قضايا وأراء
- التفاصيل
- قضايا وأراء
تعددت أسباب تفسير قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سحب الجزء الأكبر من قواته في سورية، بعد حوالي ستة أشهر من القتال بجانب النظام، ومزيد من الدمار والقتل والحصار لما تبقى من الشعب السوري هناك، حيث كان القرار مفاجئاً في توقيته قبل بدء مفاوضات (جنيف 3)، ولكنه متوقع في تطورات أحداثه، ومتفق عليه مع أميركا.
أسباب الانسحاب تباينت بين تخوف روسي من تصعيد عسكري في أوكرانيا، وتمدد الجماعات الإرهابية في آسيا الوسطى، متزامناً مع تردي الوضع الاقتصادي الروسي واستنزاف جزء كبير من ميزانيته على الحرب في سورية، إلى جانب تصاعد الخلاف السياسي بين روسيا وإيران مؤخراً حول عمليات التنسيق وتنفيذ الأولويات على الأرض بين مهمات عسكرية روسية وأجندات طائفية إيرانية، وهو ما جعل الروس يصلون إلى قناعة متأخرة من أن مستقبل الأسد هو الرحيل عاجلاً أم آجلاً، وبالتالي لا يمكن المضي في الوحل أو المستنقع مع رجل خاسر تلتف حوله عمائم الولي الفقيه؛ للبحث عن مصالحها الفئوية والطائفية على حساب الشعب السوري، وهناك مَنْ برّر الانسحاب الروسي بفسح المجال أمام قوات التحالف الإسلامي للدخول إلى سورية (الخطة ب) في حال فشلت المفاوضات السياسية في جنيف، خاصة أن المدة الزمنية بين تمرين «رعد الشمال» والقرار الروسي أيام معدودة، وهذا يبقى احتمالاً وله حساباته وتداعياته على المنطقة.
ومهما تعددت أسباب الانسحاب إلا أن الروس باقون في «قاعدة حميميم» والقاعدة البحرية في طرطوس وسيواصلون قصف أهداف عسكرية محددة، كما أن خارطة التقسيم مازالت الورقة المتبقية في يد الأميركان وربما تكون حلاً متفقاً عليه مع الروس في إحدى مراحل الأزمة، أما المجرم بشار الأسد سيحسم أمره تحت الطاولة وليس على «طاولة جنيف»، والجماعات المسلحة -التي تصل إلى 1200 جماعة في سورية- سوف تصل إلى خط النهاية وتفرز ذاتها بنفسها، إما قوى معارضة تلتحق بالجيش الحر في مهمة المواجهة والتطهير، أو تصطف مع قوى إرهاب «داعش» و»النصرة» وتلقى مصيرها المحتوم.
الوضع السوري لن ينتهي بمجرد إعلان روسيا الانسحاب، ولكنه بداية رفع اليد عن النظام ليواجه مصيره، إما الالتزام ببنود المرحلة الانتقالية وسيناريو الخروج وتسليم السلطة، أو المواجهة العسكرية الحاسمة لإنهاء الأزمة، وهذه إشارة مهمة تجاه ضرورة الحل السياسي في هذا التوقيت وتوحيد صفوف المعارضة، رغم العقبات الكبيرة في الوصول إلى ذلك من قبل النظام وأتباعه، حيث لا يزال هناك أمل في إطالة أمد الأزمة أكثر من ذلك، ومنح إيران و»حزب الله» فرصة لتحقيق مشروعهما على الأرض واستنساخ عراق جديدة في سورية، وحشد طائفي في مناطق النفوذ.
سورية بعد الانسحاب الروسي ستشهد توازناً في القوى على الأرض، وستميل حتماً لصالح المعارضة إذا هي توحدت، ومضت في مشروع الوحدة والمصير، وستعود إيران وحزبها الإرهابي إلى جحر الذل والإذعان، وتخرج «داعش» من المشهد تدريجياً بعد أن انتهى دورها في تشويه صورة الإسلام السني، وخلط الأوراق، ونشر الفوضى، والطائفية، والإرهاب، كما أن المبالغة في أهمية وتوقيت الانسحاب الروسي لا تعني أن المهمة أصبحت سهلة ومتاحة، بل على العكس ما هو قادم أصعب، وأكثر سخونة في المواجهة؛ لأن النهاية ستكون سورية المستقبل.. بلا بشار ولا وصاية الولي الفقيه.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
سعد الدوسري
أحياناً تكون هناك لفتة عفوية بسيطة، أبلغ من مشاريع ضخمة ومكلفة. ودوماً البساطة محببة لدى الجميع، ولا يمكن أن ينتقدها أحد، في حين أن التكلف غير مستحسن من قبل الغالبية العظمى من الناس. ويحاول البعض أن يتكلّفوا البساطة، لكنها تخذل كل من يصعد على أكتافها، فهي اسم على مسماها، ولا تظهر إلا على من تأتي من داخله.
لقد أحسست وأنا أشاهد وزير الشؤون الاجتماعية الدكتور ماجد القصبي، أثناء تدشين مبادرة لذوي الاحتياجات الخاصة، وهو يجلس على كرسي متحرك، بأنني أمام لفتة إنسانية رائعة، تدخل في سياق العفوية البسيطة، لولا أن الدكتور ماجد نسي ربما أن يخلع البشت، الذي لا شك قلل من عفوية وتلقائية لفتته الجميلة.
وزارة الشؤون الاجتماعية من المؤسسات الحكومية ذات العلاقة مع ذوي الاحتياجات الخاصة، جسدياً أو مالياً، وهؤلاء لا يفترض أن نتواجد بينهم بملامح تفصلنا عنهم وتخلق حواجز بيننا وبينهم. ولو تابعنا الوزراء الذين يشغلون مناصب مماثلة في دول أخرى، لوجدناهم يراعون هذه النقطة مراعاة شديدة، خاصة أثناء تواجدهم مع ذوي الاحتياجات الخاصة، وهذا لا يعني أن الدكتور القصبي لا يراعيها، لكنني أتحدث عن هذه اللقطة بالتحديد، التي امتدحتُ عفويتها وإنسانيتها، وافترضتُ حسن النية فيها، عندما ذكرتُ بأن الوزير نسى أن يتم جمالها.
في مناورات رعد الشمال، كان مشهد كل قيادات بلادنا، وهم لا يرتدون البشوت، مبهجاً؛ لقد أشعرونا أنهم من جنود المناورات، وهذا هو مغزى بحد ذاته.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
د. جاسر الحربش
لي صديق ودود يقول لي لا تكتب في السياسة، مقالاتك عموماً لا بأس بها ما عدا السياسية. من أسباب معانداته معي أنه مثالي في إِنسانيته، وأنا لي اشتراطاتي بالواقعية للالتزام بإِنسانيتي، بدون تفريط في واحدة على حساب الأخرى.
هذا الصديق المثالي لم يصدق إلا متأخراً وعن قناعة أن حزب الله اللبناني كذب علينا طويلاً وخان الأمانة لأمته وتاريخها إلى درجة الإيغال في العنصرية المذهبية والإجرام الدموي. مواصفات هذا الصديق الإِنسانية منعته من تصديق ما يرى ويسمع، إلى أن تكرر اعتراف الحزب بمرجعيته المذهبية والانتمائية الأجنبية وعندئذ تبرأ منه.
المعاندة الأخرى كونه لا يفرق بين مقال لتأكيد قناعتي الانتمائية لكل ما يخصني حضارياً كعربي بخيره وشره، فلا أقبل تقديم تنازلات طوعية مقابل معايرات انتهازية مختارة من الصفحات السوداء التي لا يخلو منها تاريخ أي أمة. العبرة عندي بعدد الصفحات السوداء مقابل البيضاء كتاريخ موثق ومتواتر في كل تواريخ الأمم، فإن عايرني أجنبي، مسلم أو غير مسلم، بما ينبشه على هواه من تاريخي فتحت له كتابه وأطلعته على آلاف الصفحات السوداء في تاريخ أمته. لذلك عندما ينصحني صديقي بتجنب الكتابة في السياسية أجيبه بأن ما أكتب ليس سياسة بمعنى الانتصار لحكومة ضد حكومة أو لمذهب ضد مذهب أو عرق ضد عرق. أكتب للتنوير الانتمائي الجامع، لوطن مقابل وطن ولدولة مقابل دولة وتاريخ مقابل تاريخ. لا يهمني رضى السياسة أو المذهب أو العرق، وإنما تهمني مناعة الوطن والكيان والتاريخ.
من هذا المنطلق لا أكتب هذه المرة أيضاً في السياسة ولو بدا المقال من عنوانه وكأنه سياسي. المقاصد في المقال هي ما قلته قبل قليل.
إنني أسأل، ماذا لو أن الرياض تقاعست مثل العواصم العربية الأخرى؟
منذ أن هدم الغزو الأمريكي - البريطاني البوابة العربية الشرقية تساقطت العواصم العربية واحدة بعد أخرى في حضن النظام الإيراني، بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء فقدت مؤقتاً هوياتها العربية. في بغداد تنمرت الميليشيات المذهبية وقتلت واغتصبت ودمرت، وفي دمشق تنمر الشبيحة ونفس الميليشيات الإيرانية العراقية مع مرتزقة مستأجرين من باكستان وأفغانستان، بالإضافة بالطبع إلى أتباع حزب الله من اللبنانيين. في بيروت دخل السياسيون الممثلون لطوائفهم في تبادل مصالح مع سيدهم الجديد كعادتهم عبر التاريخ، وبعضهم آثر السلامة والتزم الصمت. في اليمن انسلخت عصابة مذهبية عن المذهب الزيدي العربي وأصبحت فجأة إيرانية وليست عربية اثني عشرية. هكذا أصبحت إيران على الحدود الجنوبية السعودية وفي الجزر والموانئ الساحلية والمضائق.
ماذا فعلت العواصم العربية الكبرى الأخرى، تلك التي في الجزء الإفريقي من العالم العربي، وماذا قدمته لمقاومة الاكتساح الإيراني؟ ألم تتقاعس وتعذرت بشؤونها الداخلية، وأحياناً صبت المزيد من المياه في الطوفان الإيراني بحجة الحريات الحزبية؟
البعض، وقد يكون صديقي منهم سوف يقذف في وجهي بتهمة إرهاب وجرائم داعش والقاعدة المحسوبة على العرب السنة. أطالبه بالجواب الشافي عن منابت داعش وتمويلها وتسليحها، وكيف وصلت لما وصلت إليه هناك، أي في العراق والشام التي تحكمها أمريكا وإيران، وهل للقاعدة وداعش قواعد في إيران أم ليس لها قواعد؟ أليست داعش والقاعدة في العراق والشام التي تحكمها أمريكا وإيران؟
الإدارة الأمريكية هدمت (وحينذاك سكتنا نحن أيضاً للأسف كما فعل الآخرون) بوابة السد عام 2003م، فأغرق الطوفان الإيراني كل ما أمامه حتى وصل إلى البحرين وضفاف الخليج العربي والجزء الجنوبي من جزيرة العرب. لم يكن الباقي سوى خطوة واحدة، هكذا اعتقد الحكم في إيران، ثم يكتمل إغراق الطوفان لكل العواصم العربية وللشعوب، والأنكى من ذلك إغراق التاريخ العربي في منابته الأولى.
الحمد لله، أخيراً أدركت الرياض مع شقيقاتها في مجلس التعاون أن الرهان على من اعتقدتهم أصدقاء قدامى خاسر وأنهم أعداء متربصون يلعبون بالعرب لعبة مصالح غير عادلة، وأنهم وضعوا رهانهم على الخانة الإيرانية. أول خط أحمر وضعته الرياض ضد الاختراق كان في البحرين، ثم في اليمن مدركة ضرورة تأمين عرب الشمال مستقبلاً قدر الإمكانيات والتطورات القادمة.
هذه ليست مقالة في السياسة بل طرح سؤال عربي شامل : ماذا كان يحصل لو أن الرياض تقاعست أمام الطوفان مثل العواصم الأخرى؟
يقال إن أول الغيث قطرة، واليمن أوشكت على العودة لتاريخها، وإيران لا بُدَّ أنها أوعزت لعملائها أن الزمان قد تغير.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
لبنانَ والعراقِ وسوريَا واليمنِ
ليُنفِّذَ كلُّ واحدٍ منهُم دورَهُ في النَّيلِ من
المملكةِ العربيةِ السعوديةِ
حاضنةِ الحرمَينِ ومنبعِ الرسالةِ وأساسِ العربِ.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
عَامِلُ المَعرفةِ «أبويَعرب»؛ «محمّد عبدالرزاق القشعمي»، مِن البَاحثينَ الذينَ لَا يُمكنُ أَنْ تَرَى لَهُم أَيّ كِتَاب وتَتركه، بَل يُجبرك هَذا الرَّجُل عَلى اقتنَاء أيّ كِتَاب يُصدره، والسَّبَب في ذَلك، أنَّه
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
قال احد شعراء العامية، وواضح أنه من العرب الرّحل، الذين كانوا يجوبون القفار على ظهور الإبل بحثا عن الكلأ، أو منتقلا إلى ديرة أخرى لطلب الرزق:
فاطري تضلع ولا ادرى وش بلاها
ما عليها الاّ القَلَصْ والزمزميّه.
والفاطر = الراحلة الجيدة
تضْلعْ = مشيها غير متوازن لوجود وجع في إحدى قوائمها.
القَلَصْ = سطل أو دلو يحمله المسافر، ربما وجد بئرا وليس حولها من وسائل رفع الماء شيء.
الزمزميه = تقوم مقام القربة للمسافر الذي ينشد الخفّة.
يوحي البيت بحاجة ذاك المسافر إلى الماء ووسيلة رفعه، أكثر من أي شيء آخر.
إحدى الخصال التي تمتع بها أعراب الجزيرة هي الحفاظ على الماء. والتغنّي بأدواته وتدليلها.
وأرانا الآن متمسكين بكثير من العادات و"سلوم العرب" الصالح منها وغير الصالح إلا مسألة الحفاظ على الماء وترشيد استعماله.
الدلو والبئر والرشا عدة المسافر والمقيم قديماً.
أتوقّف عند تلك الجوهرة الكريمة... أو التي كانت ثمينة، الدلو لأقول إن له أكثر من اسم. فهو "السّجل". والساقيان على بئر واحدة "يتساجلان"، يُلقي كل منهما دلوه، ويُخرج مثل ما يُخرج الاخر. فإذا أخرج أحدهما أكثر من الاخر فقد فاز. وإذا تعادل الجيشان في الغلبة فيقال: الحرب سجال.
وترى معاجم توافق اللغات وجذورها أن الكلمة سريانية، أخذتها العبرانية. ثم التركية، فهي في الأخيرة "دولك" وهي بالرومية SITULA. ويدعي بعض المعجميين أن الكلمة أصل اللفظ العربي "سطل" لأنها كذلك في الحبشيّة SAGAL.
وإذا تضاربت المصالح وتوقف المشروع نتيجة لذلك قيل "تشابكت الدلاء". وإن أراد شخص إعطاء رأي أو مشورة قيل "يدلي بدلوه".
انظروا كيف نجيد حفظ الأمثال ولا نجيد "حفظ المياه"!
لمراسلة الكاتب:
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
إلى وقت كتابة هذه المقالة يواصل دونالد ترامب إشغال الرأي العام المحلي الأميركي والعالمي، ويتصدر مرشحي الحزب الجمهوري في الانتخابات الأولية ب 460 صوتا، يليه كروز ب 370 ثم روبيو ب 163 ويحل في المؤخرة كاسيتش ب 63 صوتا. ويحتاج أي منهم إلى 1237 صوتا ليفوز بترشيح الحزب له. وتصوت هذا اليوم الثلاثاء 15 مارس 2016م عدة ولايات هي فلوريدا ب 99 صوتا، والينوي ب 69 صوتا، وميزوري ب 52 صوتا، وكارولاينا الشمالية ب 72 صوتا، وأوهايو ب 66 صوتا. أي أن المرشحين سوف يحصدون حوالي 368 صوتا في يوم واحد. وهي جولة ستحدث فرقا كبيرا وستوضح ما إذا كان الجمهوريون قادرين على اقصاء ترامب لصالح كروز أو روبيو.
وضع ولاية فلوريدا يبدو مخيبا لآمال الجمهوريين حيث يتقدم الملياردير ترامب الاستطلاعات ب 44%، بينما لا يحظى ابن هذه الولاية السيناتور ماركو روبيو سوى ب 25% من الأصوات ويتراجع كروز في هذه الولاية كثيرا إلى أقل من 10%. ربما ما زال هناك فرصة للمعجزات في هذه الولاية لصالح روبيو الذي إذا ما فاز بها فإنه سيرتفع برصيده إلى 262 صوتا، وإن كان سيبقى ثالثا في التريتب. وإذا ما صدقت الاستطلاعات فسوف يرفع ترامب رصيده إلى 559 صوتا معمقا الفجوة بينه وبين كروز من 90 صوتا حاليا إلى 189 صوتا.
المعضلة الكبرى لدى السيناتور روبيو هي أنه إذا لم يستطع الفوز بولايته الأساسية فإنه لن يكون جديرا بالفوز بولايات أخرى بعدها حيث سيكون من العار عليه فقدان ولايته التي زفته إلى مجلس الشيوخ. وبنهاية هذا اليوم تتبقى حوالي عشرين ولاية أهمها كاليفورنيا ب 172 صوتا، ونيويورك ب 95 صوتا وبنسلفانيا ب 71 صوتا. روبيو يجادل بأن عدد الولايات التي يفوز بها المرشح ليست حاسمة في الترشيح النهائي في المؤتمر العام للحزب، إلا أن أحدا لايغفل أهمية عدد الأصوات التي يحرزها كل مرشح في الانتخابات الأولية.
وعلى الرغم من أن المنافسة مازالت تتسع على الأقل لاثنين من المرشحين الجمهوريين فإن الصخب الذي يحدثه دونالد ترامب لايمكن تجاهل تأثيراته على البنية الجماهيرية الأميركية، إذ لأول مرة حسب علمي يكون هناك تشابك بالأيدي بين مؤيدي ومعارضي مرشح رئاسي أميركي في الانتخابات الأولية، كما أنه لأول مرة ايضا تجلس الأسرة الأميركية أمام التلفزيون وهي تخشى على صغارها من مفردات خطاب مرشح رئاسي موغلة في الإسفاف ولا تذاع إلا بعد التاسعة ليلا، ناهيك عن تأسيس خطاب ترامب للعنف الذي سيبقى في الذاكرة الشعبية. ظاهرة ترامب هي رديفة للظاهرة الجماهيرية التي تقصي النخب وتفتح طريقا واسعة أمام ضجيجها لتدفع بمرشح يشعر العقلاء الأميركيون بالخجل منه. ويتحدث البعض وبخاصة في الشرق الأوسط والبلدان النامية إلى المؤامرة التي تقف خلف ترامب، إذ يعتقدون أن الترشح للرئاسة الأميركية لايمكن أن يكون بهذه البساطة وإنما هناك جهاز حكومي أو نخبوي خفي يخطط ويفرض المرشح وربما يحدد الفائز بالبيت الأبيض.
لا أميل إلى هذا الرأي ومع ذلك أتفهم دوافع القائلين به ذلك أن سمعة أميركا ومكانتها كدولة عظمى، وصاحبة أكبر ديمقراطية في العصر الحديث، لا يمكن أن تسير أمورها بناء على رغبة الجماهير، وأن الشعب الأميركي لا يمكن أن ينتخب رئيسه بدون أن يكون هناك مساحة سوداء في العملية لايعرف الكثير عنها شيئا.
ومع أن الجمهور الأميركي يتصف بالوعي والحصافة في التعبير السلمي عن آرائه بسبب خبرته التراكمية إلا أن الوقائع تؤكد أنه ينقاد بسهولة للديماغوجيا ويتصرف وفقا لعقلية القطيع، وقد برهن الشعب الأميركي المتمرس في العملية الديمقراطية أنه ما زال يقع ضمن دائرة السمات الجماهيرية الغوغائية نفسها التي تجعله يفقد صوابه عند التجمهر ويمكن تضليله بسهولة من قبل مخادع كترامب.
مؤلف سيكولوجية الجماهير غوستاف لوبون يصف الجماهير بأنها تنصهر في "روح واحدة وعاطفة مشتركة تقضي على التمايزات الشخصية وتخفض من مستوى الملكات العقلية". وهذا لا يعني أن الحشد الجماهيري قد يخلو من نخب مهمة تشارك فيه ولكن تأثير الجمهور "يجرف الفرد معه مثلما يجرف السيل الحجارة المنفردة التي تعترض طريقه" بغض النظر عن "الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها عالية أم منخفضة، وأيا تكن ثقافته أمية أم عالمة جدا".
ولذلك فلا يستغرب أن يكون الغضب الجماهيري المتراكم وبخاصة لدى العنصر الأبيض سببا في دفع الجماهير للالتفاف حول صوت نشاز وجدت فيه ما يغذي حاجة في نفوسها ويستجيب للحنق الذي يسكنها. ولكن إلى أي مدى يمكن أن تصمد الجماهير في صناعة رئيس كل مؤهلاته أنه لايستحي من جهله، ولا يخجل من كذبه، ولا يتورع عن تهديد العالم بخطر الاشتباك المسلح، وفرض الأتاوات على دوله الغنية لصالح أميركا التي سوف تعيش داخل أسوار عالية ويحرم على المنتسبين لبعض الأديان دخولها. قد تتدحرج الظاهرة الجماهيرية وتجمع المزيد من الموتورين والحاقدين والخائفين حول السيد ترامب، وهناك في المقابل فرصة لأن تستيقظ في لحظة ما قبل المؤتمر الوطني العام للحزب الجمهوري في النصف الأخير من جولاي 2016م، وتحول أفكار الجماهير ليس مستغربا فهي "تغير أفكارها كما تغير قمصانها".
الجمهوريون المعادون لترامب والمذهولون من شعبيته يعولون اليوم على هزيمته في فلوريدا وفقدانه أصواتها، أو على أقل تقدير هزيمته في أوهايو، وذلك من أجل تجنيب الحزب كارثة حقيقية في الانتخابات العامة. الحزب الجمهوري كمؤسسة في موقف لايحسد عليه، فالأقرب إلى ترامب هو السيناتور كروز، ولكنه محسوب على الجناح اليميني المتطرف وهو ما قد يكون نقطة ضعف له أمام الفائز من الديمقراطيين، ولذلك فإن من السيناريوهات الحاضرة في الذهن في حالة وصول ترامب بأغلبية وليس بإجماع إلى المؤتمر الوطني العام للحزب أن يكون هناك أكثر من بديل أمام الجمهوريين وقد يلجأون إلى رئيس مجلس النواب بول راين لاعتراض ترامب وإن كان سيكون لذلك تأثيره الكبير على الحزب.
لمراسلة الكاتب:
- التفاصيل