قضايا وأراء
- Details
- قضايا وأراء
استرحنا فترة من الزمن إلى فكرة أننا بريئون من لوثة التعصّب الذي يحمله -كما نردّد دوماً- (فقط) فئة من الشباب ضلّت طريقها فضيّعت المنهج وكانت النتيجة أن حوّلت تعصبها الفكري إلى سلوك عنيف. وليتنا اكتفينا بهذا ولكننا حين بدأنا في تشخيص مصادر العلّه وعلاجها اكتفينا في معظم الأحوال بتوزيع المهدئات الفكريّة ونحن نتبادل التهم ونقذف الإنترنت والإعلام والشرق والغرب بكل الشرور والآثام.
المنطق المجرّد يقول إن المشكلة الفكريّة لم ينتجها سوانا ونحن من سيتحمل آثارها. لا ذنب للإنترنت ووسائط الإعلام والتقنية ولا مشكلة مع الشرق والغرب، بل لقد كشفت لنا كل هذه الوسائط – مشكورة-ما نتعامى عنه أو نتناساه. شبكة المعلومات وثّقت لنا منتجات الواقع في مقاطع اليوتيوب فكشفت لنا واقع أبنائنا وهم يتعاملون مع المخالف (الند)، ومع العامل الضعيف، ومع الطريق والشجرة الخضراء، والمتنزه البري الجميل. وحين ظهرت خدمة "الكيك" وحمّى "ستاند اب كوميدي" و"السناب" وبقيّة "الكواشف الإلكترونيّة" أظهرت في قسم كبير منها حجم تفاهة "الفكر" ونفاق المجتمع حين صدّر تفاهاته إلى الشاشات ثم عاد ليستورد منها نجوماً موجهين للمجتمع عبر الملتقيات وشاشات التلفزيون. وحين تحاول تشخيص الظاهرة في حوار هادئ يصفعك متعصّبون سادرون برأي قامع قاطع يصمك "بالتزمّت" وأنّك لا تفهم ما يجري فهذه الأجيال تعبّر عن ذاتها.
كيف يمكنك محاورة من لا ينصت لحقيقة أن ثقافة "التعصّب" التي أنتجتها الشوارع الخلفيّة باتت اليوم سيدة المشهد الإلكتروني موثقة أبشع الصور السلبيّة عنا؟ وليت هذا يكفي ولكن السؤال الكبير يقول: من سيعالج أو سيحتمل الآثار الكارثية لتأطير شخصيّة الجيل وتكوين وعيه عبر الشاشات بين حدّي التعصّب: الانفلات والفوضى، والتزمت في الرفض والعدوانيّة؟
لم نسأل أنفسنا – ولا نريد أن نسأل-عمن وضع المحتوى العربي على الإنترنت ومن صنع نجومه، ومن يملك ويموّل الإعلام العربي ومن يتّهم من؟ وفي ظل "التيه" العربي وحيث لا مرجعيّة واضحة ترشّد محتوى هذه المنابر المفتوحة فإننا أيضاً محتاجون إلى الإقرار بأهميّة سؤال وتشخيص مفاعيل ثقافتنا الشعبيّة ذات التأثير الأعمق في شخصيّة أبنائنا وتكوين وعيهم وعلاقتهم بالناس والأشياء من حولهم. الواضح اليوم أن لم يعد هناك فرق واضح بين قيمة ثقافة "القيم" العليا وما ينتجه المجتمع في انهزامه ليبرر التحاسد والتباغض والتصارع حول مصالح الأنا وشيطنة "الآخر". وفي هذه الحاضنة الفكريّة المضطربة نشأ جيل الكتروني "منتفخ" الشهرة "ضامر" المبدأ يقول ما يريد عما يرغب بما يشتهي مدعوماً بهتافات جموع المتعصبين من حوله ومدعوماً بإرث "البطل" "الذيب" في ثقافتنا الشعبيّة الذي "يقدح من راسه" ولا يشاور أحداً.
لاحظنا ما يجري حين أتى "تويتر" سبورة الرأي الحرّ على حائط الزمن العربي البائس. شاهدنا على "تغريداته" جماهير الشيخ" فلان"، ومعجبي الفنانة "فلانة" ومشجعي النادي "زعطان" وهم يجتمعون-ظاهراً-باسم الحب لرموزهم ويفترقون على الكراهيّة والتعصّب والأحقاد لبعضهم البعض.
إن التطرف الثقافي المجتمعي المخصّب للعنف والإرهاب لم يظهر لنا إلا وجهاً كالحاً واحداً من وجوه التعصّب العملي الذي لا نعلم مآلاته حينما يرتفع صوت القبلية أو يستصرخ التيار الفكري أنصاره، أو لحظة تحزّم "المذهب" بالطائفة، في منافسات الهويات الصغرى التي لا تفرز إلا المزيد من التعصّب والعصابيّين ... والله المستعان.
قال ومضى:
كيف (أحاورك) وهناك من يحتلّ رأسك.
لمراسلة الكاتب:
- Details
- Details
- قضايا وأراء
د.عبد الرحمن الحبيب
هل سبق أن وقعت ضحية إرشادات صحية وغذائية في الإنترنت بدواء أو عشبة فلانية أو فاكهة علانية أو طريقة علاجية ثم تورطت بها في مصائب لم تتوقعها؟ إن لم تكن كذلك فاحمد ربك على العافية العقلية أولاً والجسمانية ثانياً، فكثير من الناس تورطوا.
إنه فن التجهيل عن قصد أو غير قصد.. فن قديم زاده الإنترنت ازدهارا.. في دراسة علمية محكّمة (د. خالد النمر وآخرون، 2015) عن سلامة المعلومات الصحية في تويتر نشرت مؤخراً في مجلة أبحاث الإنترنت الطبية، وجد أن نحو ثلثي حسابات التغذية والحسابات الطبية غير الرسمية التي تغرد باللغة العربية كانت معلوماتها غير صحيحة وفقا لتقييم أطباء استشاريين (شهادة البورد الأمريكي). كما وجد بشكل عام أن حوالي نصف المعلومات كان غير صحيح، وأقل المعلومات صحة كانت لحسابات التغذية، بالمقابل كان أعلاها صحة هي الحسابات الحكومية الرسمية وحسابات الأطباء الرسمية. فانتبه لا تضع في بطنك ما يقترحه لك الجُهال، فأنت محتاج لصحتك ولعقلك أحوج!
المعلومات المزيفة ليست في مجال الصحة فحسب بل في كل مجالات الحياة. ديفيد داننغ من جامعة كورنيل الذي يدرس ظاهرة نشر الجهل يحذر من أن الإنترنت يساعد في هذا الانتشار. فهو المكان الذي يجد فيه كل شخص فرصته ليصبح خبير نفسه، مما يجعل هؤلاء ضحايا لأصحاب السلطة والنفوذ الراغبين في نشر الجهل عن قصد وتخطيط.
ما أكثر من وضعوا أنفسهم خبراء في موضوعات لا يتقنون فيها غير مهارة الحكي وتجربتهم الشخصية الضحلة. فما هي تكتيكات صناعة الجهل؟ يمكن حصر أهمها في ثلاثة. الأول هو إثارة الشك بلا سند من حقائق، والثاني تعمد الكذب أو التجهيل عن قصد أو غير قصد، والثالث تحوير جوهر الموضوع وجعله ثانوياً والفروع أساسية.
بالنسبة للنوع الأول نجد أشهر مثال عالمي جنسية الرئيس الأمريكي أوباما، فقد أدت الشكوك التي أثيرت لعدة شهور بدوافع سياسية حول جنسيته عن طريق معارضيه، إلى اضطراره لإبراز شهادة ميلاده. مثال عالمي آخر هو إثارة الشكوك بأن السعودية تتعمد خفض أسعار النفط.. لقد توصل روبرت بروكتور (مؤرخ علمي بجامعة ستانفورد) في دراساته أن الجهل ينتشر عندما لا يفهم كثير من الناس حقيقة ما أو فكرة ما، حيث تقوم جماعات المصالح الخاصة مثل شركة تجارية أو جماعة سياسية بعمل جاد لخلق حالة من الارتباك والحيرة إزاء قضية من القضايا.
في النوع الثاني لدينا أمثلة محلية يصعب حصرها مثل ما ذكر في المقدمة، ومثل نشر خرافات حول: فئة اجتماعية، تيار ثقافي، طائفة دينية، منطقة جغرافية.. إلخ، أو حول شخصية معروفة. وعلى المستوى العالمي يقول دانينغ: «دونالد ترامب (المرشح اليميني المتطرف) هو المثال الواضح في الوقت الراهن في أمريكا، فهو يقترح حلولاً سهلة لمناصريه، لا هي دستورية، ولا يمكن تطبيقها عملياً... القلق الذي أشعر به ناتج ليس عن عدم قدرتنا على اتخاذ قرار، ولكن من أنه أصبح من السهل جداً أن نتخذ قراراتنا».
في النوع الثالث مثاله عندنا حين تتعرض شخصية مشهورة للاتهام بحقائق واقعية أو الإدانة الرسمية بسرقة كتاب أو تزييف شهادة دكتوراه أو ادعاء عدد ضخم من المتابعين في شبكة الإنترنت.. الخ، يكون رد المدان أو المتهم بأنه شخصية معروفة ومفكر ماهر ليس في حاجة للسرقة أو التزييف أو الادعاء الكاذب. الحاجة أو عدم الحاجة موضوع آخر ليس في صلب الدعوى، بل تحوير له كما يحور رجل ثري متهم بالاختلاس بأنه ليس بحاجة للمال.
يقول بروكتور: «كنت أعكف على استكشاف كيفية نشر الشركات الكبيرة والقوية للجهل من أجل بيع منتجاتها.. وبت على قناعة بأنه يتوجب على المؤرخين إعطاء هذا الأمر اهتماماً أكبر.. في الوقت الذي يستفيد فيه بعض الأذكياء من المعلومات المتوافرة على الإنترنت، فإنَّ كثيراً منهم يقعون في براثن الخداع حين يصدقون ما يقوله أصحاب الخبرات المزيفة».
لقد نقل الإنترنت موقفنا المعرفي بشكل جذري حين تحولت المعرفة إلى معلومات تباع وتشترى. هذا ما اعتبره ليوتار إخضاع المعرفة للتجارة، فأصبحت المعرفة منفصلة عن سؤال الحقيقة. لم تعد المعرفة تحاكم في مدى حقيقتها بل كيف يمكنها خدمة غاية معينة. وعندما نتوقف عن السؤال المعرفي «هل هذا حقيقي؟» ونستعيض عنه بسؤال «كيف يمكن بيعه؟»، فإنَّ المعرفة تتحول إلى بضاعة. وهنا يتخوف ليوتار من أن ذلك إذا حدث فإنَّ الشركات الخاصة قد تسعى إلى التحكم في تدفق المعرفة، وتقرر من يمكنه الوصول إلى هذا النمط من المعرفة ومتى.
كيف يواجه الفرد هذا المأزق؟ لم تتراكم معرفة منهجية إزاء مواجهة التزييف في الإنترنت، والمطروح هو اجتهادات. من خلال تجربتي لعدة سنوات في الدورات التدريبية لتحري مصداقية مصادر البحث العلمي يمكنني اقتراح ثلاثة أمور. أولاً: طريقة البحث المناسبة بمعرفة الرموز وعلامات الترقيم لكل محرك بحث، خاصة جوجل حيث هناك رموز وخطوات توضيحية تسهل للباحث الوصول للمعلومات الموثوقة والبحوث والتقارير الرصينة.
ثانياً: الاختيار المناسب بين هذه المواقع من خلال تقييم درجة الثقة بمعلومات المحتوى. هل هي من أبحاث محَكَّمة علمياً ودراسات متخصصة وإحصاءات من جهات بحثية أو حكومية؟ وإذا كانت غير ذلك فهل المصدر يذكر المرجع الذي استقى منه المعلومات، أم أنه يقدح من رأسه تارة وينقل معلومات من آخرين تارة أخرى ويضعها في غير موضعها؟ وهل هو متخصص؟ ما هو تاريخ صدور هذه المعلومات.. قديمة أم حديثة؟ هل اللغة المستخدمة لغة موضوعية أم إنشائية.. حقائق أم آراء شخصية؟ نتائج أم استنتاجات؟ هل هي استقرائية (أدلة مادية)، أم استنباطية (أدلة عقلية)؟ درجة الثقة ترتفع مع الدراسات والإحصاءات المتخصصة وتنخفض مع المواقع الصحفية وتهبط كثيراً مع المواقع الاجتماعية وأكثر هبوطاً مع المواقع الشخصية.
ثالثا: التركيز على صلب الموضوع لالتقاط المعلومة المطلوبة، واختيار الأهم من المهم، وإدارة الوقت وتجنب عوامل الإلهاء والتشتيت المخرجة عن موضوع البحث، فالإنترنت يزخر بإجابات مغرية لكنها غير ضرورية للبحث.. «الحصول على المعلومات من الإنترنت مثل محاولة الحصول على كأس ماء من شلالات نياجرا»، حسب وصف العالِم وكاتب الخيال العلمي آرثر كلارك.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
عبدالعزيز السماري
كنت في السابق أحد الذين يؤمنون أن السياسة فن الممكن كما يطلق عليها بعض المفكرين، وأنها أيضاً لا تمت بصلة لفنون الإدارة كما يتعلمها التلاميذ في القاعات، لكنني توصلت لقناعة أنها أقرب لأن تكون نزعات شخصية، ودوافعها سيكولوجيا الأشخاص أو الزعماء الذين يملكون القرار في بلادهم.
يساهم النظام السياسي المشترك، والذي تديره المؤسسات في معالجة اندفاع بعض الزعماء بسبب دوافعهم النفسية في العقل الباطن، لكن ذلك لا يعني عدم وجود زعماء يجيدون صناعتها في الغرف المغلقة، ويملكون القدرة على تحريك أحجار اللعبة على السطح بدون المشاركة في اللعبة على السطح، والدليل أن بعض أسرار كثير من الأحداث السياسية الكبري يتم إطلاقها بعد مرور ربع أو نصف قرن من الزمان.
في القرن الماضي، وأثناء الحرب الباردة، كانت اللعبة السياسية مكشوفة، وتتكون من موقفين متنافرين، فعلى السطح تعبر عنها الخطب العنترية أو المواقف المتشددة عن أمر ما في الموقف السياسي، وتعلمنا من تكرار سيناريو أحداثها أن خلف تلك التصريحات النارية عادة تجري مباحثات دافئة بين الطرفين، وأن تلك التصريحات كانت فقط مجرد مناورة يتم إشغال المنابر الإعلامية بها قبل التوصل إلى اتفاق براغماتي صرف.
ما يجري هذه الأيام من أحداث وتصريحات يوحي للمراقب القريب والبعيد أن ثمة متغيرات خطيرة على الساحة، وأن الحرب العالمية الثالثة في طريقها للاندلاع، فقد اشتعلت الساحات الإعلامية بتصريحات التدخل في سوريا، وفي الاتجاه الآخر أطلقت موسكو التحذيرات من أن الحرب ستطول إذا قرر العرب التدخل في الشام، وأن ذلك سيؤدي إلى حرب عالمية.
في نفس الوقت تجري على هامش هذه التصريحات تحركات خطيرة على رقعة الشطرنج من جانبي روسيا وحزب الناتو، وتظهر خارطة مواقع حزب الناتو في أوروبا الشرقية تقدم لقواتها ولحصارها حول روسيا، وقد يمثل دخول روسيا إلى سوريا محاولة غير متوقعة للخروج من الحصار والبحث عن حلفائها في المنطقة مثل سوريا والعراق وإيران.
يبدو أن الاحتكاك بين الغرب وروسيا التي تشعر بالمهانة والإذلال وصل إلى مرحلة متقدمة جدا في سوريا، وقد تشهد الأيام القادمة مفاجآت، قد تشعلها تركيا أو تكون رأس حربتها التدخل العربي في سوريا كما أعلن عنه، ويظهر للمتابع أن إيران على علم بهذه الأحداث، وقد نجحت في هزيمة واشنطن في العراق، وتبحث عن مواقع جديدة لها في سوريا.
الحاضر والغائب عن هذه المناورات هو عقلها الباطن المتمكن، والذي تقوده واشنطن، والتي تحلم في الوصول إلى إحكام القبضة على العالم، وترى في جنون بوتن عائقا سياسيا وعسكريا، فالرجل مهووس بإعادة القوة السوفيتية إلى سابق عصرها، وواشنطن تدفعه بهدوء إلى الهاوية.
لازالت واشنطن في حيرة في كيفية مواجهة تحركات بيوتن في سوريا، وربما تساهم محاولة فهم شخصيته في إدراك عواقب غزوه المفاجئ لسوريا، والدراسات النفسية تتحدث عن بوتين على أنه شخصية استخباراتية مرتبطة بالنظام السوفيتي القديم، ويشعر بالمهانة شخصيا من سقوط الاتحاد السوفييتي وإمبراطوريته، ومصاب بعمى المخاطر، ولن يتردد في المضي في أي اتجاه من أجل إعادة وهج الإمبراطورية الغائب.
ما يزيد من المواجهة خطورة هو نظرة الاحتقار التي يشعر بها من الإعلام الغربي، وتزيد مشاعر إحساسه بالنظرة الدونية من اندفاعه نحو الخطر والمواجهة مع الغرب، ويظهر ذلك في الاندفاع الإعلامي لبوتن، والذي أصبح ظهوره الإعلامي ملفتا للنظر، ويكاد لا يغيب عن الأحداث اليومية.
حسب تسارع الأحداث يبدو أن بوتن اختار الساحة السورية لأن تكون المسرح لتحدي أمريكا بعد خسارته لمواجهة أوكرانيا، وربما لأن تكون الميدان القادم للحرب العالمية الثالثة، ما لم تجر الرياح في اتجاه آخر، وتعود الغلبة للحكمة وسياسة الرشد، والحرب إن بدأت ستكون حربا نووية مدمرة للجميع، وسيموت بسببها الملايين في إيران وسوريا والبلاد العربية في المنطقة، والله المستعان.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
خالد بن حمد المالك
مرَّت عقود شهدت بعض دول منطقتنا بعد تحريرها من الاستعمار استقراراً لا يضاهى في ظل الأنظمة البوليسية التي تعاقبت على تولي الحكم فيها، وعاش مواطنوها خلال هذه السنوات أمناً وراحة بال بأكثر مما هو موجود في كثير من دول العالم الكبرى، فمنذ انتقال السلطة من المستعمر المحتل إلى أبناء البلاد، ومع الانقلابات العسكرية التي مرت بها بعض دول المنطقة وتحديداً العراق وسوريا، ولاحقاً ليبيا واليمن، فإنَّ تغيير الأنظمة الحاكمة لم يلق بظلاله على ما كان متوقعاً من تأثير لا يلبي متطلبات الأمن، ولا يخدم الاستقرار، إِذْ إن الأنظمة العسكرية واحدة بعد الأخرى التي تعاقبت على هذه الدولة كانت من أولوياتها أن تحكم سيطرتها على الأوضاع حتى ولو بالحديد والنار، وهو ما وفر حالة من الأمن والاستقرار المطلوبين، وإن كان حكم العسكر لم تقبل به الشعوب منذ ذلك الحين وإلى اليوم.
***
صحيح أن العراق وسوريا، كانتا موعودتين بانقلاب عسكري لمرة أو لمرتين سنوياً وبشكل متكرر قبل أن يحكم حزب البعث سيطرته على نظام الحكم في الدولتين، وأن اليمن هي الأخرى لم تكن استثناء من هذه الظاهرة بسيطرة المخلوع علي صالح على مفاصل الحكم فيها، ليبقي الحال في هذه الدول هكذا حيث استقرار الأوضاع بعد أن سلمت شعوبها أمرها وقبلت -وإن كانت مرغمة- بالتعايش مع حكم العسكر، لكون هذه الأنظمة أفضل لها بكثير من أن تكون إرادتها ومقدراتها مرهونة بيد الأجنبي المحتل، كما هو الحال الآن في كل من سوريا والعراق، وعلى أخف قليلاً كما هو في لبنان، حيث القرار يصدر من طهران، ومواقف هذه الدول يجب أن تكون بالتنسيق والتواطؤ معها، حتى ولو كان في ذلك ضرر بمصالحها وعلى حساب المس باستقلالها.
***
صحيح أن الدكتاتوريات القمعية التي اتسمت بها طبيعة الأنظمة العسكرية التي لم تغب شمسها إلا مع فترة مجيء ما سمي الربيع العربي، كانت دموية، وبعيدة عن الالتزام للمواطنين بالتعامل وفقاً لحقوق الإنسان، غير أنها كانت تتمتع على الأقل بالاستقلال في قراراتها، وتوفر مظلة آمنة لحياة المواطنين، وتمنع أي تدخل أجنبي يمس شأنها الداخلي، ولا تساوم على ما يعرِّض سلامة أراضيها للخطر، وهي جوانب إيجابية في موازاة القهر والظلم والقمع الذي كان مظهراً واضحاً في طبيعة سلوك هذه الأنظمة العسكرية الظالمة.
***
لكن ما يجري في سوريا أو في العراق أو ليبيا أو اليمن اليوم، لا يمكن أن يُنظر إليه إلا أنه محصلة لثقافة سادت هذه الدول على مدى عقود، وكان نظام الحكم فيها، ولا يزال، يعبر عن حالة من الاستبداد والقهر والظلم الذي جعل من بعض المواطنين في وضع من يترحَّمون على الاستعمار، بل ويتمنون لو أن أنظمتهم تتأسى به وتحاكيه وتتعلم منه فن ممارسة حكمها للبلاد، عوضاً عن هذا الأسلوب القمعي المفزع الذي تأخذ به ولا تقبل أن تتنازل عنه، أو تفكر بغيره، طالما أنه يمكنها من الإمساك بالسلطة، ويحافظ على ما يمنحه استمرارها في الحكم من امتيازات لها، حتى ولو كان على حساب حقوق المواطنين.
***
هذا عن سوريا والعراق، ومأساتهما بعد رحيل صدام حسين وحافظ الأسد كما نراه اليوم، حيث إن إيران قد أحكمت تماماً قبضتها وبقوة على مقدرات الأمور في الدولتين بما لا قدرة لدى النظامين للتمرد عليها، أو عدم الإذعان لما تمليه من قرارات، أما لبنان المغلوب على أمره، حيث يتعذر انتخاب أي رئيس له دون موافقة إيران وعميلها حزب الله، وربما كان الخافي أعظم وأخطر، واليمن وما أدراك ما اليمن وما خططت له إيران لولا أن عاصفة الحزم أفشلت مخططها بأن يكون تحت وصايتها بتمكين المجموعة الحوثية من السيطرة عليه بانقلابها على الشرعية، بما يؤكد أن نراه الآن من جرائم وإرهاب وفوضى ما كان لها أن تكون لولا هذا التدخل الإيراني السافر.
***
وأمام هذا المشهد، ما كانت وما أصبحت عليه بعض دولنا العربية، وامتداداً بعض الدول غير العربية، فإنَّ هناك ما لا تخفيه الوقائع والأحداث عن جرائم إيران التي أوصلت دول المنطقة والعالم إلى ما هو عليه من فوضى لا يحسن أن يقوم بها ويهندسها بمثل هذه المهارة الفائقة والتكتيك الخطير سوى ولاية الفقيه في إيران، والسؤال: وماذا بعد؟!.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
د. جاسر الحربش
تطورت قضايا المرأة في المجتمع السعودي إلى جرح نازف ومحرج لا يوجد في مجتمع إسلامي آخر ولا حتى في مجتمع كافر. إنها إشكالية حقيقية أن يكون الإِنسان أنثى في مجتمع له مقاييس الحكم السائدة على الخطأ والخطيئة. في الأمر مساس لا يحتمل بكرامة مؤصلة في التشريع الإسلامي وفي الفطرة السوية، كرامة الإِنسان الذكر والأنثى وكرامة المواطن والوطن كوحدة يجب أن تندمج وتتطور نحو الأفضل والأغنى والأقوى، وأن يكون ذلك داخل هيبة الدولة التي عليها المسؤولية الأولى في حفظ وتعزيز هذه المكونات بما في ذلك الدولة نفسها.
الكلام هنا عن آخر التعديات المنفلتة على المرأة والمحسوبة على شعيرة الاحتساب. الاحتساب في الدولة السعودية له هيئة رسمية تديره، ولكن تكرر التعديات يشير إلى خلل في ضبط فعالياتها بطريقة مقنعة تحول دون الجنوح المتكرر ونسف متطلبات كرامة المواطن والوطن والدولة، ثم تنتهي بالاعتذار والوعود بالتأديب وتصحيح الوضع.
مع تكرار التعديات المحسوبة على الاحتساب، خصوصاً تلك التي تتعلق بالنساء، وصلت الأمور إلى درجة مزعجة توجب المطالبة بإحصائية حكومية عن أعداد التعديات التي مارستها السلطات المخولة بالضبط الجنائي والتأديب (وزارة الداخلية والإمارات) وهي قليلة إن وجدت، لمقارنتها بمثيلاتها المحسوبة على الجهة المخولة بالاحتساب الميداني. هل يوجد شك حول من ترجح كفة التعديات في اتجاهه إذا جمعنا منع الطالبات من مغادرة المدارس في حالات الخطر الشديد بدون العباءة والحجاب، والمطاردات المنتهية بالموت، والاحتجازات لمجرد الشك، ومصادرة الممتلكات الشخصية للمرأة (شنطة اليد والجوال)، بالإضافة إلى الاتهامات الأخلاقية التي يتم لاحقاً نفيها بعد أن تكون قد بثت سمومها في حياة من تعرض للتعدي ودمرته هو وعائلته وأقاربه.
أليس من المستغرب ومما لا يستقر في الفهم السليم أن يكون التعدي العنفي غير المبرر المحسوب على الجهات الأمنية الميدانية العسكرية يكاد يكون في خانة الندرة، بينما يتحول العنف المحسوب على شعيرة النصح والتوجيه الدينية أكثر تكراراًً وأفدح نتائج وإزعاجاًً للحياة الاجتماعية؟.
إنه بالفعل وضع غريب ومزعج أن نعيش في مجتمع يكون فيه العسكري الأمني المسلح أكثر هدوءاً وصبراً وتعقلاً من ذلك المدني المحتسب الذي يتجول بين الناس بهدف النصح والتوجيه، وهو المكلف بالاكتفاء بتقديم الملاحظات الميدانية ثم طلب التدخل عند الحاجة لدى من هو أعلى منه في التراتبية التنفيذية المسؤولة.
الآن تنتشر في كل الفضاءات المحلية والعالمية لقطات لرجل يجري خلف امرأة سعودية (والمهم أنها امرأة وليس الجنسية)، وهذه المرأة ساترة نفسها حسب ما يوجبه الشرع ولا خلاف فيه. ثم تحدث بعد ذلك أشياء مزعجة وغير كافية لتبرير مطاردة المرأة حتى إسقاطها في الشارع. يتم الإمساك بالمرأة المسكينة وتسقط على الأرض لينكشف من جسدها ما هو محرم كشف ستره، وتصبح لحماً مكشوفاً منتهك الكرامة أمام عشرات وربما مئات العيون. تصرخ المرأة وتتوسل بنخوة الرجال الحاضرين فلا تجد سوى شاب عشريني واحد يتدخل للدفاع عن كرامة المرأة الشرعية والاجتماعية. عندما تحاول الوقوف على قدميها يركلها آخر فتسقط على الأرض مرة أخرى.
بقية القصة أصبحت تلوكها الشائعات والتبريرات والتلفيقات المريضة. سوف نرى كيف يكون التعامل الحقوقي مع هذه الفاجعة الاحتسابية الجديدة، والمؤمل ألا ينتهي بالاعتذار والوعود كما سبق وتكرر.
والآن هذا السؤال : ترى أي مجتمع كريم في عالم اليوم المكشوف للتسجيل بالصوت والصورة يتحمل أن تسحب وتجرجر وتركل نساؤه في الشارع وأمام المتسوقين، ويبقى الحضور متفرجاً مكتفياً بالصراخ والتصوير؟. كرامة المرأة بالذات هي العنوان الأعلى لكرامة الرجل والمجتمع والوطن والدولة، وإن كان ولابد ولا مناص من الاحتساب الجسدي ضد المرأة في الشارع، فعلى الأقل أن تتم إدارة هذا التوحش بإناطة المهمة إلى امرأة مثلها وحسبنا الله ونعم الوكيل.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
سعد الدوسري
عندما يشعر الوالدان باليأس من مخالفات ابنهما المتواصلة، فإنهما يقومان بحبسه في الغرفة وحرمانه من الحلوى ومن الألعاب التي يحبها. ويحذر علماء النفس من هذا النوع من العقوبات، لأنها قد تؤدي إلى ردة فعل أكثر خطورة من المخالفات التربوية التي ارتكبها الطفل.
هذا المناخ، سيطر عليَّ وأنا أقرأ تصريحات وزير التعليم الدكتور أحمد العيسى، التي وجّه من خلالها بوقف كل صلاحيات مسؤولي التعليم العام والجامعي فيما يتعلق بالانتدابات والتكليفات بالعمل خارج وقت الدوام الرسمي، رغبة في استثمار الإمكانات المالية المتاحة الاستثمار الأمثل. وقبل أن أربط بين الحالتين، يجب أن أؤكد أنْ لا أحد بمقدوره أن يعتبر هذا القرار خارج المصلحة العامة، بل على العكس. فالهدر المالي في دوائرنا الحكومية، سواءً بجهل أو بحسن نية أو بفساد واختلاس، كان السبب الرئيس في تخلف منتجاتنا الحكومية. وكنا ننتظر دوماً مَنْ يأتي لينظف أروقة الوزارة من آثار هذا الهدر. ولأن الإنتظار طال، فلقد غدونا مثل أوراق شجر يابسة في ريح متلاطمة، كل هبّة في إتجاه. والخوف أن تكون القرارات الجديدة للوزير العيسى، ذات نتائج عكسية، إن هي لم تملك مساحة من المرونة التدريجية، إلى أن يتحقق الهدف، كونه هدفاً وطنياً يأمله الجميع ويتطلعون لنتائجه الإيجابية التي ستنعكس على واقع التعليم بشكل عام.
في النهاية، لن يُصْلِحَ أمرَ التعليم إلا الضبطُ الصارم للأداء التعليمي، والضبطُ الصارم للمال الذي يُصرَف عليه.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
د.ثريا العريض
رغم أننا في حالة استنفار وحرب وإعادة هيكلة مستمرة وتحول, إلا أن قضية مجتمعية مهمة شغلت اهتمام الساحة الإعلامية والعامة في الأيام الماضية: هي ما حدث لشابة في مول النخيل.
التفاصيل معروفة وشبه متكررة الفحوى المؤلمة: منسوبو هيئة رسمية يتعرضون لمواطن/ة, ووسائل التقنية الحديثة تسجل التعدي على الضحية. وقد تفضلت الهيئة مشكورة بالاعتراف بخطأ منسوبيها!
ثم ماذا؟؟ أتوجس من تداعيات المستقبل مجتمعياً وأمنياً!
مسألة الأمن والأمن الفكري تشغل بالي باستمرار.
ومثل أم مسؤولة تتفقد أوضاع المنزل والشارع لتحمي أبناءها من الخطر, أرى بعيني زرقاء اليمامة مسببات الخطر الذي يهدد الوطن, ليس فقط من مصادر بعيدة كعدو خارجي يترصدنا بغزو أفكار أبنائنا وبناتنا، بل أيضاً من مصادر داخلية تجبر المواطنين على تحمل سوء المعاملة وتحرمهم من الاحترام المفروض عند التعامل مع أي فرد.
وحين يتعلق الأمر بالأمن فإن أسوأ الأوضاع أن يتصاعد الشعور العام بأن «حاميها حراميها»، حين يتكرر افتقاد الفرد الشعور بالأمن والحماية بسبب سوء تصرف من أُوكل إليهم حمايته وتغولهم ضده.
ومتى ما اهتز شعور الفرد بالأمن اهتز أيضاً اعتزازه بالانتماء.
أنا مع بناء كل مستلزمات الأمن وما يتعلق بها. وبودي أن أرى رجاله يقومون بحماية المواطن حين يعتدى عليه. ولأبدأ بأنني نيابة عن كل مواطن واع ومحب للوطن أشكر حارس الأمن «مبارك الدوسري».. شاب يستحق التكريم رسمياً وشعبياً، لأنه وضع قيمة الإنسان فوق قيمة حماية نفسه خوفاً من التغول المؤسساتي.
مثل مبارك الدوسري أرى أن ثمة شيئاً فادح الخطأ هنا؛ مسؤول رسمي يعتدي على مواطن متجاوزاً الإجراءات الرسمية. والمهدد فعلاً ليس فقط مواطن أو مواطنة أو مجموعة أفراد! بل الذي سيدفع الثمن هو استدامة استقرار الوطن.
انتبهوا جميعاً من أعلى القمة في وزارة الداخلية إلى قاع الأرض الذي سحبت عليه امرأة بعد ضربها: الوطن هو إيمان المواطن بالانتماء ولا يستدام إلا باستدامة شعوره بالاحترام على أرضه.
تذكرني الحادثة المتكررة بقضية حدثت بعيداً في تونس قبل أربع سنوات: شرطية تونسية شابة صفعت شاباً يسترزق ببيع خضار على عربية يدفعها في ميدان عام غير مسموح البيع فيه. الشرطية بعثرت الخضار على الأرض، والشاب متألماً لكرامته أحرق نفسه.. والباقي سجله التاريخ.
انتبهوا لأمن الوطن فكرياً ومادياً من الداخل: ضرب الهيئة لشابة مول النخيل وسحبها على الأرض لا يختلف عن صفع الشرطية التونسية للشاب بوعزيزي وبعثرة عربة خضاره على الأرض.
باختصار لنستفق لحقيقة بسيطة أثبتها تاريخ البشرية: حب الوطن وولاء المواطن يتوازى مع الشعور باحترامه. والمواطن الذي أصررنا على تعليمه ليس قاصراً عن معرفة الصح من الغلط, فلِمَ نجبره على ابتلاع فكرة مسممة «أنتم مجتمع حيواني يحتاج إلى شكم وإملاء ما تفعلون وما لا تفعلون»؟ وبدون هذا ستمتلئ الشوارع باللقطاء».
لا يسود الشعور بالانتماء والولاء لوطن في أي موقع وزمن تتغول فيه مؤسسات محسوبة على حماية المجتمع فتتحول إلى آلة عنيفة لجهة لا يهمها سوى أن تحمي موقع تسلطها والتحكم بأي طريقة. أنا مع بناء مؤسسات الأمن الداخلي وكل مستلزمات تتعلق بها وتدريب وتمكين رجالها. والهدف أن يقوموا بحماية المواطن حين يعتدى عليه.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
يوسف المحيميد
تكشف مصادر هذه الصحيفة أن وزارة العمل تدرس إمكانية وضع ضوابط تتيح لشركات الاستقدام في دول مجلس التعاون بتصدير العمالة المنزلية إلى المملكة، يبدو أن وزارة العمل استسلمت أخيراً بعد عشر سنوات من فتح سوق سوداء مخيفة في الداخل للمتاجرة بالعمالة المنزلية، فها هي تدرس إمكانية فتح فروع لشركات الاستقدام الخليجية داخل المملكة لخلق مجال للمنافسة بين الشركات المقدمة لخدمة الاستقدام وفتح المجال للمواطنين وتخفيفاً عنهم لحل مشكلة ارتفاع تكاليف الاستقدام.
حول ذلك ثمة ثلاثة أسئلة في ذهني، وأن أقرأ الخبر، فالسؤال الأول هو ما ورد في أذهانكم - أيها القرّاء - متى ستنتهي هذه الدراسة، خاصة أن وزارة العمل من أكثر الوزارات التي لا تتوقف عن الدراسة منذ سنوات، لدرجة أشعر معها أنها تحولت إلى وزارة العمل للدارسات والأبحاث العمالية، ومع ذلك لا شيء يحدث، فلا أحد يعرف نتائج هذه الدراسات، وحتى لو عرفنا النتائج، ما جدوى ذلك ما لم يكن هناك تنفيذ عاجل ومباشر، وحل سريع للعمالة المنزلية، بدلاً من فوضى المتاجرة بالبشر، التي استغلها كثير من ضعاف النفوس، وأصبحت قيمة العاملة المنزلية تصل إلى أربعين ألفاً للفلبينية والإندونيسية، وبهذا المبلغ يستقدم الخليجيون نحو خمس عاملات منزليات، مع أن دولنا متشابهة كثيراً على المستويين الاجتماعي والاقتصادي.
أما السؤال الثاني فهو لماذا لم يدرس هذا الأمر منذ بداية الأزمة، هل أوحى المواطن للوزارة بهذه الفكرة، من خلال هروبه من مكاتب الاستقدام في الداخل، إلى مكاتب خليجية في البحرين وقطر أكثر سهولة في التعامل، وأقل تكلفة، وأقل وقتاً لحين وصول العاملة المنزلية؟ إذا كانت الوزارة اهتدت بالفكرة من خلال المواطن، وتحاول أن تفعِّل ذلك من خلال (بيدي لا بيد عمرو) فهي ليست مؤهلة للدراسات واتخاذ القرار، لأنها ستبقي الدراسة لسنوات دون أن تتخذ قراراً في ذلك.
أما السؤال الثالث والأخير، فهل لنا الحق بالسماح، أو عدم السماح، لهذه الشركات بالعمل داخل البلاد، ألا يعني التوقيع على اتفاقية التجارة العالمية منح المستثمرين والشركات فرصة العمل والاستثمار في الداخل، بالمساواة مع الشركات الوطنية، بمنطق السوق الحر المفتوح، خاصة أن نشاطها مما لا يعارض أنظمتنا وقوانيننا، أي لا يصطدم بعاداتنا وتقاليدنا، وما نسميه خصوصيتنا، مع أن الانضمام للتجارة العالمية يعني عدم الاعتراف بمثل هذه الشروط والأعراف!
أعتقد أن وزارة العمل فشلت فشلاً ذريعاً في حل ملف استقدام العمالة المنزلية، ولم تنجح حتى الآن، رغم محاولاتها غير الجادة لإنجاز ذلك، خاصة حينما تفتح الاستقدام من دول لا تلائم الأسر السعودية، وتعيد التجربة مراراً، مما جعل المواطن يلجأ إلى دول الجوار الخليجي!
- Details
- Details
- قضايا وأراء
محمد آل الشيخ
الكاتب المعروف الاستاذ «فهد الدغيثر» طرح في تويتر استفتاء يحمل ثلاثة أسئلة فحواها: الأول: هل أنت مع إلغاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟.. الثاني : هل تؤيد ضمها إلى وزارة الداخلية؟.. الثالث : هل أنت مع إبقائها كما هي عليه الآن؟
كانت نتيجة هذا الاستفتاء الإحصائي، أن ضمها إلى وزارة الداخلية نال النسبة الأعلى من بين من أجابوا على أسئلة الاستفتاء، وعددهم فاق الخمسين ألف مشارك، وجاء في المرتبة الثانية من يُؤيد إبقاءها على وضعها الحالي. أما إلغاؤها تماماً فكان الأقل.
المطاوعة (الجدد) يزعمون أنهم يؤمنون بالحقائق الإحصائية، ويؤكدون في الاستفاءات التي يجرونها في بعض القضايا الاجتماعية أن العبرة بما تريده الأكثرية؛ الآن اتضح أن الأكثرية تطالب بضم هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كجهاز من أجهزة وزارة الداخلية، ليتم تنظيمها ومراقبة الانتهازيين والعدوانيين، من أعضائها، وكبح جماحهم وتقويمهم بالأنظمة والقوانين، على اعتبار أن الحكومة أعطتها نظاما (حق القبض والإيقاف)، وهذا الحق مارسه بعض الأعضاء بطريقة تعسفية، تتناقض مع أبسط مبادئ (حقوق الإنسان) التي تكفلها كمبادئ وقيم حكومة خادم الحرمين الشريفين.
وقد تعاقب على رئاسة الهيئة كثير من الرؤساء، منهم القوي صاحب الصرامة والحزم والحسم، وآخرون أقل حزما وصرامة، لكنهم يتحاشون الاصطدام بالأعضاء المندفعين، غير أن الثابت دائما أن هذا الجهاز الذي يفترض أن يأمر بالمعروف بالحسنى، قبل أن ينهى عن المنكر والمخالفات الشرعية بالعنف، (استعصى) تقويمه على كل من عملوا في المناصب القيادية لهذا الجهاز الرقابي، الأمر الذي يقودنا إلى الجزم أن ضمها إلى (وزارة الداخلية) هو القرار الوسطي الصائب، الذي يذهب إلى القول المأثور (لا يُقتل الذئب ولا تفنى الغنم)؛ فنحن اليوم نعيش في عصر لا يمكن لأي سلطة حكومية أن تعمل، ويعمل أعضاؤها بانضباط إلا بضوابط القوانين، وعندما تغيب القوانين، تنفلت المنشأة الحكومية؛ أما تبرير من يدافعون عنها بأن السلف لم يضعوا على عضو الهيئة أية ضوابط، وإنما يتركونهم يعملون والضابط الوحيد تقواهم وتنزههم عن الخطأ وتقصّد الإساءة، والتشهير بالمخالفين، فهذا هو السبب الذي جعل الانطباع عنها اليوم بين الناس بهذا المستوى من عدم القبول، كما هو المؤشر الذي تشير إليه الإحصاءات العلمية.
الشيخ «عبدالعزيز بن باز» تغمده الله بواسع رحمته وغفرانه، كان أول من انتقد تجاوزات أعضاء الهيئة العاملين في الميدان، وأبدى لهم النصيحة، وحذر من عدم الانضباط و (تطفيش) الناس من هذه الشعيرة الشرعية. يقول رحمه الله في رسالة (مناصحة) للرئيس العام لهيئات الأمر بالمعروف: (من عبد العزيز بن عبدالله بن باز إلى حضرة الأخ الكريم معالي الرئيس العام لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفقه الله. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فأشفع إلى معاليكم مع كتابي هذا الرسالة التي كتبها إلي المدعو/ ع.ع.إ المصري الجنسية المتضمنة الإفادة عما حصل لزوجته من سوء المعاملة من بعض رجال الهيئة في جدة. وأرجو بعد الاطلاع عليها وصية الهيئة في جدة وغيرها بالرفق والأسلوب الحسن في إنكارهم المنكر، ولا سيما (كشف الوجه) من المرأة لأن الله سبحانه وتعالى يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف. ولا يخفى أن كشف الوجه (محل خلاف) بين أهل العلم وشبهة، فالواجب الرفق في إنكاره والدعوة إلى الحجاب بالأسلوب الحسن من دون حاجة إلى طلب الجواز أو الإقامة، أو إركابها السيارة إلى المكتب، ولا سيما الغريبات من النساء فإنهن أحق بالرفق لغلبة الجهل عليهن واعتيادهن الكشف في بلادهن إلا من رحم الله).
الغريب أن (فتاة النخيل التي فضحت تعسفهم، كانت مخالفتها أنها تكشف وجهها، فاعترضوها وطلبوا منها (جوالها) فرفضت، فجرت هذه الممارسات العنفية ضدها، التي هزت المجتمع، حتى عقلاء المطاوعة غير الحزبيين. لهذا فيمكن القول إن هؤلاء الأعضاء الجهلاء لم يرعووا وابن باز كان على قيد الحياة، وهيبته العلمية يتفق عليها الجميع، حتى الحركيون منهم، فكيف سيرعوون في غيابه؟ .. لذلك لن يجهض عدوانيتهم على عباد الله، ولا يضبط تجاوزاتهم، إلا النظام الحازم الصارم الرادع، فيجب أن تحدد المنكرات على سبيل الحصر، وكذلك طرق الإيقاف والاعتراض والمساءلة والقبض، ولا تترك الأمور كما هي عليه الآن سائبة، ثم تصدرها الهيئة في مدونة رسمية مفصلة وتنشرها في وسائل الإعلام، ليجري تداولها، ومن تجاوز هذا النظام، وأمر ونهى على مزاجه، منطلقا من تفسيراته، وشكوكه، فليبعد فورا عن العمل الميداني من أول حادثة؛ كما أن سبب العلة وكثير من التجاوزات، هم (المتعاونون) من صغار العقل ومنعدمي الحصافة والرزانة؛ مثل هؤلاء يجب أن يتم استصدار قرار صارم لتنقية الهيئة منهم. وبذلك تبقى الهيئة كجهاز ضبط قانوني منظم، لا مكان للمتطرفين والحاقدين والحانقين على المجتمع فيها.
إلى اللقاء
- Details