قضايا وأراء
- التفاصيل
- قضايا وأراء
يقول نزار قباني: "منذ بدايتي الأولى اكتشفت أن الشعر هو كلام راق يصنعه الإنسان لتغيير مستوى الإنسان، فلم يكن عندي شيء من أوهام ميتافيزيقية وفنتازية وتزيينية حول الشعر، ولم أعتبره لعبا لغويا صرفا لا غاية له سوى تحريك حجارة اللغة"، وهو في هذه الكلمات إنما يرسم صورة الشاعر الذي كانه، والشاعر الذي يتوجب عليه أن يكون عليماً بأسرار فنه، ويعرف كيف يتعامل مع هذه الموهبة التي تفرد بها دون سواه، وهي التي تعني معرفة مايريد وكيف يصنع ما يريد، ليس صناعة حرفية وإنما تنفيذ لما تَشكَّل في جوّانيته من رسومات وخرائط يخططها ويرسمها القلب، فالأحاسيس لا تملى ولكنها تباغت وتَفرض وتُقسر على أن تكون مطواعاً ومنفذا لما تريده منك، وبهذا تريح وترتاح، حيث امتزاج التفاعل مع الفعل، أو قل الانفعال الذي يقّدم ما ترغبه النفس، وما ترى أنه سيتوجه إلى المتلقين مباشرة ويستقبلونه بكل تقدير، وقد سمي الشعر، بكلمة من ثلاثة حروف من ثمانية وعشرين حرفا، ولكن كم من البلايين من الكلمات التي تحدثت ووصفت، ومازالت تتحدث وتصف وتصنف (شِعْر)، فبقدر ما جمعت أو ضربت، أو استعملت من المساعدات في الحصر من آلات وحواسيب، لن تستطيع أن تحدد العدد الذي وفرته اللغلة عن (ش ع ر).
الشاعر نزار خبر الشعر صغيرا، أو وهو أصغر من الصغير، لقد خلق شاعراً حملته أمه وولدته وهو شاعر، ليس مبالغة ولكن هذا ما صار حسب المكانة التي احتلها في مقدمة الشعراء، ففي كتابه (قصتي مع الشعر) حديثه عن تجربته الشعرية تحس وأنت تقرأ أنه ليس سواه من الشعراء الذين كتبوا تجاربهم أو تحدثوا عنها، فهو غير في تناول الصورة التي يرسمها في كلمات، فالرسم بالكلمات صعب، وصعوبته عندما تحدث وكتب (الرسم بالكلمات) عبارة سهلة ولكنها غير مسبوقة، وهو يعني بالفعل أن يرسم المشاعر على الورق في أناقة وأناة وحرص على أن تكون الكلمة صورة يمكن أن تضعها في إطار محسوس، أو إطار داخلي ضمن المخزن الذي تكنز فيه مدخراتك من المعارف والفنون ويكون مكانك المفضل عن الحاجة للراحة والتأمل في الكون الفسيح أفقاً وراء أفق وأنت في مكانك تسيدر في عوالم الإبداع.
أنا وأشعاري
نسيج واحد
لا فرق بين الوجه والقناع.
لا تلون في المشاعر، ولا تقلبات ولكن ما أقوله أعنيه، ونزار يعني ما يقول بدقة وسلاسة:
أريد أن أحب..
كي أكتب شعرا جيداً
فالحب في أساسه
نوع من الإبداع.
كما نجيمات يبثها في الظلام ليرى الآخر أن هناك من يشارك ويعايش ولا يستطيع أن يعيش بدون الناس وأن يذيقهم ويطعمهم من مائدة نظراته المتنوعة للحياة، والإنسان كيف يحيا بدون ناس؟
فالناس للناس، ولذا تكون المشاركة الوجدانية ونبذ الأنانية والانفراد أو العزلة.
عندما أراد أن يكتب عن نفسه (قصتي مع الشعر) لم يستعن أو يستنجد بقلم لامع في يد ناقد مشهور، أو كاتب من أصحاب الواجهات الإعلامية، ولو ممن يعزهم، لقد انعطف إلى داخله لأنه في قرارة نفسه (انا الذي أعرف من أنا)، فيبرر ذلك بقوله: "أريد أن أكتب قصتي مع الشعر قبل أن يكتبها أحد غيري، أن أرسم وجهي بيدي، إذ لا أحد يستطيع أن يرسم وجهي أحسن مني، أريد أن أكشف الستار عن نفسي بنفسي، قبل أن يَقُصَّني النّقاد ويُفَصِّلوني على هواهم، وقبل أن يخترعوني من جديد، ثلاثة أرباع الشعراء من فيرجل، إلى شكسبير، إلى دانتي، إلى المتنبي، من اختراع النقاد، أو من شُغلهم وتَطْريزهم على الأقل، فمن سوء حظ الشعراء القدماء أنهم لم يكونوا يمتلكون دفاتر مذكرات "أما أنا فهذا دفتر مذكراتي سجلت فيه تفاصيل رحلتي في غابات الشعر"
شاعر بهذه الصراحة والشفافية يفرض عليك أن تحسب كل حساب لما قاله شعراً وما كتبه نثراً، لانه استعان بنفسه على نفسه ولا دخل لأحد بينهما أو واسطة يقول ما يريده هو لا ما يقوله الوسيط، ويتحدث عن نفسه الشاعرة في شعره ونثره، وأحاديثه، وقد واجه صراعات ومناقرات وتمحّكات، ولكنه كان صامداً لم تحركة بعض الترّهات، ولم يلتفت إلا لما يرى أنه يجب أن يفهمه وجهة النظر النزارية الخاصة، فهو يستعمل عملية التَّدريس بوسائل الإيضاح التي توصل وبوضوح شديد ما كان يقصده، وما يهدف إليه فقط، فالطريق الشعري النزاري الخاص لا يمكن تغييره لكونه قد حفره وسط صخر صلب يتمثل في ثقة نزار وقناعته بما يكتب.
أنا لم أقل إني عشيق رائع
أو مدهش
أو رائد في فنه،
لكنني سأحاول،
أنا لم أكن بطلا خرافيا كما يصفونني
لكنني من نصف قرن
لا أزال أحاول
تسير الكلمات على بساط وردي شفاف، تحمل المعاني الكثيرة ليس عن المرأة والحب فقط، ولكن عن عامة الحياة وشؤونها كما يصف الشعر في رأيه.
*قال عن د طه حسين:
ضوءُ عينيكَ أم هما نجمتانِ
كلهم لا يَرى... وأنتَ تراني
ضوءُ عينيكَ أم حوارُ المرايا
أم هما طائران يحترقانِ
إرمِ نظارتيكَ ما أنتَ أعمى
إنما نحن جوقةُ العميانِ
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
على الرغم من الصدمة والغضب اللذين يسودان كافة أنحاء العالم، إلا أن طريقة الموت المأساوية للطفل أيلان الكردي في الصيف الماضي قد غيرت من الأوضاع قليلاً. وإذا مازال بالإمكان أن نتحدث عن هذا المفهوم فإن هذا الوضع يعتبر انتقاداً مؤسفاً ومؤلماً للإنسانية جمعاء.
وقوة المشاهد ووسائل التواصل الاجتماعي ذات التأثير الفعال للغاية والتي تهدف إلى الشهرة، تبدو وكأنها فقدت فعاليتها عندما يتم الحديث عن حشد المساعدات لمن أسعفهم الحظ. وفي حقيقة الأمر، فقد الكثير من الرجال والنساء والأطفال الأبرياء حياتهم منذ وفاة أيلان قبل ستة أشهر، حيث كان بالإمكان الحيلولة دون وفاتهم جميعاً.
صحيح أننا نواجه أكبر أزمة إنسانية لم نشهد لها مثيلاً منذ الحرب العالمية الأخيرة. ولكن، لا يمكن أن نجد أي مبرر للصمت العالمي السائد حالياً.
وفي الوقت الذي تعتبر فيه الكوارث الطبيعية الكبيرة سبباً مهماً لحدوث الوفيات وعمليات النزوح، إلا أن أغلبية الأزمات الإنسانية المقلقة هي تلك الأزمات المتعلقة بالنزاعات والتي تدوم لمدة طويلة من الزمن. ولا يبدو هذا الأمر واضحاً في أي مكان آخر مثلما هو واضح وجلي في سورية التي يوجد فيها مجرم يقتل شعبه دون أي اكتراث ودون أي تمييز، مدعوماً من قبل القوى الخارجية.
وإضافة إلى سورية، نجد أن الأزمات الإنسانية التي يشهدها الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا والمناطق الأخرى، قد تجاوزت كل الحدود. واليوم، يوجد حوالي 125 مليون شخص في جميع أنحاء العالم بحاجة إلى المساعدات الإنسانية. وأعداد النازحين البالغ 60 مليوناً، ارتفع ليصل إلى الضعف في غضون عشرة أعوام فقط. وتعتبر هذه الأعداد بمثابة دليل على تعقد الأزمات الإنسانية، وعدم كفاية الكفاح الذي نخوضه في مواجهة هذه الأزمات، وعدم رغبتنا في خوض المزيد، والعجز المالي الذي يتعمق بين الاحتياجات المتزايدة والمصادر المحدودة.
يتوجب علينا القيام بشيء ما. وتركيا في هذا الصدد لا تشكل أنموذجاً فقط، بل تعتبر رائدة على صعيد العمل الذي يدفع المجتمع الدولي إلى التحرك.
وإضافة إلى كونها دولة مانحة كبيرة، فإن تركيا اليوم تستضيف أكبر عدد من اللاجئين (أكثر من 3 ملايين لاجئ). وتعتبر الحرب التي تشهدها سورية السبب الأكبر لذلك. وتأمين الخدمات المعيشية اليومية كالخدمات الصحية والتعليمية والمهنية، وتأمين المأوى، يشكل عبئاً مالياً كبيراً اضطرت تركيا لتحمل القسم الأكبر منها بمفردها.
وإضافة إلى ذلك، لا تعتبر الديبلوماسية الإنسانية التي نتبعها مقيدة بالمناطق القريبة منا فحسب. فاعتباراً من القرن الخامس عشر استقبلت تركيا المدنيين العزل دون تمييز بينهم من حيث العرق أو الاثنية أو المنطقة التي ينتمون إليها، وهي اليوم تستجيب لكافة أنواع الأزمات الإنسانية انطلاقاً من هايتي وصولاً إلى نيبال، ومن غينيا إلى الصومال، ومن الساحل الأفريقي إلى أندونيسيا. والجهود الإنسانية التي نبذلها لا ترمي إلى إزالة الأعراض فحسب، بل تهدف إلى معالجة هذا المرض أيضاً. وهذه المقاربة المتكاملة تشمل المساعدات الإنسانية والدعم التنموي على حد سواء، وتهدف إلى معالجة الأسباب والعوامل الرئيسية التي أدت إلى اندلاع الأزمات الإنسانية. وترتكز هذه المقاربة إلى الطلب، بحيث يمكن ملاحظتها بشكل واضح وجلي في دول الساحل الأفريقي والصومال التي تتبع فيها تركيا سياسة متكاملة ومتعددة الأبعاد. وتقوم المساعدات الرسمية بالجمع بين أوساط الأعمال والمجتمع المدني، وتحقق النجاح في تحسين الكثير من أوجه الحياة إلى حد كبير جداً.
وتكتسب الجهود الفردية أيضاً أهمية بقدر الأهمية التي تكتسبها الجهود التركية، إلا أن المنظومة الإنسانية الدولية تبقى محرومة من الصناديق القائمة، وتبدأ عقارب الساعة بالدوران في غير مصلحة الأشخاص المتأثرين من الكثير من الأزمات التي نشهدها على صعيد العالم. وبعبارة أخرى، هناك أعداد كبيرة من الناس الذين تتهدد الأخطار حياتهم، وعدم الاكتراث بهم والصمت تجاههم لا يعتبر خياراً.
وفي هذه اللحظة الحرجة، ستستضيف إسطنبول يومي 23-24 أيار/مايو 2016 القمة الإنسانية العالمية التي تنظمها الأمم المتحدة. واختيار تركيا لاستضافة هذه القمة لم يكن من قبيل الصدفة بتاتاً، إنما يشكل اعترافاً في الوقت المناسب بالديبلوماسية الإنسانية الناجحة التي نتبعها.
ستؤمن القمة الإنسانية العالمية منصة مهمة جداً لتناول التحديات التي تواجهها المنظومة الإنسانية. كما ستتناول هذه القمة المواضيع العاجلة كالتمويل الإنساني المستدام والموثوق، إضافة إلى المواضيع المتعلقة بالبحث عن حلول للأزمات المتكررة والطويلة الأمد، وموجات النزوح. كما ستبحث القمة الوسائل المبتكرة التي يجب اتباعها، وكيفية تشجيع الأعمال الإنسانية المحلية بواسطة اتباع مقاربات خاصة بالاحتياجات، وموضوع الوثوقية والأمان بالأعمال الإنسانية.
ستكون القمة الإنسانية العالمية مناسبة لدفع المجتمع الدولي وقادة الدول إلى التحرك في وقت تقف فيه الملايين من البشر على حافة الموت. وعندما رأيت صورة أيلان لأول مرة، عانيت الكثير من الهموم التي جثمت على كاهلي وأنا أتذكر الأبرياء العزل والأطفال الذين بدؤوا للتو بالمشي. أريد أن أصدق أننا تعلمنا شيئاً ما من هذه الصورة، وأننا لسنا بحاجة إلى رؤية المزيد من الصور المشابهة لكي نبدأ بالعمل.
كلنا مسؤولون عما يواجهه هؤلاء الناس العزل الذين ينظرون إلينا طلباً للمساعدة. وقمة إسطنبول ستشكل فرصة للتحرك وتحمل هذه المسؤولية. ونوجه دعوة لجميع القادة في العالم إلى المشاركة في القمة الإنسانية العالمية التي ستعقدها الأمم المتحدة في إسطنبول، وإلى العمل المشترك من أجل إيجاد حل لأؤلئك الناس العاجزين والمحتاجين للمساعدات الإنسانية.
*وزير خارجية تركيا
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
ما آلت إليه مدينة الفلوجة من سيطرة «داعش» عليها هي مسؤولية الحكومة العراقية وليست مسؤولية أهالي الفلوجة الذين عانوا من الحكومة يوم فرّطت في أمنهم ويوم أطبقت حصاراً عليهم لإخراج العدو من الداخل، ومهما كان العذر الذي يُنفذ باسمه هذا الحصار ومهما كانت الخطط التي أعدها العراقيون والأميركيون الذين يعرفون الفلوجة جيداً وترتبط في ذهنهم بحوادث مأساوية يجدر ألا تكون عملية القضاء على «داعش» عبر بوابة تجويع أهالي المدينة الذين يعيشون مجاعة رهيبة وسط صمت دولي مخيف.
فالصمت يوحي إما بالموافقة أو العجز، وكلا الأمرين يتنافسان في المأساوية ويعبران بأسى عما غدا عليه حال العراق ومسؤوليه الذين يكرسون بتلك التصرفات حالة من النقمة الشديدة في نفوس أهالي المدينة، والذين سيتذكر الأحياء منهم كيف فارق أهلهم الحياة أمام أنظارهم بسبب حصار الدولة عليهم.
تاريخ الفلوجة يخبرنا أن لهذه المدينة صولات عدة مع «القاعدة» والأميركيين والمسلحين منذ سقوط العراق عام 2003، وهذه المدينة كانت دائماً تعاني مرتين، واليوم من الضروري ألا نكرر أخطاء الماضي بجعل هذه المدينة تدفع ثمناً مضاعفاً، وإن على الولايات المتحدة أن تسهم في فك هذا الحصار وهي التي تشارك في مهمات استشارية وتدريبية للقضاء على «التنظيم» الإرهابي.
إن على المجتمع الدولي أن يتحرك اليوم لإنقاذ المدنيين الذين تنكل بهم «داعش» في الداخل ويحاصرون من الحشد الشعبي ومن يدور في فلكه من الخارج دون وجود ممرات آمنة تسمح بخروج المواطنين بسلام، وإن تواتر الروايات عن تراجع «الحشد» عن الحصار بسبب ارتباك وتأجيل عمليات الحسم والتدخل لا يعني شيئاً ولا يخفف من الأزمة الحالية التي تعكس واقعاً إنسانياً مؤلماً للعراقيين، وهو واقع حدث يوم أعلى السياسيون في العراق مصالح الفئة على مصالح الوطن.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
لماذا يُفجِّر مَن ينتمون إلى الإسلام
في بلد يحترم الإسلام كدين،
ويُوفِّر المعلمين لأبناء المسلمين،
ويُؤهِّل الأئمة ويدفع رواتبهم
مثل بلجيكا...؟
* وتعجُّب هؤلاء المتسائلين مردُّه
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
أَحيَانًا أُصَاب بِمَا يُسمَّى التَّرَف المَعرفي، وهو عَفشٌ زَائِد في دَاخل جُمجمة الإنسَان، حِين تَكون هَذه الجُمجمة مُتْخَمَة بالمَعرفة، ومُشبعَة بالزّيوت اللُّغويّة، والدّهون الفِكريّة، والشّحوم الثَّقافيّة..!
هَذا التَّرَف كَان أَيضًا
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
يوسف المحيميد
في نهاية التسعينيات، ومطلع الألفية الجديدة، كنت في بريطانيا، في رحلة دراسة. وفي يومي الأول، المتزامن مع عطلة نهاية الأسبوع، خرجت من الفندق بعدما وضعت حقيبتي، ودخلت متجرًا، اقتنيت منه جميع الصحف البريطانية، كعادتي حينما أزور بلدًا لأول مرة؛ فأحاول الدخول إلى دهاليزه من بوابة الصحافة. وبعد أشهر عدة بقيت صحيفة «إندبندنت» هي صحيفتي المفضلة، التي أحرص على اقتنائها، وقراءتها، طوال فترة مكوثي هناك!
بالأمس نعت قناة العربية موت هذه الصحيفة العريقة في نسختها الورقية، بعد ثلاثين عامًا من الصدور، وبعد مبيعات شارفت خلال فترات ازدهارها على نصف المليون نسخة، فاضطرت أخيرًا إلى دفن ورقها للأبد، والاكتفاء بعالم الإلكترون المجنون، الذي التهم الورق والحبر ورائحته التي لا يُخطئها الأنف!
بعيدًا عن ارتباطنا العاطفي بالورق، وملمسه، ورائحة الحبر فيه، بصحبة الصباح، وفنجان القهوة، والموسيقى، تبقى المؤسسات الصحفية العريقة مرتبطة بقوائم مالية، وحسابات أرباح وخسائر، يصعب معها المقاومة، ومواجهة التيار، بانحسار القراء التقليديين من جهة، وانحسار المعلنين الذين كانوا يشكلون مصدر القوة والكسب في الصحافة، خاصة أن هؤلاء بدؤوا ينصرفون بإعلاناتهم إلى الصحافة الإلكترونية؛ لأنهم ببساطة يبحثون عن مستهلك الإعلان، الذي أصبح بدوره إلكترونيًّا، يقرأ المادة الصحفية والإعلانية من خلال الأجهزة الذكية، التي يحملها في جيبه!
ولعل السؤال المهم، عشية موت الإندبندنت، وطباعة العدد الورقي الأخير منها: هل سيعم هذا الطوفان صحافة العالم بأسره؟ هل ستكف الآلات في المطابع عن العمل خلال عقد من السنوات مثلاً؟ فلا نجد صحيفة، ولا كتابًا ورقيًّا؟ ويتم تسريح عمال المطابع؟ هل ستلغى أجنحة الكتب في المكتبات التجارية الكبرى، التي قد تكتفي بأجنحة الأجهزة الإلكترونية الذكية فقط؟
كل هذا ممكن أن يحدث تدريجيًّا؛ فالتحول إلى العصر الرقمي تطلب مرور أكثر من عقد ونصف العقد من السنوات، ولا شك أن معظم صحف العالم ومجلاته، ومعظم دور النشر العالمية، قد تحولت كليًّا أو جزئيًّا إلى الصحافة والكتب الإلكترونية؛ فلا أعتقد أن ثمة صحيفة ليس لديها موقع إلكتروني تفاعلي، يتوافر منه تطبيقات تعمل على الأجهزة الذكية، إضافة إلى استمرارها بشكلها الورقي، ولا أعتقد أن ناشرًا عالميًّا لم يصدر معظم كتبه بصيغة إلكترونية؛ ما يعني أن التحوُّل الإلكتروني قادم لا محالة، والمسألة هي مسألة وقت لا أكثر! إذًا، على الصحف التي تخطط للمستقبل أن تعمل باكرًا على انتشارها إلكترونيًّا؛ ما يعزز قدراتها وجذبها الإعلاني؛ فإن وقفت نسختها الورقية لا يعني ذلك شيئًا لها على المستوى التجاري، ولا يؤثر على أرباحها؛ إذ انتقل المعلنون معها منذ سنوات إلى العالم الرقمي.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
ناصر الصِرامي
عرفته عبر اعماله اولا، وعبر الكوميديا السوداء التي وظفها للتغير والتنوير، وفتح افاق جديدة.
بعض ما كتبه من قصص وسيناريوات تلفزيونية غيرت في المفاهيم الكثير اجتماعيا، واحدثت هزة في طريقة التفكير والتعاطي مع الاشياء من حولنا..!
وما حققه مسلسل طاش ما طاش لوحده ولعقد من الزمن يؤكد ان المسلسل شكل لوحده مشروع تثقيف اجتماعي بطرق ساخرة مباشرة وغير مباشرة.
وعبدالرحمن الوابلي كان من بين ابرز العقول التي رسمت نهج ذلك المسلسل التنويري التوعوي بكل القوالب مهما اختلفت الاسماء وادوار البطولة..!
لكن الراحل عبد الرحمن اختار القلم باستمرار، كان هو اداته للظهور والنقد والتواصل كان يكتب باستمرار وبجلد وجهد ولغة خاصة، لم يتوقف يوما، حتى قبيل رحيله:
«..وكما أن هنالك من يبحثون عن سلب حقوق الإنسان المادية، وهم الأثرياء الجشعون؛ كذلك هناك من يبحثون ويسعون إلى سلب حقوق الإنسان المعنوية وبكل صلافة وعدوانية، وهم المؤدلجون، خاصة من يطرح منهم نفسه كرمز، يجب أن يتبع ويطاع وإلا هلك الناس وكل شيء ضاع. إذاً، فهنالك تكالب على سرقة حقوق الإنسان المادية منها وكذلك المعنوية من الثري الجشع والمؤدلج البشع، وهذا ما يجعل الإنسان بدون حقوقه هذه أقل من الحيوان قيمة، حيث الحيوان على الأقل يتمتع بحقوقه المادية. ولا يعني هذا أنه لا وجود لأثرياء خيرين ولا مؤدلجين إنسانيين، ولكننا هنا نركز على الثري الجشع والمؤدلج البشع..»
و»الإنسان السوي يسعى دوما إلى الحفاظ على عقله ويجهد في تنميته وتطويره، كي يحتفظ بآدميته؛ ولا ينزلق في المزالق الدنيا من الحيونة والتوحش. ومن وسائل الحفاظ على العقل وتنميته هو العلم- المعرفة».
تلك السطور من المقال الاخير المنشور للوابلي بجريدة الوطن قبل اسبوع من رحيله، هي تقريبا ملخص الرسالة التي حملها الوابلي لتحريك العقول وانفتاحها نحو مساحات ارحب بحجم الكون والوجود.
حين التقيته قبل سنوات في ورشة عمل مع جامعة جورج تاون عقدت في مدينة صقلية الايطالية، تعرفت به عن قرب لايام، كان عبدالرحمن وظل انسان مرح صادقا، وما جعله مميزاً حتى في رحيله انه صاحب رسالة تنويرية للانسان تثقيفية ونقدية، لم يتخل عنها او يتردد يوما فيها.
صعب ان تكتب بتفاصيل اكثر عن شخص بذلك القلب والود والرسالة لكن الكتابة كما علمنا هو هي خليط من الحزن والكوميديا والامنيات، وهي الملاذ الامن للتعبير عن الفرح او الحزن ..او حتى بعض الغضب.
كلما كانت الكلمات ترسم صورا صادمة، تقدم الواقع دون تزيين او تزويق، كلما خلقت جدلا، والجدل هو بداية الوعي بالواقع..!
هكذا اخبرنا الكاتب التنويري عبدالرحمن الوابلي قبل رحيله...غفر الله له..
- التفاصيل