قضايا وأراء
- التفاصيل
- قضايا وأراء
إن إعادة ربط المصالح بشكل أقوى بعيدا عن النفط - الذي لم يعد يعني الكثير للأميركيين- هي مفتاح مستقبل العلاقات السعودية - الأميركية
قبل تلك الليلة بسبعة أشهر خرج المُضيف بإعلان ربما كان مفاجئا بيد أنه بدون شك مبني على قاعدة فلسفية واستراتيجية صلبة، عدة كلمات في جملة واحدة "الدفاع عن العربية السعودية هو دفاع عن الولايات المتحدة الأميركية".
يجلس الضيف وفي مخيلته فرضيات مضطربة؛ فما عسى فخامة الرئيس الأميركي قائلا على مائدة العشاء بعد ذلك الإعلان الذي أوجز أهمية الدولة السعودية للولايات المتحدة الأميركية؟
ولم يطل به الانتظار حتى بدأ الرئيس يلقي كلمة ترحيبية بسموه، قال في مطلعها بعد الترحيب "هناك عدد قليل جدا من الأميركيين في الجزيرة العربية، وهناك عدد قليل جدا من عرب الجزيرة في أميركا. وبالتالي فإن معرفة بعضنا لبعض بشكل أكبر في قادم الأيام، لن يؤدي فقط إلى صداقة دبلوماسية، ولكنه سوف يصل بنا إلى صداقة شخصية".
كل ذلك والأمير الشاب منصت لهذا الكرم في المشاعر، ليزيد المضيف "لدينا الكثير من القواسم المشتركة، فكلانا يحب الحرية، كلتا الدولتين. وليس هناك من سبب يحول بين أميركا والسعودية وبين الحفاظ على الحرية.. وهناك الكثير لنتعلمه من بعضنا البعض. ولذلك آمل أن نكون قادرين في الأيام القادمة على مناقشة علاقاتنا ومصالحنا كأصدقاء".
استعرض الرئيس بعض معلوماته عن المملكة العربية السعودية، مرسلا رسائل تطمين إلى الأمير السعودي ومن خلاله إلى والده، ملامسا قلقا كبيرا عند الملك من هيمنة الدول العظمى على الدول الناشئة والصغيرة فهو مازال يعيش بعض مراحل الاحتلال البريطاني والفرنسي لعدد من الدول العربية ولا يريد لدولته الناشئة أن تقع فريسة أو تحت وصاية أية دولة عظمى بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية. استطرد الرئيس الأميركي "السعودية هي أرض الموارد الطبيعية الضخمة السطحية أو تلك الموجودة تحت سطح الأرض.
وأريد أن أؤكد لكم صاحب السمو الملكي أن الولايات المتحدة ليست الأمة التي تسعى إلى استغلال أي أمة أخرى، بغض النظر عن حجمها".
هذه المقدمة التي تمزج بين المشاعر الدافئة في أواخر أيام الصيف وبين الرؤية البعيدة لمستقبل العلاقات الأميركية - السعودية كانت مدفوعة بما تواتر لدى الرئيس من معلومات عن الملك الوالد ولذلك فقد أسهب الرئيس روزفلت في استعراض معلوماته أمام الحضور وواصل كلمته "أعتقد أننا جميعا نعرف أن الملك (عبدالعزيز) هو شخص رائع جدا. كنت أقرأ بعد ظهر هذا اليوم مطبوعة مقتضبة، وكان كل شيء فيها عن الملك عبدالعزيز. وكانت هناك فقرة صغيرة واحدة في نهاية المادة أعجبتني كثيرا لأنها تنسجم مع فلسفتي الخاصة.. إن ما يميز ابن سعود هو إيمانه بأن الصواب هو الذي ينتصر في نهاية المطاف (ما يصح إلا الصحيح)، وهو مؤمن أن الله الذي اغدق المطر على الجزيرة العربية في العصور القديمة هو الذي وهب بلاده النفط.. ابن سعود لا يتطلع فقط إلى نجاح بلاده وتقدمها وإنما يأمل في الخير والازدهار لبقية دول العالم.. وفلسفته هذه (في حب الخير لنفسه وللآخرين) ليست فلسفة عربية فحسب وإنما أميركية أيضا.. ولذلك فإن العمل معا سيمكننا من الإسهام بجهدنا نحو عالم أكثر إشراقا، وعالم أكثر صدقا، في السنوات القادمة".
الأمير فيصل بن عبدالعزيز، وزير الخارجية السعودي، (رحمه الله) الذي يزور آنذاك أميركا - وهو في السابعة والثلاثين من عمره- نيابة عن والده استذكر هذه المناسبة وتلك الكلمات بعد عشرين عاما وهو يستقبل السفير الأميركي عام 1963م، وحينها أفصح للسفير الأميركي أن تلك المناسبة تركت في نفسه شخصيا وفي سياسات المملكة وعلاقتها مع أميركا أثرا بالغا تحول إلى علاقات ثقة متبادلة وصداقة دبلوماسية وشخصية بين البلدين.
الأميركيون يعرفون أكثر من غيرهم بأن الصداقة لا تعني التخلي عن الثوابت، ولذلك فقد اصطف الملك فيصل إلى جانب العرب في حرب رمضان عام 1973م، ولكنه بعد أن أسهم في تحقيق النصر استقبل الأميركيين ورمم معهم العلاقة وأعطيت دفعة جديدة لعقود قادمة.
زيارة الملك فيصل لأميركا في سبتمبر 1943م، ثم لقاء الملك عبدالعزيز بالرئيس روزفلت عام 1945م، شكلت حدثين مهمين في تاريخ علاقة متينة تجاوزت السبعين عاما. هذه العلاقة أصيبت في مقتل مع مطلع القرن الحادي والعشرين، فكان لقاء الملك عبدالله والرئيس بوش الابن في أبريل عام 2005م والذي أسفر عن بيان مشترك أكد فيه الأميركيون مكانة المملكة وخصوصيتها باعتبارها مهد الإسلام وبلد المقدسات الإسلامية وأن أميركا لن تتدخل في الشأن السعودي، هذه القمة كانت أيضا حدثا تاريخيا مهما تطلعت من خلاله الدولتان إلى ستين عاما قادمة من العلاقات الوثيقة والاحترام المتبادل.
زيارة سمو الأمير محمد بن سلمان الحالية لأميركا لا تقل أهمية وحساسية عن زيارة الملك فيصل، أو زيارة الملك عبدالله لأميركا، فهي تأتي في وقت حرج ليس للدولتين وإنما للعالم. فالأمير الذي يحمل بيده اليمنى ملف التحديث والرؤية السعودية والطموح والتطلع للمستقبل، يحمل بيده اليسرى وضعا إقليميا مأساويا يتطلب تعاون البلدين في السيطرة عليه وإعادة توجيه المنطقة نحو الاستقرار والنماء. إنه ببساطة يذكر الأميركيين بوعودهم في تحقيق الخير ليس للبلدين فحسب وإنما للعالم أيضا.
الرئيس روزفلت كان ديمقراطيا، والرئيس بوش جمهوريا، والرئيس أوباما ديمقراطيا فهل التاريخ يضع مرة أخرى مستقبل المنطقة بين يدي الديمقراطيين وهل يستطيع الرئيس أوباما أن يكرر سلفه روزفلت؟ وهل استدعاء الماضي يمكن أن يسهم في تجاوز العلاقات السعودية - الأميركية حالة الفتور والتردد الذي تعيشه، أم أن شروط الحاضر وتعقيداته تتطلب أكثر من التاريخ والمبادئ لتسمح بتحول إيجابي سريع في العلاقات؟
أعتقد أن زيارة الأمير محمد بن سلمان لأميركا قد جمعت الماضي بما فيه من ثوابت، وقدمت مبادرات ذات أبعاد مصلحية تهم البلدين، وبذلك فإن إعادة ربط المصالح بشكل أقوى بعيدا عن النفط - الذي لم يعد يعني الكثير للأميركيين- هو مفتاح مستقبل العلاقات السعودية - الأميركية.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
•• يعيش الإنسان هذه الأيام حالة نفسية صعبة بعد تكرار حوادث المطارات العالمية.. وسقوط العديد من الطائرات.. وتزايد عدد الضحايا المأسوف على حياتهم..
•• هذه الحالة تضعه امام خيارات صعبة.. بين ان يقرر التوقف عن السفر إلا لضرورات قصوى.. وبين التحدي للأسباب التي صنعتها المنظمات الإرهابية وأرادت بها الوصول بالإنسان إلى هذه النتيجة..
•• ذلك أن التوقف عن الحركة والسفر هدف من أهداف تلك المنظمات الإرهابية.. حين تضرب اقتصادات الدول في العمق.. وتتوقف حركة السفر والسياحة بين البلدان.. وبالتالي فان الاتكال على الله والايمان بان الاقدار بيده سبحانه وتعالى.. وممارسة الحياة الطبيعية والحد من موجة الخوف التي احدثتها تلك الحوادث المفزعة.. وعدم التوقف عن برامج السفر والانتقال مع اتخاذ وسائل الحيطة والحذر بقدر الإمكان.. هي القرار الصحيح الذي نتخذه.
•• لكن ذلك لا يمنع من القول مجدداً إن الارتفاع بمستوى اجراءات السلامة في المطارات ومحطات القطار والمترو وخطوط السير البرية العادية.. فضلاً عن أن الارتقاء بمستوى صيانة الطائرات ورقابة مراحل إعدادها وتجهيزها مطلوب وبقوة.. والله هو الحافظ والأمين..
•• سعدت بزيارة شخصية لرئيس مجلس ادارة جمعية الوداد الخيرية.. وهي الجمعية الفريدة في المملكة للعناية بالأطفال غير معروفي الأبوين.. وذلك بعد مقالي الذي نشرته عن الجمعية في هذه الجريدة بتاريخ 10 رجب 1437هـ.
•• وفي هذه الزيارة.. أكد لي المهندس حسين سعيد بحري.. أن وزارة الشؤون الاجتماعية (قبل دمج العمل فيها) ووزيرها والعاملين فيها يدعمون الجمعية مادياً ومعنوياً.. وان هناك توجهاً لتوقيع شراكة أفضل بينهم وبين الوزارة تؤدي إلى تغطية الجمعية بأنشطتها كافة أرجاء المملكة بدعم ومؤازرة من قبل الوزارة..
•• ليس هذا فحسب.. بل إن المهندس حسين أبلغني أيضاً بأن الجمعية تلقى تفاعلاً مشجعاً من رجال الأعمال والشركات ما مكنها من تحقيق الكثير من برامجها النوعية.. فضلاً عن مؤشرات ايجابية لارتفاع وعي المجتمع نحو هذا النوع من الرعاية لاحتضان الأطفال مجهولي الأبوين حتى إنه أصبح لدى الجمعية قوائم انتظار بطلبات الراغبين في احتضان هذا النوع من الأطفال بالرضاعة.. وبما يساعد الجمعية على أن تحل في المستقبل محل الدور الإيوائية الحالية للأيتام.. وذلك أمر طيب ومفرح.. وبالذات بالنسبة لنظرة المجتمع تجاه هؤلاء المواليد وتفهمه بصورة أفضل لحاجتهم إلى أعلى مستويات الرعاية والتعويض الإنساني والاجتماعي والنفسي وهي حالة تؤكد نضج مجتمعنا.. وتطور إدراكه.. نحو هذا النوع من الأنشطة المحفوفة بالأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى.. بإذنه وحوله وقوته..
•• ينبغي علينا بعد الثناء المستحق للجمعية.. ان نتطلع إلى دور أكبر في المستقبل لوزارة العمل والتنمية الاجتماعية في مواصلة وتعزيز ودعم جهود هذه الجمعية وأمثالها وفتح المزيد من آفاق العمل والاندماج في المجتمع لهذه الفئة من المواليد..
◘ ضمير مستتر :
•• ليس من العدل أن نعاقب الإنسان على خطيئة لا ذنب له فيها.. بدل أن نحتضنه.. ونرعاه.. ونفتح له أبواب الاأمل والحياة الرحبة..
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
لعل أكبر خديعة انطلت على كثير من المفكرين والمثقفين العرب هي ظاهرة إعلان البراءة مما يعرف في الأدبيات باسم "نظرية المؤامرة". بل لقد تجاوزوا ذلك إلى وصم كل من يدلّل عليها بأنه إما ساذج أو غير منطقي. وحين تسمع مرافعات هؤلاء "الإنكاريين" العرب تجد أن لكل متآمر عندهم مبررات وحين تسأل أليست هذه أدلّة تكشف تشابك خيوط المؤامرة لا يجيبونك.
يقول التاريخ إن أضخم المؤامرات على هذا الجزء من العالم كانت تتوالى بشكل خاص مع نهايات القرن التاسع عشر ومنها ما دخل حيّز التنفيذ آنذاك (تفكيك الدولة العثمانية) ومنها ما كان يُعد ثمرة للمؤامرات الأخرى مثل خطط الحركة الصهيونية. هذه الحركة التي بدأت بشكل واضح بعد أن جمع اليهودي المجري "بنيامين زئيف هرتسل" في المؤتمر الصهيوني الأول بمدينة بازل السويسرية عام 1897 مئتين وثمانية من كبار اليهود القادمين من ست عشرة دولة. كان الهدف الأساس في ذلك المؤتمر هو حبك مؤامرة إقامة وطن لليهود في فلسطين تحت الحماية الدولية.
والعجيب أن كل كارثة حلّت بالعالم منذ بزوغ فجر القرن العشرين تخلّف خرابا ومأساة عند كل أمّة أما ثمارها اليانعة فتجنيها الحركة الصهيونية وأبناؤها. على سبيل المثال انتهت الحرب الغربية الأولى سنة 1917 بما يزيد عن 20 مليون قتيل ودول متصارعة وخلافة عثمانية تترنّح في حين فاز الصهاينة سنتها بإعلان "بلفور" المشؤوم الذي وعدهم بتسهيل إقامة دولة صهيونية في فلسطين. وفي هذا الخصوص يورد كتاب تاريخ الشعب اليهودي المقرر على ثانويات مدارس فلسطين المحتلة ما نصّه "عيّنت بريطانيا (1920) في فلسطين مندوبها السامي "هربت صموئيل" وهو صهيوني متعاطف للغاية مع الطموحات والأماني اليهودية". وهكذا تم التمهيد للكيان الغاصب بدون مؤامرات! ولم تكد تنتهي الحرب الغربية الثانية سنة 1945 حتى كان الكيان الصهيوني قائما على ثلث فلسطين ثم كان إعلان قيام دولة إسرائيل (1948) ليتسابق الروس والأميركيون والأوربيون للاعتراف بالدولة الغاصبة وتمكينها.
وماذا يمكن أن نسمي اتفاقية 1916 السريّة التي عُرفت بمسمى سايكس بيكو والتي (تآمرت) فيها فرنسا وبريطانيا وروسيا على تقسيم وتقاسم بلاد الشام والعراق والخليج العربي. وكيف نفهم تحوّل مشروع "الدولة العربية" التي دعمت القوى الغربيّة آنذاك فكرة إنشائها إلى كيان إداري باسم جامعة الدول العربية في نفس عام انتصار الكبار في الحرب الغربية الثانية سنة 1945م. ربما هذه ليست مؤامرة أيضا وينسحب الحال على (من وراء) عشرات الانقلابات العسكرية الدموية في أكثر من بلد عربي خاصة في سورية والعراق. ومع أن المذكرات والوثائق التي ظهرت تكشف عن دور أميركي وبريطاني في معظمها إلا أنها بحسب (الاعتذارين) ليست مؤامرات. وهل ما تكشّف من أوراق الخريف العربي يمكن أن يدخل في ملفات المؤامرة أم هو التخطيط الباهر للشباب العربي.
وأخيراً كيف نشأ تنظيم "داعش" لغزا، وكيف سُلّمت "بغداد" مفكّكة للملالي وهم محور الشر عند الشيطان الأكبر!. وحتى تكون مفكّراً فذّاً فلا تصدّق من يقول إن إيران ليست وحدها من يحرّك العرائس والبهلوانات والدمى في الضاحية وصعدة ودمشق لأن ما خفي وسيظهر أعظم!؟
قال ومضى:
لم يعد مهمّاً أن (تتلكأ في الجواب) فأنا (فقدتُ سمعي) من ضجيج الأسئلة.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
عبدالعزيز السماري
من أهم العوامل التي تقود إلى التشكيك في الأنظمة المعلنة، الاكتشاف لاحقاً بأن قواعدها تخترقها الاستثناءات الخاصة، وأن لها تطبيقات يحكمها الميول وتديرها العاطفة، وعادة إذا كان هناك تجاوزات في الاستثناءات في الأنظمة السابقة، فإن الإيمان بالأنظمة الجديدة يصبح مثاراً للشك، ومجالاً خصباً للتندر والظرف، وهذا ما يعتبره البعض دافعاً وتهديداً للتشكيك في المشروع الأخلاقي برمته.
على سبيل المثال تم الإعلان عن تطبيق نظام لمكافحة الفساد في السابق، ثم اكتشف المجتمع بعد سنوات أن قاعدته كانت الاستثناءات، وأن تطبيقاته كانت خاصة، وتم تعطيل قدراته العامة بقانون الاستثناءات الأقوى، وكان مصيره في نهاية الأمر أن أصابه داء الهزال ثم تعطل، لكنه مع ذلك بقي في ذاكرة الإنسان العادي، وعادة ما تكون لفشله آثار خطيرة، من أهمها التشكيك في تطبيقات الأنظمة الجديدة، بسبب ضعفها أمام قانون الاستثناءات.
لفت نظري قبل سنوات جملة عابرة لأحد المفتين، وذلك عندما ذكر أنه يقدم فتاوى خاصة لبعض الشخصيات المختلفة، وأنه عادة يشير إليهم بعدم نشر الفتوى لأنها خاصة، ولا تصلح أن يطلع عليها العوام في المجتمع، وقد عُرف عن هذا النظام الأخلاقي العجيب، بالتحوط، وقد كان المنهج يؤمن بتوسيع دائرة الحرام على العوام، عبر بناء حائط يتداخل كثيراً في منطقة المباح، وهو ما يمنحهم سيطرة أكثر، وسعة أكبر لتصدير الفتاوى الخاصة جداً لمن هم خارج تلك الدائرة.
صدر مؤخراً نظام رسوم الأراضي البيضاء، وكان هدفه المعلن إنهاء احتكار الأراضي، وذلك برفع التكلفة على الذين يملكون أراضي بيضاء شاسعة، وبذلك يضطرون لتطويرها ثم بيعها، وتكون النتيجة توفير مزيد من الأراضي في السوق، وبالتالي يسهل على البعض شراء أرض لبناء منزله الخاص، لكن مع ذلك يتوجس الكثير من حقيقة تطبيق النظام الجديد، فالتطبيق إذا لم يشمل الجميع بدون استثناء، سينهار مثلما تداعى قبله نظام مكافحة الفساد.
ولهذا يتبادر السؤال الأهم عن كيفية التعامل مع خطر انهيار المنظومة الأخلاقية في المجتمع، وهل ندرك خطورة ذلك؟، وربما شهدنا كثيراً في العقود السابقة انهيارات وتصدعا متواليا في جدار التحوط الديني الشهير، وكيف تداعى بسبب نظام الاستثناءات الخطير، وكيف بمرور الزمن تحولت المحرمات القطعية قبل جدار التحوط إلى حلال بين، وكان لزيادة درجات الوعي دور كبير في ذلك.
قبل الإجابة عن السؤال علينا أولاً أن نرى الصورة الكبرى، وأن ندرك أن الاستثناءات غير المبررة نظامياً وبشكل معلن وواضح وصريح، تكون بمثابة الحكم الصادر بقرب فشل النظام الجديد على المستوى القريب، وعلى المستوى الأبعد تكون بمثابة الانهيار الأولي لتلك المنظومة الأخلاقية، ولهذا يحتاج المجتمع في هذا العصر إلى كثير من الشفافية في هذا الشأن، وذلك من أجل رأب تصدع الأخلاق في المجتمع، وإعادة الثقة إليها قبل فوات الأوان.
عندما يتم إصدار أنظمة لمحاربة الفساد، أو لمنع احتكار الأراضي، أو لرفع أسعار الخدمات، فإنه يجب وجوباً لا رجعة عنه أن يصاحبها قدر كبير من الشفافية، وذلك بإصدار التفاصيل في تطبيقات النظام، وبفتح الباب أمام المختصين للاطلاع على الأنظمة، وكيف تُطبق على الجميع بدون استثناء، ولو كان هناك استثناءات إنسانية لوجب توضيحها نظامياً، ولو حدث ذلك لأعدنا كثيراً من الاحترام لمنظومتنا الأخلاقية، ولربما أوقفنا انهيارها في المستقبل، والله ولي التوفيق.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
د.عبد الرحمن الحبيب
صدرت، مؤخراً، موافقة مجلس الوزراء على تنظيم مركز دعم اتخاذ القرار.. المسألة ليست دعماً دعائياً للقرار الصادر لأن كلمة «اتخاذ» تعني بالأساس ما قبل صدور القرار.. فماذا يعني ذلك؟ وما المتوقع منه؟.. قبل الإجابة علينا المرور على أصل الفكرة وتجارب الدول.
أصل الفكرة هي حاجة القيادي إلى معرفة مدى توافق قراراته الكبرى مع الرأي العام من ناحية تفهمه وفهمه لها، وكيف يتأكد القيادي قبل اتخاذه القرار أنه صائب أو مناسب؟ الإجابة، منذ القدم، بالحدس والحنكة ومشورة الحكماء والخبراء.. لكن المعنى الحديث أخذ منهج علمي من الناحية السياقية (تحليل البيانات والمعلومات) والنفسية (الفردية والجماعية)، للوصول إلى أفضل خيار ممكن.
خلال القرن الماضي، حاول علماء النفس والاجتماع والأحياء، كشف أسرار التعاون الفعال بين القيادة والجمهور من أجل قرارات فعالة؛ ولعل أهمها ما أثارته حملة الحكومة الأمريكية أثناء أزمة اللحوم خلال الحرب العالمية الثانية لتعزيز استهلاك الأجزاء الحشوية (كالكرش والمصارين والكلي والكبد) التي كان استهلاكهاً مرفوضاً اجتماعياً.. جُند للمساعدة، عالم النفس كورت ليوين الذي اكتشف بتجاربه الميدانية أن الناس أكثر عرضة لتغيير عاداتهم إذا طرحوا أفكارهم في الموضوع علانية مع الآخرين مما لو أنهم ببساطة استمعوا لمحاضرات إرشادية. ليوين وضع «نظرية المجال» التي لا تزال تطبق، لكشف أنماط التفاعل بين الفرد وبيئته، وسبر أغوار القوى المؤثرة أثناء التحول.. وخلاصتها أن تطبيق القرارات يتأثر بالسياق الاجتماعي وأنه حتى أعضاء المجموعات المختلفة جداً في وجهات النظر سوف يعملون معاً لتحقيق هدف توافقي مشترك إذا تقابلوا لطرح أفكارهم.
على مدى العقود اللاحقة، تطورت المعرفة سريعاً لكشف وسائل وآليات دعم صنع القرار، وظهر مصطلح «التفكير الجماعي» الذي صاغه ايرفينغ جانيس عام 1972 لوصف طريقة التفكير التي يدخل بها الناس للوصول لقرار يتجاوز دوافعهم الفردية أو الفئوية إلى اتفاق عام واقعي كأفضل الخيارات المتاحة. منذ ذلك الوقت عرفت الدول مراكز دعم اتخاذ القرار، بداية من أمريكا على المستوى العالمي.. وعلى المستوى الإقليمي أشهرها في مصر (1985م) والإمارات العربية المتحدة (1988م).. وعلى المستوى المحلي يمكن اعتبار هيئة الخبراء بمجلس الوزراء السعودي (1994م) أحد دعائم ما قبل اتخاذ القرار.
قبل اتخاذ القرار هناك مطبخ أو مصنع لإصداره.. فقد يأتي وفقاً لرؤية القيادي نفسه مع مستشاريه أو بعد تقارير من مؤسسات متخصصة.. قد يكون قراراً منفرداً أو متسقاً مع قرارات أخرى عبر استراتيجية.. قد تكون القرارت ارتجالية أو مؤسسية.. سريعة أو متأنية حسب الحاجة وطبيعة المواضيع وحسب نوعية مؤسسات الدولة وثقافة المجتمع.
في السعودية اعتدنا داخل الوزارات والمؤسسات الكبرى، قبل برنامج التحول الوطني ورؤية المملكة 2030، على صدور قرارات وفق منهجية ما يمكن تسميته التعاميم المنفردة، مثل أن يصدر الوزير قراراً لحالة معينة وفقاً لظرفها دون ربطها منهجياً مع قرارات سابقة أو الخطة الخمسية رغم أنها قد تتناغم معها نسبياً ولكن ليس في إطار محدد ضمن خطة عامة.
مع تطور الثقافة الاجتماعية للإدارة وصدور رؤية المملكة 2030 وبرنامج التحول الوطني، وما لحقها من تنظيمات لدعمه وضبطه مثل نظام الحوكمة.. أتى قرار مجلس الوزراء في وقته المناسب بالموافقة على تنظيم مركز دعم اتخاذ القرار.. وخلاصته أنه يهدف لدعم اتخاذ القرار وكفاءته من خلال آليات تكفل صنع واتخاذ القرار المناسب وتطبيقه، ورصد وتحليل الأوضاع وإعداد الدراسات وجمع البيانات والمعلومات وتوفيرها للقيادات، والإسهام في تثقيف وتوعية الرأي العام حول القرارات والقضايا المثارة. يتم ذلك من خلال بناء شراكات مع الأجهزة الحكومية والقطاع الخاص.. واستطلاع اتجاهات الرأي العام تجاه القضايا والقرارات قبل وبعد صدورها، وإيجاد قنوات اتصال مع الرأي العام.. والتعاون مع مراكز البحوث وإنشاء قواعد بيانات.
ما هو المتوقع من المركز؟.. أولاً المركز يأتي لتأكيد الإطار المؤسسي للخطة الوطنية وللمساهمة في تحقيقها، ومساندة صاحب القرار أو فريق صنع القرار قبل اتخاذه لمشاركة أفضل للرأي العام، وبعد اتخاذه للمساهمة في دعم القرارات أو مراجعتها وتنقيحها أو استبدالها بخيارات أخرى. عبر تسهيل قنوات الاتصال مع الرأي العام.. وللمركز مميزات أخرى مثل زيادة الرقابة التنظيمية لمتخذ القرار، التعجيل في حل المشكلات، اكتشاف أساليب جديدة للتفكير وفتح فضاء أوسع لحل المشاكل.
أهم التحديات التي تواجه المركز هي فهم توجهات الرأي العام قبل اتخاذ القرار، وفهم ردود الفعل بعده.. وإيجاد الوسائل المناسبة لتوعية الرأي العام حول القرارات المتخذة والموضوعات المطروحة والقضايا المثارة. فأحد أكبر القضايا التي تواجه برنامج التحول الوطني هي فهم الموظفين الذين سيطبقونها والجمهور الذي سيتعامل معها، فهناك قرارات جديدة تتوالى قد لا يستوعبها الموظفون والجمهور.
من المنتظر كذلك أن يحدد المركز القضايا ذات الأولوية وفقاً للجمهور وللحقائق على أرض الواقع، وليس فقط آراء الخبراء والمستشارين الذي قد يعيش بعضهم في برج عال. كما أن قدرة المركز على بناء شراكات مع مؤسسات في القطاع الخاص فضلاً عن مؤسسات حكومية سيكون أحد التحديات التي تنتظر المركز.
- التفاصيل