبر اليد الخفية لآدم سميث، وأن حكمة رجال الأعمال، وخصوصاً الشركات الكبرى العملاقة التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد العالمي، هم على قدر المسؤولية وسيتصرفون بحكمة، ولن ينجرّوا وراء شهوة الربح.
مذاك التاريخ، بدأت موجة الخصخصة وبيع شركات القطاع العام وبيع ممتلكات وحقوقها للقطاع الخاص في مختلف الدول، ورافقها فساد واسع، خصوصاً في دول الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي السابق، حيث تم بيع القطاع العام الهائل بأثمان بخسة، وتم تحرير حركة رؤوس الأموال عبر العالم، وفتح أسواق الاستثمارات وأسواق المال، لتتمكن من الانتقال بمرونة بين مختلف بلدان العالم، وتم توحيد قواعد عمل المصارف باتباع ما تسمى قواعد بازل واحد وبازل 2 وبازل 3، وتم دفع تحرير التجارة إلى الأمام، وإقامة مناطق تجارة حرة كثيرة، وتحرير أسواق العمل وتقليص حماية العامل في مواجهته مع رب العمل، والتشدّد في تطبيق حقوق الملكية الفكرية، وغيرها من إجراءات تسهم في زيادة أرباح أصحاب الأعمال. كما تم تقليص موازنات الدول وتخفيض قيمة عملات بلدانٍ كثيرة، بما يقلص القيمة الحقيقية للأجور، ويخفض تكاليف الإنتاج، بما يشجع التصدير ويحقق أرباحاً أكبر لرأس المال، كما تم الترويج لتعديل جوهري في أنظمة الضرائب، بحيث تم تخفيض الضرائب على الأرباح، أي دخول الفئات الغنية والغنية جداً تحت ذرائع تشجيع الاستثمار، وطغت على العالم موجة "سباق الإعفاءات الضريبية"، وتم تعويض إيرادات الضرائب المفقودة، بسبب التخفيضات بفرض ضريبة المبيعات وضريبة القيمة المضافة والمعروفة بالإنجليزية اختصاراً الفات (VAT)، وهي ضريبة يدفعها المواطن العادي لقاء مشترياته، إضافة إلى ما دفعه من ضرائب عن راتبه، وهي بالتعريف ضرائب غير عادلة، ومنحازة لصالح الأغنياء، فهم باختصار خفضوا ضرائب الأغنياء، وزادوا الضرائب على كاهل محدودي الدخل. ولم يكتفوا بهذا كله، بل وسَّعوا الجنات الضريبية، ووسعوا ما تسمى (شركات الأفشور Off shore)، ويقصد بها الشركات التي تؤسس نفسها قانونياً وصورياً في بلد محدّد أو جزيرة صغيرة، لكنها تمارس نشاطها الفعلي خارج حدود هذا البلد، فلا تخضع لأية ضرائب، وبالتالي، فهو برمته نظام تهرب ضريبي. ولكن، هذه المرة بمباركة قانونية.
يحتاج نظام الجنات الضريبية برمته إلى إلغاء، وكذلك السرية المصرفية، ولا أقصد بذلك إباحة حركة الحسابات المصرفية لكل من هب دب، ليطلع عليها. ولكن، يجب أن يكون الاطلاع عليها ممكناً للجهات الرقابية والضريبية وبقرارات المحاكم، وأن تفتح الحسابات بأسماء أصحابها الحقيقيين حصراً، وليس بأسماء وهمية أو بأرقام.
وقد بدأت الضغوط تتصاعد في أوروبا ضد هذه الملاذات، لكنها تحتاج حركة عالمية ضدها، لأن أصحاب المصلحة فيها أقوياء جداً، ولهم جمهور عريض في جميع البلدان. ومن جهة ثانية، يحتاج العالم لوضع قواعد عامة للأنظمة الضريبية، تلتزم بها الدول، بحيث تكون المعدلات الضريبية وأسس فرضها وجبايتها متقاربة.
ليست المسألة جنات ضريبية ونظاماً ضريبياً وحسب، بل إن مجمل نظام اقتصاد السوق الليبرالي يحتاج لتوجه جديد، يعيد تصحيح الأنظمة الاقتصادية باتجاه أكثر عدالة وإنصافاً، ولهذا حديث آخر.
عن "العربي الجديد"
- Details
- Details
- أخبار سياسية
تجاهلت الصحف المصرية الداعمة للانقلاب الصادرة الجمعة، الدعوات المتصاعدة للتظاهر اليوم ضد اتفاقية ترسيم الحدود التي وقعها السيسي مع السعودية وتنازل بموجبها عن جزيرتي تيران وصنافير.
وفيما يبدو أنه محاولة للتقليل من شأن تلك الدعوات، لم تشر الصحف القومية، الأهرام والأخبار والجمهورية، إلى تلك الدعوات، في حين أبرزت بيان وزارة الداخلية الذي يحذر ويهدد المواطنين من مغبة الخروج في تظاهرات، كما أبرزت بعضها أخبار إغلاق بعض محطات المترو.
ومحاولة منها في شق صف المتظاهرين، أبرزت صحيفة الأخبار خبرا بعنوان "مقيم دعوى ضد ترسيم الحدود: لن أشارك في تظاهر الجمعة"، جاء فيه أن طارق العوضي، مقيم دعوى ضد اتفاقية ترسيم الحدود، قرر عدم المشاركة في تظاهرات الجمعة بعد إعلان جماعة الإخوان المشاركة.
ودعت حركات ثورية وحزبية وإسلامية إلى تظاهرات كبيرة، الجمعة، تحت عنوان "جمعة الأرض" ضد التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية.
وأعلنت حركات الاشتراكيين الثوريين، و6 أبريل، وشباب ضد الانقلاب، ومجلس أمناء الثورة، وأحزاب المصري الديمقراطي الاجتماعي، والدستور، ومصر القوية، وجماعة الإخوان المسلمين، وتحالف دعم الشرعية، والتيار الشعبي، والمجلس الثوري، مشاركتها في التظاهرات الاحتجاجية.
كما دعا شريف عبد العزيز، القيادي بحملة الفريق أحمد شفيق سابقا، جموع الشعب المصري للمشاركة في الاحتجاجات المقاومة، والرافضة لبيع جزيرتي تيران وصنافير للسعودية.
كما أعلنت حركة "طلاب ضد الانقلاب" انضمامها "لجموع المصريين في مظاهرات الغد، تلبية لدعوات من وصفتهم بالمخلصين من أبناء الوطن الداعين للانتفاض والثورة"، مؤكدة "رفضها الكامل للتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، ومشددة على تمسكها بكل شبر من أرض الوطن".
وقال حازم رضا، منسق تنسيقية اتحاد طلاب مصر، إن "الطلاب هم النبض الحقيقي للثورة"، مؤكدا "مشاركة 12 حركة طلابية من مختلف الاتجاهات"، داعيا "الشعب كله إلى المشاركة في تلك الفعاليات للحفاظ على تراب الوطن الذي راح من أجله الشهداء".
كما دعا فنانون وأدباء ومثقفون مصريون (لم يعلنوا عن هوياتهم) لفعالية مساء الجمعة في ميدان طلعت حرب بوسط القاهرة، لمدة ساعة، ضد ما أسموه "الاستهانة البالغة بالوطن والمواطن"، تحت عنوان "لا للتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير"، وفق بيان أصدره المثقف والكاتب اليساري، محمد هاشم.
- Details
- Details
- أخبار سياسية
قال الكاتب السياسي، محمد قواص، إن أنصار حزب الله لا يأمنون أنصار أمل، فبين الطرفين مواجهة ودماء، كما أن لدى بطانة الحزب قناعة بأن تضامن الحركة وتحالفها معه ليس بنيويا أصيلا وأن أمل ستغادر الميدان عند أول مفترق مناسب..
ويرى الكاتب فى مقاله، أمل وحزب الله: الثنائية المفخخة، المنشور في صحيفة العرب اللندنية، أنه ولئن جمع الفريقان دفاعهما عن “القضية الشيعية” في لبنان، فإن تباينا عميقا يفصل ما بين رؤى الحركة والحزب حول الشيعة والقضية ولبنان.
وأضاف أنه يغلب داخل حزب الله شعور أن مراعاة الحركة والتمسّك بالشراكة معها لا يعبّران عن ميزان القوى الحقيقي داخل الطائفة، بالمعنييْن العسكري والشعبي، وأن تلك الثنائية في تمثيل شيعة البلد تعود لتنازل الحزب عن موقع طاغ لا نقاش فيه.
بالمقابل تسود داخل حركة أمل مشاعر يعكسها الأنصار في حالات الاحتكاك مع جماعة الحزب تعكس جمرا تحت الرماد في مقاربة تنظيم نبيه بري بتنظيم حسن نصرالله. يعتبر قدماء أمل أن حركتهم هي الأصل، وأن الحزب هو الفرع. وأن حسن نصرالله والكثير الكثير من قيادات حزب الله نما وترعرع وكبر داخل صفوف أمل، وأن في قصة تشكّل حزب الله قصة في الانقلاب على حركة أمل.
وأشار قواص إلى أن في لحظة الصراع الدموي بين حركة أمل وحزب الله في ثمانينات القرن الماضي، كانت المواجهة تمثّل صراعا على الشيعة بين سوريا الداعمة لحركة أمل، وإيران الداعمة لحزب الله. وأول مفترق تخشاه أوساط حزب الله في العلاقة مع حركة يُعبّد هذه الأيام من خلال الميدان السوري. يلاحظ نبيه بري، وهو السياسي العتيق الحذق، أن الرياح الراهنة تبشّر بتبدل شروط حلف الضرورة بين أمل والحزب.
- Details
- Details
- أخبار سياسية
روني شكيد
وحده تغيير الوضع الاقتصادي ــــــ الاجتماعي فيها كفيل بأن يمنع أو يؤخر على الأقل الحملة العسكرية التالية.
في العام 1986 في أواخر ولايته كرئيس الادارة المدنية في غزة، رفع العميد شايكا ايرز تقريرا سميكا إلى جهاز الامن والقيادة السياسية بعنوان «غزة 2000». ورسم التقرير الصورة الاجتماعية ـ الاقتصادية ـ السياسية ـ الأمنية لغزة في بداية القرن الـ 21. في نظرة إلى الوراء، يتبين أن التقرير كاد يتوقع بدقة الواقع في العام 2000 بعد 15 سنة. وكان التقرير يوضع بشكل دائم على طاولة رئيس الوزراء اسحق رابين، وصار لاحقا المحفز لخطة «غزة أولا» التي اصبحت بعد الاصرار الفلسطيني «غزة واريحا» وكانت المرحلة الاولى من تطبيق اتفاقات اوسلو.
لقد تركنا الخروج من غزة بقيادة رئيس الوزراء ارئيل شارون انطلاقا من مصلحة إسرائيلية مبررة، تركنا في الوهم بأننا فككنا ارتباطنا عن القطاع. في اختبار الواقع، غزة لم تفك ارتباطها عنا. رغم الانفاق وقنوات التهريب، فبلا إسرائيل لا وجود لغزة. غير أنه بينما تواصل إسرائيل كونها لاعبا مركزيا في الملعب الغزي، فليس لديها استراتيجية في هذا الموضوع. وهي ترى غزة فقط عبر العلبة الأمنية ـ العسكرية ـ ويكاد لا يكون هناك تفكير بديل خارجها.
الواقع في قطاع غزة على شفا الكارثة. الكهرباء تصل إلى البيوت لثماني ساعات في اليوم فقط؛ نحو 90 في المئة من الماء غير ملائمة للشرب؛ نحو 80 في المئة من المجاري تتدفق إلى البحر وتنجرف شمالا إلى شواطئنا، وبعد قليل ستلوث منشأة التحلية في عسقلان؛ 44 في المئة من الغزيين عاطلون عن العمل، 39 في المئة يعيشون دون خط الفقر العالمي (اقل من دولار في اليوم)، 72 في المئة من العائلات تعاني من نقص الأمن الغذائي، و80 في المئة تتلقى مساعدات انسانية. 75 الف شخص نازحون، ولا سيما بسبب هدم المنازل في الجرف الصامد. وقضى خبراء الامم المتحدة بانه في العام 2020 لن تكون غزة مكانا مناسبا للمعيشة. رئيس تقرير شعبة الاستخبارات، الذي استند إلى تقرير الامم المتحدة، حذر من انه ستكون لهذا الوضع آثار امنية.
على خلفية التوقعات القاتمة تعقد في هذه الايام في معهد ترومان في الجامعة العبرية ندوات أكاديمية لمشاركة إسرائيليين، فلسطينيين واوروبيين بهدف عرض بدائل لتغيير الوضع الاقتصادي والاجتماعي في غزة. تغيير في هذه المجالات سيسرع ميل فك ارتباط غزة عن اذرع إيران وبشكل غير مباشر سيساعد في تحسين امن إسرائيل. في ضوء المعطيات الخطيرة، يجب اعداد تقرير لـ «غزة 2025». ولا ينبغي أن يكون أي شك. فالتقرير سيشير إلى المنحدر السلس الذي سيؤدي إذا لم يتخذ عمل جدي إلى المصيبة.
غير ان اليوم، اكثر مما في الماضي يمكن الحصول على دعم عربي ودولي لتغيير الوضع في القطاع. هكذا مثلا، المحادثات مع تركيا هي فرصة ذهبية لنيل عصفورين بحجر واحد: استئناف العلاقات مع تركيا وربطها في نفس الوقت لتغيير الواقع في غزة. فتحسين العلاقات يشترطه الاتراك برفع الحصار وبتوريد الكهرباء من خلال محطات طاقة تنصب على سفن تركية. ولا ينطوي حل مشكلة الكهرباء على مشاكل أمنية بل على النية الطيبة فقط. كما يمكن لتركيا أن تدفع إلى الامام بمشاريع اقتصادية اخرى في غزة، بما في ذلك اقامة ميناء ومناطق صناعية غنية بالايدي العاملة باشراف تركي.
هكذا ايضا من خلال مصر والسعودية، اللتين تعمقت علاقاتهما مؤخرا، يمكن العمل لاخراج حماس من دائرة النفوذ الإيراني وخلق توازنات قوة جديدة. هذه الاعمال ستحسن وضع الغزيين وليس اقل من ذلك وضع إسرائيل وامنها. فمثل هذه التنمية الاقتصادية ستؤدي إلى علاقات ايجابية تمليها مصالح كل واحد من الاطراف، وهذه ستجعل جولة القتال التالية اقل جدوى.
لا ينبغي أن تكون أوهام، فطالما لم يتغير الوضع الاجتماعي ـ الاقتصادي في غزة، ولن يكون القليل من الامل لسكانها، فمن شأن حماس أن تجر نحو جولة قتالية اخرى قريبا في محاولة لانقاذ غزة من الحصار. لقد سبق ان كنا في الرصاص المصبوب 2009، في عمود السحاب في 2012 وفي الجرف الصامد في 2014. وحده التغيير الدراماتيكي والسريع كفيل بأن يمنع ـ أو يؤخر على الاقل ـ الحملة العسكرية التالية.
يديعوت 14/4/2016
- Details