قضايا وأراء
- Details
- قضايا وأراء
- Details
- Details
- قضايا وأراء
إن نقاء وصفاء طلاب جامعة لا يعني البقاء على تلك الصورة، حيث تبدّّى له فيما بعد الخلل الكبير بسبب ظاهرة لا تطال سوى مشهد وحيد، وهو مشهد التقليد والمحاكاة.. ليكتشف في مرحلة أخرى تلك التناقضات الحادة بين قيم العلو التي كان كثير منهم يبشر بها.. وانهماك الدنو في أرض الواقع..
يتذكر ذلك النهار الحار من صيف عام 1979، حيث كانت إدارة القبول والتسجيل في جامعة الرياض أنذاك (جامعة الملك سعود) في فيلا قديمة وصغيرة في شارع الستين بحي الملز. لم يكونوا سوى بضع متقدمين، لا يتذكر أن هناك ازدحاماً أو ارتباكاً. كانت فترة ذهبية في عمر الجامعة وطلابها.. كل الخيارات متاحة وما عليك سوى أن تلتقط ما تراه مناسباً لك.
في كلية العلوم بالملز بدأ أيامه الأولى. حاول أن يتأقلم بسرعة وعرف الطريق للمكتبة المركزية في شارع الستين المقابل لكلية العلوم، والتي قضى فيها سنواته الأربع تقريباً.. عدا وقت النوم في السكن الجامعي أو بين المحاضرات أو في المعامل والمختبرات.
في كلية العلوم رأى لأول مرة شباباً لم يعتد على رؤيتهم وهو القادم من مدينة الدمام، كانت مظاهرهم الخارجية توحي بنموذج مختلف.. تحلقهم حول بعضهم، في صالة الطعام وفي المكتبة وفي المحاضرات.. وجودهم في مسجد الكلية قبل وقت الصلاة وبعدها. كان طالباً لا أكثر.. يبحث عن ترتيب يومياته بين الدراسة الجامعية ووضعه الجديد. وكانت أوقات استراحته يقضيها في المكتبة المركزية يطالع إصدارات الصحف اليومية.. وبعض ما يهواه من كتب الأدب.
عندما ذهب في الأيام الاولى ليقيد اسمه في السكن الجامعي، رأى شاباً حليقَ الوجه أبيض البشرة، منطلقاً ساخراً، يجادل الموظف.. كان شاباً متحدياً ونظراته مقلقة.
اتخذ من غرفة في بناية كبيرة في شارع الجامعة بالملز سكناً، كانت مجهزة لثلاثة طلاب. في اليوم التالي جاء طالب "هاني". يدعي أنه شريكه الجديد. جاء من البحرين. عرف بعد أيام أنه شيعي المذهب.. ولم تكن تلك قضية تستحق الاهتمام أو القلق.. كان هاني مفتوناً بالفنان عبدالحليم حافظ الذي كان يعشقه حد الهوس.. وكان يشركه بطرافة وعفوية في سماع أغانيه.
جاء زميل آخر من إحدى مدن القصيم بعد بضعة أسابيع ليشاركهما الغرفة.. كان رقيقاً ومؤدباً ويميل للصمت في حضرة الزميل الآخر، إلا انه ينطلق في إثارة الكثير من الأسئلة عندما يكونان وحيدين. كان متأثراً بما سمي بأدبيات الصحوة فيما بعد.. والتي أخذ يتسع صداها ومداها منذ ذلك الوقت. وعلى النقيض من ذلك الطالب البحريني الذي بدا يظهر متعاطفاً مع طائفته وشعارات الثورة الإيرانية الخمينية.. وإن كان حذراً في البوح والتعبير.. ولذا وجد نفسه في وضع يراقب فيه تلك الحالة حد التوتر الصامت بين تلك الشخصيتين.
"عبدالعزيز" طالب سبقنا بسنة للكلية، لا يعرف لماذا اختار البقاء معهما، ولم يدرك هذا سوى بعد فترة استعاد فيها تلك المرحلة برؤية مختلفة. كان شاباً مشبعاً بالثقافة التي تمزج بين فكر الاخوان السياسي والعقيدة السلفية. كان في كل ليلة قبل أن ينام يقرأ في ظلال القران لسيد قطب. أما هو فلم يكن قد تعرف على سيد قطب بعد. كان منصرفاً لدراسة الفيزياء التي تتطلب الكثير من التركيز، إلا ان هذا الوضع كان مفتاحاً فيما بعد للاطلاع على مصادر تلك الأفكار وقراءته فيها.. وإحاطته ببعض تفاصيلها.
في البدء أعاره "عبدالعزيز" كتاب معركة التقاليد لمحمد قطب، ليكتشف معالجة قضايا أساسية برؤية إسلامية حركية.. ثم بدأ يقدم له بعض أشرطه الكاسيت لخطباء ودعاة تلك المرحلة كالشيخ محمد كشك، والشيخ عبدالرحمن الدوسري وغيرهما.. كان "عبدالعزيز" لا يقرأ الصحف، وكان هو نهماً في قراءتها. كان لا يقرأ في الرواية وكان هو يعشقها، كان ملتزماً جدا في شروط البقاء في رحاب عالمه الذي اختاره أو وجد نفسه فيه، وكان هو بلا التزام كاف بحيث يمكن اعتباره جزءا من مجموعة لها نسق ورؤية وحضور، عنوانه هذا التشبع الكبير برؤية لها معالم وإن كانت أحيانا تبدو حالمة.. وتهرب من الأسئلة المقلقة.
يدين لتلك المرحلة التي اكتشفت من خلالها طبيعة تلك الأفكار التي يعبر عنها ذلك الشاب الطيب، الذي كان يرى فيه نموذجاً مختلفاً، لكنه ربما عجز عن استيعابه حتى يدخله في عالم الصالحين كما يراه. كانت غرفتهم ممراً دائماً لزواره وأصدقائه ومنها تعرف على مجموعة منهم لازال يحمل لهم قدراً من الاحترام.
كانوا في تلك المرحلة ثلة مؤمنة لا يرون أنفسهم إلا في جلباب الأيقونات الإسلامية الرائعة. أما المراحل الأخرى فأخذتهم لعالم الحياة الواسع، ولم تكن بذات الصورة التي كانت تبدو بعيدة عما يثلم تفاصيلها من ضعف بشري وانهماك في عالم الثروة والمال.. وحسابات أخرى جعلت تصوراتهم القديمة للعالم مجرد شروخ في جدار الذاكرة.
كانت ثلة متفانية في خدمة بعضها البعض حينذاك.. كانت تبحث عن الطلاب الجدد الذين أصبح العديد منهم متأثرين بهم. لم يكونوا تنظيماً أو فكراً متماسكاً يخفونه تحت ظاهر علاقتهم. إن أدق عبارة يمكن أن تمثلهم انهم فتية مؤمنين جدا، ويحاولون أن يعيدوا صياغة حياتهم ومن حولهم وفق تلك الرؤية. كانوا عباداً صالحين أكثر منهم مشتغلين بالسياسة وإن كان بعضهم من متابعيها، وإن كان فيهم ممن يغادره عمق المعنى والتزاماته وشروطه.
تغيرت أشياء كثيرة، فحسابات الحقل لم تنطبق على البيدر. ولم تعد اليوم سوى مرحلة لها حيز من الذاكرة.. يعود إليها أحيانا محاولا تفكيك ذلك النسق الذي عايشه بضع سنين..
لقد صار لها ما بعدها، وإن اشتغل البعض بنقدها دون أن يعيشها أو يعايشها عن قرب، وشنع عليها آخرون من خارجها، ولم يدركوا منها سوى ملامح عابرة، وقلما تقرأ منصفاً تحدث من داخلها بأمانة القارئ لملامحها وتفاصيلها.. إلا ذلك المستغل لتجربة بدائية ناقصة أو محدودة ليحاكم ظاهرة لازالت تلقي بآثارها..
يتذكر ذلك الشاب الذي رآه لأول مرة في مكتب المشرف على إسكان الطلاب. كان شابا طائشا متهورا شكلا وموضوعا. التقاه في بعض المحاضرات وفي أروقة الجامعة ولم يعره اهتماما. كان يشعر بالنفور من فجاجته وأسلوبه.. إلا أنه بعد عدة أشهر بدأ يلحظ عليه تغييرات واضحة. اطلق لحيته وقصر ثوبه وبدأ يستخدم السواك في كل وقت، وبدأ يردد التسابيح في كل آن حتى في قاعة الدرس. لقد أدخلوه في حيز الإيمان عبر ملء ذلك الفراغ الكبير الذي أشغله تهوراً وجفاء. كان بشخصه وطريقته مثالاً رديئاً في مشروع التأثير الإيجابي على الآخرين. وقد أصبح فيما بعد يسمى خطيباً وإماماً في أحد المساجد. كانت بيئة تستجيب لقبول مثل تلك الحالات التي تحولت من النقيض إلى النقيض. إنها مرحلة حملت معها ملامحها، حيث تسود فيها أيضا قيم التحول للتدين المفروض بشروط إلزام الآخر لا استيعابه.
كان يرى في بعضهم نماذج مثالية لدرجة اليقين.. لكنه بعد أن عبر عقوداً من السنوات، بدأت تظهر ملامح أخرى وبدأت تتهاوى أفكار وتعلو أخرى وبدأت تسقط قيم وتتمايز أخرى.. وتلك طبيعة التحولات الفكرية.. بل وطبيعة البشر العرضة في حساباتهم الخاصة لما يحكم مصالحهم وعلاقاتهم ومكاسبهم..
إن نقاء وصفاء طلاب جامعة لا يعني البقاء على تلك الصورة، حيث تبدى له فيما بعد الخلل الكبير بسبب ظاهرة لا تطال سوى مشهد وحيد، وهو مشهد التقليد والمحاكاة.. ليكتشف في مرحلة أخرى تلك التناقضات الحادة بين قيم العلو التي كان كثير منهم يبشر بها.. وانهماك الدنو في أرض الواقع تحت سطوة المال والنفوذ والشهرة.. ومسائل أخرى.
إنها بعض صور تتخطفها الذاكرة لمرحلة كاملة اتسمت بملامح لا يمكن تجاوزها دون قراءة وتوقف.. ولم تكن وحدها تلك التي عبرت مفازات السنين، بل قادته سنوات أخرى فيما بعد ليتعرف ويحتك بأفكار أخرى على النقيض تتصارع بشخوصها وجماعاتها ورؤاها.. لعلها تكون جزءاً من حروف وأفكار لتجربة شخصية لا تدعي الإحاطة، قدر ما ترى أن في التجربة ما يستحق التوقف والرواية.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
ظاهرة شيوع انحرافات استخدام تطبيق "سناب شات" تستحق التأمل والعجب وكثيراً من الحسرة. وهذه الحسرات يخفّف منها وجود بعض الاستخدامات الإيجابيّة التي تقدّمها أسماء رائعة تعرض محتوى راقياً يضيف إلى ذائقة وروح المتابعين العلم والنور والجمال. ولكن المقال هنا لا يستهدف هؤلاء وإنّما يعرض تساؤلات عن ظاهرة هي مزيج من السفاهة والصفاقة التي تتجاوز مفهوم "الهياط" إلى ترهات هذا التطبيق الجماهيري الرائع.
والسؤال المشكل هنا هو عن جدوى متابعة يوميات تافهة تاهت، أو تافه أعطاه الله المال وحرمه نعمة العقل حينما يستعرض متباهياً ما جلبته الأموال والثراء الذي لم يتعب فيه؟ وما هي دوافع من يقدّم للناس صورته وهو يعرض ساعة يكفي ثمنها لشراء منزل لأسرة في العراء؟ وما رسالته في الحياة هذا الذي يستعرض سيارة تتجاوز قيمتها المليون ريال ثم يندلق منها إلى مطعم باذخ يعرض منه صورة فاتورة عشاء تكفي لإطعام 100 محروم في حلب أو صنعاء.
إنّ مثل هذه الظاهرة تستحق من علماء النفس والاجتماع دراسات ترصد لنا مدخلاتها ومخرجاتها. والأعجب أن نشاطات بعض حمقى "السناب" لم تترك أحداً في حاله فترى بينهم من يصوّب عدسة كاميرته -بكل وقاحة- على كل من مر في طريقه ويبثّ مقاطعه دون حفظ لكرامة أو صون لخصوصيّة. وعلى الجانب الآخر ستجد قطيعاً "سنابياً" من النساء اللائي اتخذن من "سناب شات" حياة كاملة وبرنامج عمل يومي دون هدف أو غاية. بعض هؤلاء لا تستنكف عن عرض كل شيء عنها ولها فتشاهدها وهي "تهايط" دون حياء أو تعرض لك أين تمشي، وماذا تلبس وتأكل، وكيف تنام. ما الذي يجري وماذا أصاب بعض هؤلاء الناس حتى يتفاخروا بمظاهر البذخ والترف من داخل البيوت على المحرومين؟
إنّ شيوع "الوقاحة" لا يعني النجاح، وإنّ شهرة "الحمقى" لا تعني الفلاح، ولكن مثل هؤلاء الذين تكاثرت أصنافهم سيشكلون نماذج "مريضة" أمام أجيال الفتيات والشباب الباحثين عن قدوات. ومثل هذه الأمثلة المشوهة ستؤدي بلا شك إلى تشجيع الاستهلاك والبذاءة والجراءة في غير مكانها.
شاهدت مقطعاً لإحداهن وهي تتجوّل في عاصمة غربيّة وترفع عصا كاميراتها وسط الجموع لتبيّن صور محلات "الشوبنق" التي تنوي كما تقول قضاء نهارها في شراء آخر الماركات. وشاهدت مجموعة ممن تجاوزوا سن المراهقة العمريّة إلى سن العمل وهم يتنابزون بمقاطع بطولات الشتم والفضائح بزعم "قصف الجبهات" ولا يقدمون محتوى سوى مقاطع تفاهات هم محتواها الوحيد. ترى ماذا تقول سوى أين ذهبت المروءة والخلق الإنساني حين يصفعك مقطع صوره أحمق يستعرض "طقطقاته" على مساكين قدّر الله عليهم أن يكونوا فقراء أو خدماً وسائقين مستسلمين.
نعم هناك نماذج "سنابيّة" مشرّفة تعرض تجارب إنسانيّة مفيدة وتوصيات في قراءة الكتب وخبرات السفر والتقنية والمشورات المتنوعة ضمن ثراء معلوماتي مفيد ونافع. ولكن هؤلاء القلّة لا يجدون متابعات تقارب أعداد متابعي تلك "الفاشنيستا" التي تعرض الملابس الداخليّة وتعلّق بوقاحة بنات "الشوراع"، أو تلك التي تستفتح وتنهي يومها وهي تتحدّث مستلقية في سريرها وإلى جوارها من تسميه زوجها المنزوع المروءة والحياء. إنّ لكل نعمة آفة فاللهم لا تجعل هذه النماذج آفات ما رزقتنا
قال ومضى:
رواج "النفوس" الرديئة دليلٌ مؤكّد على "رخص" أثمانها.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
المقطع الذي أثار الرأي العام الخاص بالسيدة التي قطعت أسلاك السماعات في احدى المتنزهات رغم ان هذه السماعات لم تصدر منها موسيقى وإنما شيلات تتناسب مع توجه هذه السيدة ومؤيديها، يعطينا اختصارا لفوضى مفهوم الاحتساب لدينا، وهذا للأسف عانينا منه ولا زلنا منذ عقود ماضية تسببت في توقف مناحي الفرح لدينا.
على عكس هذا المقطع الفاجع والصادم كان المنظر اكثر رقيا وروعة ونحن نشاهد بناتنا بازيائنا الشعبية التي نفتخر بها يشاركن بالمحفل العالمي بأولمبياد ريدوجانيرو، ليعطي هذا الظهور صورة أخرى ومختلفة عن مشهد "سيدة السماعة" وبذلك لا يكون الانطباع عنا فقط متمثلا بجريمة الاعتداء على الممتلكات العامة، وإنما يكون مختلفاً وبصورة أكثر وضوحاً وهذا ما لاحظته من ابتهاج اكثر السعوديين ليلة السبت الماضي.
المكاشفة ومحاربة المعتدين على حريات المجتمع مهمة جداً ونحن نعيش مرحلة انتقالية جديدة لنكون مجتمعا طبيعيا، لا يكون تحت تصرفات همجية كما عايشناها في محافل فنية وثقافية متعددة، كمسرح جامعة اليمامة على سبيل المثال وغيرها الكثير، فغابت عن مدننا الفنون بأنواعها، مما انعكس علينا بشكل سلبي عدد من الظواهر الدخيلة علينا، وتشوهت فنوننا وأصبحت الفنون التشكيلية والمسارح والحفلات الغنائية من المحرمات الكبرى مما ولد ثقافة طريفة مفادها ان السينما والغناء للسعوديين فقط خارج المملكة..!!
تستغرب ان يكون خبر غناء الفنان محمد عبده بالطائف وكأنه حدث غريب ويحدث لأول مرة، هذا الاستغراب طبيعي في ظل وجود تباعد ما بين رغبات المجتمع وسيطرة فئة على الوصاية عليهم واعتبار أي نوع من إسعاد الناس من الاخطار التي سيكون لها عواقب وخيمة مستقبلا معتمدين على نظرية سد الذرائع.
وجود محمد عبده في محفل عكاظ الثقافي الهام يُفترض ان يكون بداية للعودة الطبيعية للمجتمع نحو الاستمتاع بالغناء والموسيقى، بعد ان كانت فوضوية الاحتساب مكدرة لصفوهم، وما حدث مع تقطيع السماعات التي كانت تصدح بصوت "منشد شيلات" الا مثال عن الجهل عند الكثيرين ووصايتهم بالقوة وبالفوضى على المجتمع.
السينما والمسرح وسائل ترفيه تطور المجتمعات، تعطي للتفكير بعُداً آخر، لا تتيح للجهل مكانا وهذا ما نحتاجه بمرحلتنا القادمة، فغياب الفنون ولد لدينا مجتمعا مُسيرا للأسف، برز فيه من استغله، فزادت مواردهم المالية، وانتشر ظهورهم عبر الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي، وها نحن نراهم يستمتعون مع ابنائهم في أرقى وأجمل المصائف خارج المملكة، والمساكين مثل التي أُطلق عليها محتسبة " السماعات" تعيش في دوامة مضادة مع مجتمعها، مما يجعل انقلابها على هذا المجتمع سهلا واصطيادها لتكون ارهابية أسهل، والأمثلة عديدة بهذا الجانب المحزن من تاريخ مجتمعنا..!!
أتمنى ان يكون حضور محمد عبده كما نُقل لي من خلال حفل كبير وليس مجرد "أوبريت" تحايلنا فيه على أنفسنا من سنين طويلة لكي لا نقول حفلا غنائيا حتى ولو كان للتغني بالوطن، وللامانة ألمس الكثير من التغير في هذا الجانب حيث تابعت العديد من الاحتفاليات المتنوعة في بعض مدننا، بعد ان كانت من المحذورات، نحن بحاجة لتوعية أمثال تلك المرأة وان تكون طبيعية في تصرفاتها، حتى لا يعُتبر تصرفها بطولة ويصبح تكرار ما فعلته أمراً معتاداً، مع رفضنا له لأننا بحاجة للفرح والبهجة والفنون.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
د. أحمد الفراج
عادت مأسأة الحزب الجمهوري إلى السطح مجددا، وذلك بعد أن اعتقد الجميع أنه تم لم شمل الحزب، بعيد مؤتمره في مدينة كليفلاند، قبل أسبوعين، فالمرشح المثير للجدل، دونالد ترمب، والذي يبدو أنه لا يستطيع فتح فمه دون أن يأتي بباقعة، استفز شرائح واسعة من الشعب الأمريكي، بتصريحه المسئ، ضد أسرة ضابط أمريكي مسلم، من أصل باكستاني، كان قد قتل في العراق، فقد قتل الضابط المسلم، همايمون خان في عام 2004، وقد ألقى والده، المحامي خضر خان، كلمة قوية ومؤثرة، في مؤتمر الحزب الديمقراطي، انتقد فيها دونالد ترمب، وموقفه من المسلمين، وتساءل عما إن كان ترمب قد قرأ الدستور الأمريكي، وبعد ذلك، انتقد دونالد ترمب والدة الضابط المسلم، غزالة خان، وتساءل عن سبب احجامها عن الحديث في مؤتمر الحزب، في إشارة إلى أن سبب ذلك هو كونها مسلمة، والإسلام يمنع ذلك، وقد كان هذا التصريح غير المسؤول من ترمب هو الذي أشعل شرارة لم ينطفئ لهيبها حتى الآن، لأن عدم مشاركة والدة الضابط في الحديث لم يكن بسبب كونها مسلمة، بل لأنها كانت، ولا تزال، تعيش ألم فراق ابنها، لدرجة أنها لا تستطيع مشاهدة صوره، ولا الحديث عنه.
هناك خطوط حمراء لدى الشعب الأمريكي، لا يمكن التسامح مع من يتجاوزها، ويأتي في مقدمة هذه الخطوط، التعرض لمنسوبي الجيش، خصوصا من قتل منهم في الحرب، فلقتلى الحروب مكانة خاصة في وجدان الشعب الأمريكي، وبالتالي فقد ارتكب ترمب خطأين فادحين، إذ طالب بمنع دخول المسلمين للولايات المتحدة، مع أن منهم من يخدم في الجيش الأمريكي، ثم أتبعه باتهام غير مسؤول، لوالدة ضابط أمريكي مسلم، قتل في ميدان الشرف، وهو الأمر الذي دفع السيدة غزالة خان بأن تهاجم ترمب، وتتهمه بأنه لم يقدم لبلده شيئا، وهذا أمر واقع، فقد تهرب ترمب من التجنيد لحرب فيتنام، مثله مثل معظم أبناء الأثرياء، من شاملة جورج بوش الابن وغيرهم، والمؤكد هو أن حملة ترمب، ووراءها الحزب الجمهوري، يعيشون أحلك أزماتهم منذ زمن طويل.
الآن، وبعد كل ما ارتكبه ترمب من أخطاء جسيمة، تتقدم عليه المرشحة الديمقراطية، هيلاري كلينتون، بأكثر من عشر نقاط، في معظم استطلاعات الرأي، وهذا أمر محبط للجمهوريين، والذين كانوا يؤملون في العودة إلى البيت الأبيض، بل إن بعض المعلقين يتوقعون أن لا يخسر الجمهوريون الرئاسة وحسب، بل قد يخسروا معركة الكونجرس، وهذا آخر ما يريده حزب لنكولن العريق، وعطفا على ذلك، فقد ظهرت على السطح تساؤلات جدية، عن إمكانية انسحاب ترمب من السباق، طوعا أو كرها، وترشيح شخصية جمهورية أخرى بديلا عنه، لأن فرص فوزه بدأت تتقلص بشكل كبير، مع إمكانية ارتكابه مزيدا من الأخطاء، خصوصا عندما يحتمي وطيس الحملات الانتخابية، خلال الأشهر القادمة، وهنا فإن خيارات الجمهوريين كلها مرة، فإن بقي ترمب، فإن فرصهم بالفوز ضئيلة، وإن انسحب، وهو أمر غير وارد، فإن الوقت قد لا يسعفهم للحاق والتعويض، فلنتابع وطيس هذه الحرب الانتخابية المثيرة.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
د.عبدالعزيز الجار الله
الأيام العصيبة التي كانت تعيشها قرى وواحات الجزيرة العربية قبل أكثر من قرن من الزمن وقبل أن تعرف بلادنا الاستقرار والأمان، حين كانت ثقافة الغزو والنهب سائدة بل هي الحياة لكثير من شعب الأرض التي لم تعرف دولا و حكومات، كان وسط الجزيرة ويقصد بجزيرة العرب : السعودية واليمن ودول الخليج وجنوب العراق وأطراف بادية الشام الجنوبية. كانت الواحات في الشريط الأوسط :الجوف سكاكا ودومة الجندل، العلا وتيماء، المدينة المنورة، واحات حائل، واحات وقرى القصيم الزراعية ، قرى سدير، الرياض، المحمل وثادق وحريملاء، الوشم، واحة الخرج، الحوطة ووادي الدواسر وبيشة، واحات الشرقية الأحساء والقطيف وقرى شاطئ الخليج العربي. جميع هذه الواحات والقرى والأرياف كانت تعيش أبشع أنواع الحصار والابتزاز السنوي وتبقى محاصرة لأشهر من منتصف نجم الثريا بداية شهر يونية السادس بالأشهر الميلادية من كل عام، حتى نهاية نجم سهيل وبداية الوسم في (15) أكتوبر.
هي فترة حصار تمتد من يونية وحتى منتصف أكتوبر، حصار يطوق الواحات والقرى الزراعية تطوقه قوى خارجية إما بالإجبار تحت تهديد السلاح أو التراضي والطواعية أو بالجباية تنفذه جماعات المدن القوية والمسلحة، أو جماعات البادية، والجيوش شبه النظامية، والجيوش المعتدية، والغزاة واللصوص وقطاع الطريق، لنهب محصول التمور السنوي الذي تنتجه الواحات والقرى الزراعية، وبعد الحصار الخانق والتهديد بالهجوم والاقتحام والتعريض لاستباحة القرية وأخذ الأسرى والسبايا يتم الاتفاق على اقتسام المنتوج الزراعي من التمر مرت مصادرة جميع منتوج النخيل.
أما لماذا الحصار في هذا الوقت من السنة فلأنه موعد (جداد) التمر أي جنى وحصاد منتوج النخيل، ولكونه الأمن الغذائي والقوة الاقتصادية لمناطق الصحراء الداخلية التي لا تجاورها بحار ولا محيطات تتغذى عليها أو تأتيها البواخر والسفن بالبضائع، ولكون التمر قيمة غذائية تخزن وتؤكل حتى نهاية الربيع القادم موعد موسمه الجديد.
حصار التمر صورة مؤلمة لمن يزرع ويغرس ويسقي طوال العام ليأتوا الغرباء وفي حالات الأصدقاء ليسطوا بالسلاح والاغتصاب ومصادرة كل مخزون القرية ويجعلونها عرضة للفقر والعوز والجوع والتشرد .
هذه الصورة عمرها حوالي (100) سنة عاشت عليها الجزيرة العربية لسنوات، القرى الانتاجية تغرس وتزرع والغزاة يخطفونه بقوة السلاح، فنتعلم من هذا المشهد الجائر أن الأمن لا يعوض وأن التفريط بالوطنية والانتماء لجسد الدولة هو جرنا إلى مسار غامض ونهايات مظلمة، الوطن الآمن لا يعادله بعد الله حب أي حب، وحب الوطن والوقوف أمام مسؤوليتنا هو المسار الصحيح الذي يجعلنا نطمئن على مستقبل الأجيال.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
د.عبد الرحمن الحبيب
هذا ما تقوله المجلة الطبية العريقة لانسيت في دراسة لترتيب 122 بلداً من حيث الخمول.. فسبعة من كل عشرة أشخاص اعتبرتهم الدراسة كسالى في مالطا وسوازيلاند والسعودية وصربيا والأرجنتين.. مسلطة الضوء على أن الخمول يتحول بسرعة لمشكلة صحية كبيرة خاصة السمنة.
كان هناك أناس في بلادنا تموت جوعاً صارت تموت من السمنة! فالسعودية حصلت على المرتبة الثالثة بمعدل خمول 68.8 % بعد مالطا الأولى في العالم بمعدل 72 % ثم سوازيلاند بمعدل 69 %. لكن قبل تناول وضعنا مع الكسل لنتعرف على الموضوع؛ فقد عرف باحثو لانسيت الخمول بالإخفاق في الوصول إلى 30 دقيقة من النشاط المعتدل خمس مرات في الأسبوع أو عدم القيام بتمارين رياضية مكثفة لمدة 20 دقيقة ثلاث مرات في الأسبوع كحد أدنى أو ما يعادلها من نشاط جسدي..
يقول الباحثون، إن نتائج الدراسة تم إصدارها لتتزامن مع دورة الألعاب الأولمبية لتحفيز الكسولين بأن يختاروا العيش لحياة أكثر حيوية وصحة. وأشار الباحثون إلى أن عدم ممارسة الرياضة هو حالياً السبب الرئيسي للوفاة (مرض القلب التاجي والسكري والقولون)، فالخمول مسؤول عن عُشر الوفيات في العالم، منبهين إلى أن ثلث الناس في العالم لا تمارس الحد الأدنى من النشاط الموصى به.
وكانت بعض الصحف المحلية تناقلت هذه الدراسة الأسبوع الماضي على أساس أنها بمناسبة اولمبياد ري ودي جانيرو الحالية، والواقع أنها كانت قبل أربع سنوات بمناسبة أولمبياد لندن، حيث فاجأت البريطانيين بأنهم من العشرة الأوائل في الخمول بالترتيب الثامن بنسبة 63.3 %.. وتناقلت الصحف هناك بسخرية أن البريطانيين جيدون في مشاهدة الرياضة وليس في ممارستها ما عدا نخبة قليلة أظهرت تفوق بريطانيا في الأولمبياد.. وقد أكلتهم الغيرة من الأمريكان (المسترخين آكلي البطاطس المقلية)، إذ نالت أمريكا المرتبة 46 بنسبة خمول 40 %، أي ستة من كل عشرة أمريكيين اعتبرتهم الدراسة نشطين..
أما أكثر الدول نشاطاً في العالم فهي الفقيرة وذلك نتيجة لطبيعة الأعمال التي يمتهنها غالبية الناس، تتقدمها بنجلاديش بنسبة خمول 4.7% أي تقريباً كل السكان نشطين، تلاها موزنبيق 7.1 % والكاميرون 8.3 %. إذا انتقلنا للدول العربية نجد أن الكويت أتت في المرتبة السابعة عالمياً في الكسل 65 % والإمارات في التاسعة 63 % والعراق في المرتبة 14 بنسبة 58 %.. ثم: لبنان 47 %، ليبيا 46 %، موريتانيا 44 %، الجزائر 41 %، تونس 36 %، ولم تشمل الدراسة بقية البلدان العربية.
ما أسباب الخمول؟ تعود أساساً لنمط الحياة العصرية، إضافة للمناخ والبيئة الاجتماعية والتقدم التكنولوجي، حسب الدراسة.. لكن الأسباب قد تكون متناقضة، فأهم سبب مشجع طرحته الدراسة هو المناخ، إذ نالت مالطا المقدمة في الكسل بسبب مناخها الرائع المعتدل الذي يساعد على الاسترخاء، وعلى النقيض السعودية حصلت على مرتبة متقدمة بسبب مناخها الشديد الحرارة..
لكن ليس المناخ وحده المؤثر، فبشكل عام، وجدت الدراسة أن الخمول يرتفع في البلدان ذات الدخل المرتفع، ويرتفع مع التقدم في السن، وهو أعلى في النساء منه في الرجال في البلدان التي بها قيود اجتماعية على المرأة، مثل ليبيا والسعودية (وفقاً للدراسة)، فالسعودية احتلت المرتبة الأولى بالنسبة لقلة النشاط النسائي حسب نتائج الدراسة. أما بين الرجال في الدول الغنية فقد ظهرت بريطانيا واليابان من بين أكثر البلدان كسلاً..
لماذا السعودية حصلت على المرتبة الثالثة في الخمول؟ الدكتور عائض القحطاني الأستاذ المشارك بكلية الطب، ذكر أن السمنة من أسباب ذلك، فحسب الإحصائيات فإن نحو 75 % من السعوديين مصابون بالسمنة أو لديهم زيادة في الوزن.. مرجعاً ذلك إلى بيئة المنزل والمدينة والعمل والمدرسة إضافة إلى العادات المتبعة وقلة توفر أماكن مخصصة لممارسة الرياضة.. وأكد أن المدارس أيضاً تعد بيئة مساعدة على السمنة لعدم وجود حصص رياضية في مدارس البنات.. (صحيفة الوطن).
كما يقول الكاتب الرياضي والأديب تركي ناصر السديري مؤلف كتاب «الرياضة في الإسلام» في حوار صحفي الأسبوع الماضي: ياليت أن وزارة التعليم، وجمعية محاربة الرياضة، تأمل وتدبر وتبصر دعوة عمر بن الخطاب.. وتجلي مقاصدها وغاياتها: علموا أولادكم الرماية والسباحة وركوب الخيل.. لو فعلت الوزارة ذلك، ووثقت بقيمة الرياضة وضرورتها لصحة ونفسية وبدن الفرد، وتعرفت على حقوق الإنسان الرياضية لما ترددت من إدخال الرياضة لمدارس وجامعة البنات، ولفعّلت المنهج والنشاط الرياضي في مدارس وجامعات الذكور (صحيفة عكاظ).
الأكيد أن الرياضة تربية بدنية وضرورة صحية جسمانية ونفسية ومهارة جسدية عند التعرض للحوادث الجسمانية، لكن ثمة ثقافة منتشرة لدينا بأن الرياضة للعب والترفيه فقط، لذا تُعامل في المدارس كحصة فراغ، فضلاً عن تقليص الحصص التي كانت مخصصة لها في السابق، وغياب المنافسة بين المدارس والجامعات على الألعاب الرياضية، وغياب الرياضة النسائية في المدارس.. وحتى في الأندية الرياضية تعامل الرياضة لدينا ككرة قدم فقط مما أثر في تدني المستوى الفني لكرة القدم نفسها عما كانت عليه لأن القاعدة المنشطة لها وهي الرياضة بشكل عام قد تدنى الاهتمام بها..
- Details
- Details
- قضايا وأراء
د. جاسر الحربش
ما هو الأوجب على الدول متدنية الإنتاج، استهداف مجتمع الرفاه الاستهلاكي، أم كبح الاستهلاك واستهداف مجتمع الإنتاج؟. لدي حدس أرجو خطأه، أن الرؤية الاقتصادية المبرمجة حاليا للتنفيذ تجتهد لاستمرار الرفاه الاستهلاكي. سياحة وترانزيت بضائع وطرح أصول وطنية في سوق الأسهم وإبقاء سوق العمل مفتوحا لتدفق العمالة الأجنبية، كل هذه مؤشرات اقتصاد استهلاكي ترفيهي بالمقام الأول.
فهم الفرق يحتاج إلى مقارنة قديم بجديد، مقارنة ما كنا عليه بما أصبحنا فيه. كل سعودي تحت سن الخمسين لا يعرف حقيقة واقعنا الإنتاجي في الماضي. حتى أواسط السبعينات الميلادية كان المواطن السعودي يعمل ليعيش، بمعنى يعمل لينتج ليأكل، أو يعمل مقابل أجر ليقايض ليأكل، وفي الحالتين كان يعمل ليعيش. الجميع كانوا يشاركون في العملية الإنتاجية بما في ذلك النساء والأطفال. سواء في الواحات أو السواحل، في الجبال أو الصحاري المفتوحة، الكل كان يعمل بما نشأ وتربى عليه. كان الإنتاج متواضعا لكن ليس ريعيا يأتي بلا مجهود، بل يتطلب مجهودا شاقا جدا يبعث في النهاية على السعادة بالمحصول والاعتزاز بالمتحقق.
في تلك الأزمنة لم يكن للدولة/ الحكومة دور مركزي في تأمين العيش ولا مصادر مالية تزيد عن المرتبات المتواضعة لحفظ الامن ومسك الدفاتر البيروقراطية وحسب التياسير بناء مدرسة أو مستوصف هنا او هناك. كلمة الرفاه لم تكن موجودة، والدولة/ الحكومة لم تكن قادرة على فتح الأبواب للهدر الاستهلاكي والاستقدام المفتوح والسياحة العبثية، ولا تستطيع صرف الأموال على مشاريع تكون فيها الوجاهة والفخامة جزءا معتبرا من التكاليف. بالمختصر كانت الحياة متواضعة جدا، لا رفاهية ولا دلع ولا سياحة أو برطعة استهلاكية، مجرد حياة صحية ومستقرة وتكافلية. من علامات صحة الحياة تلك أن المواطن بشقيه كان صلب العود مستقيما كالرمح، والدولة/ الحكومة تحسب المصاريف بالهللة. رغم المحدودية تلك أنجزت في تلك المرحلة قفزات هائلة في التعليم والبعثات الخارجية ثم تعليم البنات وكانت الرعاية الصحية الأولية أفضل من الوقت الحاضر. في الناحية الاجتماعية كان الناس يضحكون أكثر ويرقصون في الأفراح ببهجة أكبر، ولا يفترون على بعضهم بالكذب والانتقاص، ولا الأبناء يقتلون أهلهم ولا البنات يهربن من البيوت وكانت الأبواب مفتوحة على الشوارع.
إذا حصل شيء ما فكك البنيات الإنتاجية القديمة وغطى على بصرها فسحبها نحو الكسل والاستقدام والفجور في الاستهلاك لدرجة امتلاء القمائم بما كان في القديم يعد من أنفس المأكل والمشرب والملبس. انتقل المجتمع لغياب من يفكر له من استهداف الإنتاج للعيش إلى استهداف الرفاه الاستهلاكي بدون إنتاج. كانت قفزة غبية حدثت بحسن نية. ما حصل كان أن الدولة/ الحكومة وجدت فجأة خزائنها قد امتلأت بعائدات النفط دون توقع، فضخت الكثير من تلك الأموال من الاعلى إلى الأسفل، بافتراض أن هذا الشعب على مر الدهور والعصور كان فقيرا ومحروما من مباهج الحياة، فلماذا لا يستفاد من هذه الفرصة النادرة للنغنغة والفرفشة والانتقال من النوم على الأرض وتوسد الذراع إلى المخدة والسرير.
لم يرد أحد آنذاك التفكير في التحولات السيئة المحتملة، أي التحول من ارتباط الإنتاج والأكل بعرق الجبين إلى رفاهية الحياة الدودية الطفيلية والرمرمة على خراج الأرض.
والآن وقد حصل ما حصل ما هو الحل؟. الحل في جملة واحدة أن تعيد لنا الدولة الحكومة، لأنها هي القادرة على ذلك، عقلنا الإنتاجي الوطني القديم في خططها التنموية الحالية والمستقبلية، وتبتعد عن الترميم لاستبقاء نفس المفاهيم بهدف إطالة الحقبة الاستهلاكية. نريد العودة إلى المواطن الذي يعمل ليعيش، ومن الأولويات نحو ذلك الاستغناء عن العنصر الخدماتي الأجنبي سوى ما تتطلبه ضرورة المرحلة.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
عبدالعزيز السماري
لعل أشهر قضيتين في المحاكم السعودية تلك التي حدثت بمشاركة الجن، كان أولها قاضي الجن بعد تورطه في قضية اختلاس، ثم ادَّعى أن جنياًَ تلبَّسه، وأنه يُعَالج بالرقية الشرعية، وقد تمت تبرئته في المحكمة الإدارية، والقصة الأخرى كانت حكْماً قضائياً بقتل رجل في الثمانين من عمره بعد قبول القاضي شهادة نفر من الجن على الرجل المسن، ولم يصدر حسب علمي أيَّ نفي أو تصحيح لهذه الرواية المتداولة..
ربما تكشف هاتان الروايتان جانباً من الحقيقة المرة التي نحاول تجاهلها في كثير من حواراتنا، وهي أننا مجتمع لا يعيش كلية في الواقع المحسوس وظواهره كبقية الشعوب، ولكن نعيش حالة فيما بين الشهادة والغيب، وهو ما قد يكون أقرب لحالة انفصام جزئي عن الواقع، وهو ما سهل عمليات الاحتيال، والتستر على بعض الجرائم الشنيعة بستار القدسية والتنزيه.
هناك من يعتقد أن التيار النقدي يحارب التدين أو المفاهيم السامية للدين، ولكن ذلك غير صحيح، فالتدين ظاهرة شخصية واختيار فردي لا يمكن الاعتراض عليه، لكن الإشكال هو فعل الجريمة باسم الدين، ثم إلباسها رداء القدسية، أو الدفاع عنها، إما بالصمت أو عدم نظامية الإجراءات المتبعة..
لذلك كان الموقف في غاية الاستنكار من جرائم القتل والإرهاب باسم الدين، وذلك عندما شنت بعض الطوائف الدينية الحرب على المجتمعات باسم التكفير أو نشر العقيدة الصحيحة، في حين ندرك أن مصالحهم تختفي خلف أقنعة الخطاب الديني أو الطائفي العنيف.
كذلك لا تقلُّ جريمة السرقة باسم الدين عن القتل في شناعتها، وتعريف السرقة اختلف عن أزمنة السلف، والذين كانوا يقدمون مفاهيم لا يمكن قبولها في العصر الحاضر، فعلى سبيل المثال لم يعد هناك مؤلفة قلوبهم، يحق لهم مال الأعطية من بيت المال، كذلك غابت ثقافة الغنيمة في عصر التنمية والدخل القومي ودخل الفرد، ولم يمكن قبول تقسيم الدخل العام بين الناس على أنه غنيمة..
لهذا الأسباب علينا إعادة تقييم مفاهيم الجريمة حسب لغة العصر، فالقتل باسم الدين هو جريمة، كذلك السرقة تحت غطاء الدين أيضاً جريمة كبرى، وأيضاً الادعاء بالاتصال بقوى الغيب كالجن لتبرير جريمة، أو الادعاء بأخذ شهادتهم ضد إنسان، هو ضرب من الخيال المهووس بالفكر الإجرامي والمتلبس بالدين.
يتفق الكثير أن الحداثة الغربية اتخذت مواقف في غاية العدائية ضد تسلط الكنيسة واستغلالها لقيم الغيب في تسيير الواقع وفق أهواء رهبانها، لكن تمادي الرهبان في استغلال سلطة الله جعلهم في موقف لا يُحسدون عليه عندما تم إقصاؤهم من الحياة السياسية والاجتماعية، لسبب استغلالهم الشنيع في تطويع التفسيرات الدينية لمصلحتهم المادية والشخصية..
في تاريخنا الديني كان الموقف من إدراك تدخل قوى الغيب في الحاضر قضية خلاف بين علماء الدين في ذلك الزمن، ولم تكن محسومة على وجه الإطلاق، وحاول بعض العلماء تقديم تفسيرات دينية تعتمد على نصوص قرآنية في إبعاد معرفة الإنسان بتدخل الغيب في الأحداث الدنيوية، وربط الواقع بأحداثه الملموسة، لكنهم فشلوا، مما فتح الباب في العصر الراهن لاستدعاء الحداثة الغربية لوقف التسلط والجرائم باسم الدين ..
من المفاهيم الشائعة والخاطئة أن يعتقد البعض أن التدين علامة على الصلاح أو الإصلاح، وهذا غير صحيح، فسيكولوجية الاستقامة تختلف في تكوينها عن التدين، وصلاح الإنسان في حياته العملية والمهنية والاجتماعية له علاقة أساسية بالتربية أولاً، وثانياً بصلاح النظام والمجتمع، ويرتبط أيضاً بالعدالة والحزم في تطبيق القوانين على الجميع بدون استثناء، وفي تعزيز مفاهيم إصلاحية في قضايا الكسب المشروع والعمل..
خلاصة الموضوع أننا لازلنا عاجزين عن تجاوز ذلك الخلط العجيب بين الغيب والواقع، وذلك لأسباب لها علاقة بالتحيز الأيدولوجي أولاً، وثانياً بعدم الإقدام على تقنين القضاء بمصطلحات قانونية صرفة، لا يمكن أن تنحاز إلى تفسير ديني عن آخر، وإذا لم نفعل ، فعلى المحاكم أن تكون مستعدة أيضاً للنظر في قضايا العين والحسد ..!، والله المستعان.
- Details