قضايا وأراء
- Details
- قضايا وأراء
إن ظهور حميد الشاعري في "صاحبة السعادة" من تقديم إسعاد يونس، محاولة لاسترجاع ما يدعى أن يكون ذاكرة الجيل، وهي ذاكرة فعلاً لكن تحمل تفاوتا في القيمة والنوع والرسوخ ما جعل الحلقة احتفاء متأخرا بتناقضات بين مصر وجاراتها، أو أبناء بناتها من الجوار.
لم يمثل الشاعري سفير ليبيا ثقافياً بل جعلت الظروف منها شخصية تستقطب الهوامش ففي مقابل علي الحجار ومحمد الحلو ومدحت صالح ومحمد ثروت اتكأ على الشاعري، وتمويل شركة سونار، ظهور علاء عبدالخالق وإيهاب توفيق ومصطفى قمر وهشام عباس. إن من الأمور التي عجز الشاعري، ودافعت عنها ضده طويلاً كتيبة حلمي بكر، وكسبت قضية إيقافه عن العمل بالقانون عام 1991، ولم يمنع وجودها: استمرار الغناء المتقن، والأساليب الغنائية الراسخة، وأن يكون بديلاً لما سواه.
إن إعادة تأمل تلك الفترة لتمكن من رصد الأسباب المباشرة، لكونها دوافع عند أصحابها، لانطلاق هذه الموجة الصاخبة بعنوان "الأغنية الشبابية" وانزوائها، ومن أولها تحول الصناعة من الأسطوانة إلى الكاسيت -نموذج أحمد عدوية-، وثانيها تكميم الغناء السياسي وانفضاحه إيديولوجياً بعد اغتيال السادات والإفراج عن المثقفين 1982، والإحباط الاجتماعي وتزيينه في إنكار انتصار 1973 وترويج معاهدة السلام 1979، واستعادة الأغنية لانفصالها في القيمة والنوع عن اتصالها السابق بالمسرح والسينما. مجمل تلك الأسباب تعطينا مساحة كبيرة إلى حالات انعكاس: اضطراب سياسي، ونهاية الإيديولوجيا، ونهاية الأغنية. ففي أول القرن العشرين، تحديداً عند ظهور شركات الأسطوانات، فرضت صيغة الأغنية التجارية، التي تعرض في المقاهي والصالات، فظهرت "طقاطيق العوالم" في مصر –أسهم فيها زكريا أحمد "1896-1961" وأحمد شريف "1916-1969" والبستات في العراق-، عرفت بصوت نعيمة المصرية ورتيبة أحمد وبدرية أنور ومنيرة الهوزوز على ظهور الأغنية التي تأخر استقبالها وتسويقها حتى اندمجت في المسرح والسينما. وفي منتصف الخمسينيات قاد محمد فوزي "1918-1966"، الذي لم يكن يتمتع بإمكانات صوتية وتلحينية توازي كلا من محمد عبدالوهاب وفريد الأطرش، في مجمل نتاجهما سواء في الأسطوانات والإذاعات والمسارح والسينما، موجة صاخبة من الغناء الفرنكوفوني لمجموعة من مغني الأقليات الأوروبية المتمصرة، مثل كريم شكري وبرونو موري، وأفاد كثيراً من شركة الإنتاج التي أسسها ومصنعها في آن. وتكرر الأمر حين تبنى المنتج عاطف منتصر، أحمد عدوية، بأغنية "سلامتها أم حسن" 1973 الذي تمكن ملحنون من تقديم أغنيات خاصة به تختلف عن أعمالهم التي عرفت عنهم ومع سواه، مثل سيد مكاوي وبليغ حمدي وحسن أبو السعود وهاني شنودة.
تكاثرت نماذج عدوية في صالات السهر في القاهرة والإسكندرية، وأمكن استنساخ نماذج أخرى تقوم مقامه، وتحول إلى علامة على المرحلة، في لحظة فوران أفلام المقاولات -أفلام سهلة التحضير وقليلة التكلفة وفارطة التوزيع-، وتعثر الخطوات الأولى لمرحلة بديلة مع فرق الغناء التي حاولت تقديم الحياة بديلاً عن الحب المحروم، مثل فرقة المصريين والفور إم والأصدقاء.
وما عجزت عن تحقيقه تلك الفرق التي ظلت تراوح بين ذهنية الترويح السياحي وعسر الاندماج في الغناء الجماعي قام به الشاعري الذي استطاع أن يخلق للهوامش الصوتية -علاء عبدالخالق وإيهاب توفيق ومصطفى قمر وهشام عباس- مكانة لجيل حاول أن يعيد تفكيك عناصر الأغنية من صورتها الرومانسية ومن جفاف عناصرها التراثية، نحو صعود لتركيبة إيقاعية تربط الترفيه والبساطة، وتجمع الفرد في الجماعة.
لم تتمكن الموجة الصاخبة عند الشاعري التي خلقت مساحات لها مع المغنين السابقين ومحاولة الوصول واختراق قلعة وردة وتلميذاتها سميرة سعيد وميادة الحناوي وأصالة وذكرى وأنغام. حتى عندما عادت موجة صاخبة إثر المتغيرات السياسية والاقتصادية الدولية، عصر الحرب على الإرهاب، والتسليح المجنون، فظهر شعبان عبدالرحيم 2001 نتاجاً لم يكتمل له التكريس إلا بواسطة الإعلام الفضائي بينما نافسه بشكل سريع صعود ما يدعى "فن المهرجانات" 2010 الذي يكرس لهوامش جديدة في مصر، توازيه عروض الراب العربي المتوالية في فلسطين والمملكة وتونس والمغرب. هذه الموجات الصاخبة تظهر باعتبارها هوامش تتقدم بسبب فجوات مرحلية سرعان ما تتوارى أو تنتهي لكونها انعكاس اقتصادي وسياسي تتحول إلى ذاكرة سلبية مهما حاولت الظروف تبريرها من أصحابها أو المسهمين في صناعتها.
ولعل البرنامج كشف دون قصد أن الشاعري تحول إلى مجرد علامة إعلامية -أي رأسمال رمزي- أعاد الاستنفاع منه إخوته أكثر منه، في مشاريع إعلامية تتصل بتأسيس إذاعات إف إم، وصناعة الإعلانات، فلم يتمكن الشاعري، أن يفسر سبب فشل توزيع أول ألبوماته "عيونها" 1983 وآخرها "روح السمارة" 2006، ولا انزواء الحناجر المختفية بل تخطى ذلك إلى إخوته وأبناء إخوته، بغطاء واهم بأن الهواية يمكن أن تكشف موهبة مورثة ولا تفعل. إن التاريخ يقول كلمة واضحة ففي ظهور أحمد شريف وانطفائه استمر محمد الكحلاوي، وفي ظهور محمد فوزي ونهايته لم ينطفئ فريد الأطرش، وفي ظهور عدوية وتراجعه لم ينطفئ محمد منير، وفي ظهور حميد الشاعري وتواريه لم تنطفئ أنغام، كذلك الحال على ظهور شعبان عبدالرحيم وفن المهرجانات لم تنطفئ شيرين!
- Details
- Details
- قضايا وأراء
- Details
- قضايا وأراء
- Details
- Details
- قضايا وأراء
- Details
- Details
- قضايا وأراء
- Details
- Details
- قضايا وأراء
الأُستَاذ «ناصف مصطفى عبدالعزيز»، أُستَاذٌ قَدير، وخَبير مَنَاهج وتَأليف، خَاصَّة في جَانب اللُّغَة العَربيّة للنَّاطقين بِهَا وبغَيرها، لَه أكثَر مِن (140) كِتَابًا في تَعليم اللُّغَة العَربيّة وَحدها، ونَحو (500) قصّة
- Details
- Details
- قضايا وأراء
وجه الإسلام الحقيقي والثابت هو الوسطية والتيسير، وإنسانية الإسلام وعدالته أمر تشهد عليه الوقائع والنصوص.
من الأمور التي أكد عليها الشرع الحنيف الرحمة بل تكاد أن تكون الرحمة من مقاصد الشريعة التي نصت عليها في أكثر من موقف نصوص كثيرة من الكتاب والسنة وفقه الخلفاء الراشدين والصحابة، ومواقف كثيرة وصلت لنا تبين مدى تفاعلهم مع مبدأ الرحمة، وسأتناول هنا مثالاً واحداً هو نتاج لتمكن حالة الرحمة من قلوب كثير من المسلمين، وسلوكهم، ومثالي هو في رحمة المسلمين للطيور والعصافير، وهنا نستطيع أن نسطر الكثير من مظاهر الرحمة إلا انني أردت أن أوفي موضوعاً محدداً حقه من الطرح والتبيين، ولأن له علاقة مباشرة مع قضية حقوق الحيوان التي يرددها الغربيون في أدبياتهم، وكأنها من عندياتهم أو مبتكراتهم، فكثير من الباحثين الغربيين لم يعملوا في طرح أفكارهم من خلال مبدأ الإنصاف والعدل؛ وانطلقوا في بحوثهم من خلال مسلمات غير علمية ولا تصمد أمام البحث العلمي السليم، مثلما يحدث في هذه الأيام. وكأن الإسلام لا يوجد فيه إلا التطرف ولا ينتج إلا فكرا إرهابيا وهو حكم ظالم، وغير علمي، فوجه الإسلام الحقيقي والثابت هو الوسطية والتيسير، وإنسانية الإسلام وعدالته أمر تشهد عليه الوقائع والنصوص. وكون القاعدة أو داعش -الدولة الإسلامية في العراق والشام- يتمسحون بالإسلام المتطرف والعنيف المخالف للإسلام الحق لا يعني أبداً أن الإسلام وحضارته وما شاركوا فيه الأمم من طب وفيزياء وعلوم أنتجه أناس مثل داعش أو القاعدة.
اشتهر عن أبي الدرداء أنه كان يشتري العصافير ثم يطلقها. جاء في كتاب المنتظم لابن الجوزي عند ذكره لوفيات سنة إحدى وثلاثين (عن لقمان بن عامر عن أبي الدرداء أنه كان يشتري العصافير من الصبيان ويرسلها ويقول اذهبن فعشن).
وأبو الدرداء هو: عويمر بن عامر بن زيد بن قيس بن عائشة بن أمية من كبار الصحابة وقد شهد جميع المشاهد ما عدا بدر وولي القضاء وله فتاوى.
وهنا نتساءل من أين ينطلق أبو الدرداء في هذا السلوك؟ أما الفقيه الفحل أبو الوفا بن عقيل توفي سنة 513هجرية في بلده بغداد فله فتوى مشهورة ومعروفة. قال أبو الوفا بن عقيل: وقد سئل عن حبس الطير لطيب نغمتها فقال سفه وبطر يكفينا أن نقدم على ذبحها للأكل فحسب لأن الهواتف من الحمام ربما هتفت نياحة على الطيران وذكر أفراخها أفيحسن بعاقل أن يعذب حيا ليترنم فيلتذ بنياحته وقد منع من هذا بعض أصحابنا وسموه سفهاً.
هذا ما قاله أبو الوفا بن عقيل صاحب الموسوعة الكبيرة جدا كتاب الفنون والتي وكما يقال يقدر حجمها بمئات المجلدات، وأنا أظن أن هذه الفتوى منقولة من كتاب الفنون وهو كتاب شبه مفقود ولم يطبع منه سوى مجلدين عن مخطوطة ناقصة وحيدة ونادرة في باريس. وقد سمعت أن مركز جمعة الماجد في دبي قد عثر على هذا الكتاب كاملا يسر الله لهم طبعه فهذا الكتاب مهم ونافع وفيه من النوادر الأدبية والفقهية والفوائد الكثير، وذلك حسب تتبعي لكلام مؤلفه أبو الوفا بن عقيل والمسألة التي ذكرت هنا هنالك من يخالفها من الفقهاء إلا أن في كلام أبي الوفا بن عقيل تعليلا مفصلا يوضح سبب منعه سجن الطيور والعصافير وقرر في هذا المنع إحساسه بحزن الطيور، وما أريد قوله أن كلام ابن عقيل متجاوز لكثير من الطرح السائد الذي يقرر أن هذه المخلوقات مجرد بهائم خلقت للإنسان لكي يستمتع بها مطلقاً من غير أن يكون لهذه الكائنات حقوق على الإنسان.
ذكر زكريا بن محمد بن محمود القزويني في كتاب آثار البلاد وأخبار العباد قال: (وحكي أن بسيواس وقفاً على علف الطيور شتاء، وذلك عند وقوع الثلج عم جميع وجه الأرض، فعند ذلك ينتقل صغار الطيور من الصحراء إلى العمران، فتشترى الحبوب بحاصل هذا الوقف وتنثر على السطوح لتلتقطها الطيور الضعاف.)
هذا النص يعزز ما ذهبت إليه النصوص السابقة من تمكن صفة الرحمة في قلوب المسلمين فوجود وقف خاص بالطيور الضعيفة في فصل الشتاء المثلج في مثل هذه الأماكن الشمالية يدل على إحساس إنساني راق ورائد في تلك الفترة كما يدل على تطور الوقف الخيري والوعي بمكانته وأهمية تنويعه للمجتمع.
وذكر المقريزي في خططه عند كلامه على سوق الدجاجين قال:(.. وفيه حانوت فيه العصافير التي يبتاعها ولدان الناس ليعتقوها فيباع منها في كل يوم عدد كثير جدا ويباع العصفور منها بفلس ويخدع الصبي بأنه يسبح فمن أعتقه دخل الجنة ولكل واحد حينئذ رغبة في فعل الخير، وكان يوجد في كل وقت بهذه الحوانيت من الأقفاص التي بها هذه العصافير آلاف) يعد أحمد بن علي المقريزي (توفي سنة 845 هجرية) من أهم المؤرخين الذين أنجبتهم مصر المحروسة ويعتبر كتابه "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار "موسوعة في تاريخ مصر السياسي والاجتماعي والاقتصادي والجغرافي لقد قرأت هذا الكتاب مبكراً ودونت على غلافه الداخلي الفوائد التي استفدتها منه، فالمقريزي كريم في ذكر الفوائد في جميع كتبه مثل السلوك ودرر العقود وغيرها وقراءة كتبه متعة ذات خصوصية. لقد أرشدني قراءة الخطط إلى الحرص على باقي كتبه واقتنائها، وحقيقة أنا مهتم باقتناء كتب اثنين من نفس الفترة، وهما الخليل بن أيبك الصفدي والمقريزي حتى تملكت كل ماطبع لهما، ولكن يبقى المقريزي صاحب مذاق خاص عندي بسبب وعيه المبكر بحركة التاريخ وشروطه وربطه لأحداث التاريخ بأسبابها. أما الصفدي فهو جماع أكثر منه مؤرخ ويغلب عليه الأدب والشعر وله مكتبة حافلة نقل الكثير منها في كتابه الكبير الوافي بالوفيات وبعض هذه الكتب لم يصل لنا أو وصل لنا ناقصا.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
د.فوزية أبو خالد
أتذكر أن مجموعة من الشابات والشباب منا ومن سوانا في العالم العربي لما لم يجدوا ما يعبرون به عن احتجاج أرواحهم على إعلان أمريكا قرارها المنفرد الظالم بمحاربة العراق، واحتلاله أرضه، وتقتيل شعبه عام 2003، قرروا الصيام.
البعض صام أيامًا، والبعض صام أسابيع. ومع أن عملية صيام مواطنين عرب لم توقف العمليات الوحشية للحرب والاحتلال وسط صخب آلات الحرب العسكرية والإعلامية معًا مقابل الصمت العربي المرعوب من امتداداتها، إلا أنها عبّرت لأصحابها على الأقل عن أن باستطاعتهم اتخاذ موقف ضميري رافض للظلم والعدوان، وإن أمام أنفسهم.
فإذا استحال تعبير الاحتجاج الحر أمام الملأ لإحداث التأثير المنشود لتصحيح موقف حيف، أو الاعتراض على ظلم لإيقافه عن حده، فلا أقل ألا يفقد الإنسان إنسانيته واحترامه لنفسه كاملاً بمضيه في روتينه اليومي من أكل وشرب وتناسل دون رفة احتجاج ولو بالإنكار في القلب أو الدعاء على الظالم.
وذلك أنه إذا كانت الأفعال الشائنة تمثل انتهاكًا لإنسانية البشر فإن الصمت إزاء الأفعال البشعة، أو التردد في ردها، أو العمى عن نقدها ولو بتسجيل موقف احتجاجي عليها، يعتبر إهانة وتهديدًا مرعبًا لعمود أساسي من أعمدة الإنسانية، هو عمود الخلق القويم والفطرة السليمة.
وفي هذا السياق المتمرد على الانحناء لرياح الشر، مهما كانت محدودية مثل هذا التمرد، جاء وقتها بيان «ليس باسمنا»، الذي وقّعه عدد من الكتّاب والأكاديميين من الأمريكيين، منهم إدوارد سعيد ونعومي تشاومسكي؛ ليعلنوا تبرُّؤهم من تلك الحرب غير العادلة، وذلك كأضعف الإيمان، ما دام ليس باستطاعتهم التدخل لمنعها أو وقفها.
ومنذ ذلك التاريخ إلى اليوم لم يكف - مع الأسف - مسلسل سفك دماء مجتمعات عربية بأسرها وانتهاك جغرافيا وتاريخ عدد من ديار العرب ومدنهم العريقة في العراق واليمن وليبيا وبلاد الشام بأيدٍ أجنبية، وبمخالب الطغاة والخونة من أبناء الجوار ومن أبناء البلاد، وكأننا في ماراثون إجرامي مستدام لتركيع المكان، وخلع كلمة ضمير من قواميس الأبجدية في كل اللغات.
فليس إلا بقتل كلمات مرهفة، مثل الضمير والأمل والحرية والكرامة، يمكن أن تمر جريمة اغتيال الأوطان فيما تمضي وتيرة الحياة الروتينية في المحيط القريب والبعيد للحريق، لا يقطعها إضراب عن طعام، ولا امتناع عن شراب، ولا تمرد على سلطان النوم، ولا صلاة غائب، ولا دعاء قنوت، ولا مظاهرة احتجاج.
فبأي حبر نكتب اليوم اسم مدينة حلب التي استطاعت بدم نسائها ورجالها، بأرواح أطبائها (محمد وسيم معاذ، حاتم، صلاح، فاطمة، ليلى)، بدماء تلاميذها (تيسير وبشرى وفيحاء)، أن تخرجنا على غيلة الأخلاق، وترش قليلاً من ماء الحياء على وجه العالم؛ فتعيد شيئًا من إرادة الحياة للضمير الإنساني.
فما تلك المظاهرات التي خرجت في أوروبا أمام السفارة الروسية الوالغة مع إيران وطغمة بشار البعثية الحاكمة في دم الشعب السوري على أثر حريق مدينة حلب، المدينة التاريخية الصهباء النجلاء الشهباء، إلا احتجاج على محاولة قتل الضمير وإعدام كرامة الإنسان والأوطان. وما تلك اللافتات الحمراء التي رُفعت أمام البيت الأبيض بواشنطن، وتلك الصور المروعة التي احتلت الصفحات الأولى من الصحف العالمية، كصورة السيدة الحلبية السورية الموشحة بالدم وبتراب بيتها، التي جاءت على نصف صفحة النيويورك تايمز، والتي ضجت بها مواقع التواصل الاجتماعي العربي والعالمي، إلا صرخة احتجاج وإن خفتت أو علت على المحاولات الشرسة لكسر حوض مدينة حلب، ولقطع أعناق القيم والأخلاق. وفي سياق الاحتجاج السلمي نفسه على فداحة الحروب العدمية، لم تكن صلاة الغائب التي أُقيمت في الإسكندرية وعدد من المدن العربية على شهداء حلب مع ما لف الكرة الأرضية عبر الواتساب من دعاء للحلبيين ورسائل انتقاد لصمت العرب والعالم ومنظمات حقوق الإنسان إزاء تشتيت الشعوب واختطاف أوطانها إلا صورة شخصية لاحتجاج إنساني عام على محاولة قتل الضمائر وإعدام مواثيق الشرف محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا.
إن المبادرة وتأييد مواقف الاحتجاج السلمي ومواقف تطوير الحس النقدي السليم اليوم تجاه الأحداث التجريفية في المنطقة، مثل غيلة مدينة حلب ومثلها حصار مدينة تعز من قِبل الحوثيين ونهش مدينة مصراتة وتفتيت أربيل والموصل والرمادي وعين العرب وسواها من مدن السلام التي تحولت على أيدي الطغيان والعدوان ونيرونات الهيمنة إلى ما يشبه المقابر الجماعية، مواقف لا يجب التفريط ولا الاستهانة بها مهما بدت مثل هذه المواقف صغيرة أو طفولية أو حتى حالمة.
فهي في رمزيتها ليست إلا الشمعة التي لن يسمح التنازل عنها أو التقليل من شأنها أو السماح بإطفائها إلا الغرق النهائي في طوفان الظلم والظلام لا سمح الله.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
سمر المقرن
موجعًا للغاية، ذلك الإعلان الذي يتردد على القنوات التلفزيونية الإيرانية، والذي يحث الأطفال على الخروج إلى الحرب على جبهات القتال في سوريا. في ذلك الإعلان يخرج طفلان يحملان المايكروفون يغنيان قائلين: (لدي الحكم للدفاع عن حرم ملك النجف، بإيعاز من المرشد خامنئي أضع دومًا حياتي، هدفي ليس تحرير العراق وسوريا فحسب، بل هو الوصول إلى القدس عن طريق حلب) يتخلل هذا الإعلان مؤثرات مرئيّة لأطفال يرتدون ملابس الجيش ويتدربون في المعسكرات.
زج الأنظمة الإرهابية بالأطفال في أتون الحروب ليس بجديد، إنما الجديد هذه المرّة هو «بجاحة» النظام الإيراني في جعل هذه الدعوة مرئية عبر القنوات التلفزيونية واستخدام أطفال فيها لبث رسالة لا إنسانية ولا تمت إلى الأخلاق ولا الدين بصلة!
الكل يعلم أن ملالي إيران قد تورطوا في حرب سوريا، وخسائرهم فادحة، بعد أن عاد عساكر الحرس الثوري من سوريا بأكفانهم، لم يعد لديهم سوى الأطفال ولم يتبقَ لديهم سوى هذه الأسلحة الرخيصة وهي الأطفال الإيرانيين والأفغان، بعد أن تكاتفت المليشيات الأفغانية مع الحرس الثوري الإيراني مقابل ثمن مادي رخيص!
تحدث المجتمع الحقوقي الدولي كثيراً عن حقوق الأطفال في الحروب، وحاجاتهم للرعاية والعلاج والتعليم وحمايتهم من مخاطر الحروب والإصابات وانفصالهم عن أهاليهم وغيرها، لكن المُلاحظ أن هناك صمتا مطبقا على توريط الأطفال داخل هذه الحروب وجعلهم وقودا لمعارك لا يعيها استيعابهم الصغير.
هذه المشاهد المؤلمة في توريط الأطفال داخل ساحات الحروب، تطرح كثيراً من الأسئلة على الجهات المعنية الراعية للقوانين الدولية الإنسانية مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر وغيرها: أين هي الجهود التي سمعنا أنه يتم العمل عليها منذ سنوات لحماية الأطفال من التجنيد والمشاركة في الحروب؟ وأين قوانين حماية الأطفال في الحروب التي وضعتموها وتلزمون بها الدول والجماعات المسلحة غير الحكومية؟ ما هي الجهود التي وقفتم عليها لحماية أطفال إيران وأفغانسان من التورط بهذه الحرب القذرة؟ ما الذي فعلتموه بعد مشاهدتكم تشييع أكثر من عشرين طفلاً أفغانيًا قُتلوا قبل أيام في سوريا؟
قائمة الأسئلة تطول لكنني على ثقة بأن لا إجابات منطقية سأجدها، ولا أفعال حقيقية ستوقف هذه الجرائم البشعة في حق أطفال الحروب.
الكلام سهل، وإظهار بيانات (القلق) والاستنكار أسهل، إنما الخطوات المُتحركة تجاه إيقاف هذه الجرائم هي الأصعب، بل إن النظام الإيراني يتجّح في إعلاناته التلفزيونية لأن من أمن العقوبة أساء الأدب، ولو لم يعلم أنه لا عقوبات ستطوله على هذه الجريمة النكراء لما أقدم عليها في وضح النهار!
ما زال النظام الإيراني يتمادى في جرائمه بحق شعبه، وبحق الشعوب العربية، ويريد من خلال الإعلان أن يوهم الأطفال بالذهاب إلى القدس، أي قدس يتحدثون عنه وهم من يحاول إفساد وتخريب مراسم الحج في مكة المكرمة؟ أي قدسية لبيوت الله يتحدث عنها هذه النظام وجرائمه في مكة لا تُعد ولا تحصى؟
إن كان المجتمع الدولي قد التزم الصمت حيال كل جرائم هذا النظام، فإن جريمته بحق الأطفال من المهم أن يكون تجاهها ردة فعل على الأقل تُشعرنا بأن هناك مجتمعا دوليا قادرا على إيقاف ولو -بعضٍ- من الجرائم!
- Details