قضايا وأراء
- التفاصيل
- قضايا وأراء
نعلم أن هناك أطرافاً وأشخاصاً داخل العراق لا يميلون للتقارب السعودي - العراقي ولا يحبذونه، وبوسعهم وضع العراقيل لتعطيله، كونهم يعتقدون أن هذا التقارب قد يمثل تهديداً للمصالح الإيرانية في العراق..
في أول زيارة لمسؤول سعودي رفيع المستوى منذ أن غزا صدام دولة الكويت -أي ما يزيد على 27 عاما- جاءت زيارة وزير الخارجية عادل الجبير لبغداد لتفتح صفحة جديدة بإعادة التقارب ما بين البلدين بعد فترة فتور وجفاء.
هناك من يرى أنها مبادرة سعودية خالصة، في حين أن البعض الآخر يراها دعوة عراقية/ إيرانية، وهذه قراءة من ضمن قراءات سياسية عديدة ليست بالضرورة صحيحة.. ليس مهما البحث عن تلك الخلفيات والأسباب بقدر ما أن المهم هو كيفية الاستفادة من هكذا زيارة والبناء عليها لخدمة مصالح البلدين والشعبين؟ شكلت الزيارة انفراجة وتطورا إيجابيا على صعيد العلاقات، وتأتي كخطوة مهمة لتجاوز الماضي، بدليل أن الرياض أسمت سفيرها الجديد في بغداد.
اتفق الطرفان على أن الإرهاب عدو مشترك للبلدين، وهو ما يتطلب التعاون والتنسيق وتبادل المعلومات، ليس فقط في المواجهة مع تنظيم داعش، بل لمواجهة خطر الإرهاب بشموليته. السعودية والعراق ترتبطان بحدود طويلة تصل إلى 900 كلم، وهو ما يستدعي الحاجة إلى التعاون والمراقبة الدائمة لمنع أي نشاطات إجرامية، كعصابات وشبكات تهريب الأسلحة والمخدرات ناهيك عن أجندة الجماعات المتطرفة، ولذا التعاون ما بين الرياض وبغداد في تقديري هو مطلب حتمي، وتعافي العراق ضرورة استراتيجية لاستقرار الإقليم.
السعودية أشادت "بالانتصارات العسكرية على العصابات الإرهابية، مؤكدة دعمها للعراق في محاربة الإرهاب واستعدادها بإعادة الاستقرار في المناطق المحررة". هناك رغبة مشتركة في فتح معبر جميمة وزيادة حجم التبادل التجاري والاستثمار بين البلدين وتشغيل الخطوط الجوية المباشرة بين البلدين.
القراءة السياسية ترى أجواء من التفاؤل والارتياح، وقد تكون إرهاصات ربما لقرارات سياسية أكبر في المستقبل، فلن تقتصر فقط على التعاون الثنائي. ويبدو أن السياسة التي انتهجها العبادي بدأت تثمر عن نتائج بدليل إذابة الجليد ما بين البلدين، السعودية لن تألو جهدا في المساهمة بأي دور بناء وإيجابي يدفع باتجاه تعزيز المصالحة الوطنية. الزيارة تكمن أهميتها في إعادة ترميم ما أصاب العلاقة، وبمقدورهما تجاوز الأزمات متى ما توفرت الإرادة السياسية، ومع ذلك نقول إنه من حق بغداد أن تكون لها علاقات جيدة مع أي دولة، وهو حق مشروع وسيادي، لكن لا يجب أن يتم على حساب العلاقة مع دول الخليج. نعلم أن هناك أطرافا وأشخاصا داخل العراق لا يميلون للتقارب السعودي - العراقي ولا يحبذونه وبوسعهم وضع العراقيل لتعطيله، كونهم يعتقدون أن هذا التقارب قد يمثل تهديدا للمصالح الإيرانية في العراق.
عندما يقول الجبير إن السعودية تقف على مسافة واحدة من الجميع فإن هذه رسالة سياسية إيجابية وبامتياز، ولكن هذا لا يعني أن الرياض تقبل بتهميش أي مكون من المكونات السياسية وفي مقدمتهم السنة ما يعني حاجة البلدين إلى تجاوز نقاط الاختلاف وبناء الثقة.
العراق عانى ما بعد الانسحاب الأميركي؛ حيث لم تضع واشنطن آنذاك رؤية لعراق ما بعد صدام حيث استغلت بعض القوى ذلك الفراغ ما فتح الباب لتدخل قوى إقليمية لصالح أحزاب مدعومة منها. هذه القوى قامت بإخراج العراق من حضنه العربي؛ بل وعرقلت أي تقدم في علاقاته مع دول الخليج. ليس للمملكة مصلحة في العراق سوى استقراره وتحقيق تطلعات شعبه.
الآمال معقودة على حكومة العبادي وبالعمل المؤسساتي في أن يصار إلى إلغاء سياسة الإقصاء الطائفي وعدم السماح لإيران من الهيمنة على القرار السياسي والتوقف عن دعم الأسد وترسيخ نظام سياسي غير طائفي وإلغاء الميليشيات فضلا عن ترسيخ تشكيل الجيش على أساس عقيدة وطنية جامعة. هذه نقاط رسوخ لمستقبل دولة تملك من المقومات ما يجعلها في الصدارة.
دقة المرحلة تقتضي من العراقيين أن يُغلبوا مصلحة العراق على المصالح الفئوية، وأن يكون قراره مستقلا وليس مرهونا لأحد، وهو ما يعني الانفكاك من فلك المحور السوري الإيراني وتغيير اتجاه البوصلة باتجاه العرب.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
العلاقات السعودية الماليزية علاقات ثنائية تاريخية دولية وثيقة، وودية رائدة للغاية، بدأت من الستينيات في خط أفقي وعمودي نحو التوأمة والشراكة في التجربة والفائدة، والعمل لبناء أمة بحضارة حديثة نحو عطاءات الأوطان.. وتأتي زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -يحفظه الله- لماليزيا إضافةً حقيقية لعمق العلاقة وقوتها النوعية والمتميزة على أشدها بين البلدين وأكثر عمقاً وتوسعاً مع رؤية المملكة 2030، ونهج قيادي بين البلدين يعكس التوافق القوي في وجهات النظر حول العديد من القضايا الإسلامية والدولية لنكون "ساتو" بمعنى الرقم واحد بالماليزي!
سفير خادم الحرمين الشريفين في ماليزيا فهد الرشيد، الذي -وللأمانة- صنع حضوراً دبلوماسياً رائعاً في ماليزيا، سألته إبان تشرفي بالعمل معه في ماليزيا قبل 3 سنوات حول كيف نكون "ساتو سعودي ماليزيا"؟، أجابني: "نحن كذلك، فالسعودية تحظى باحترام قدير لدى كافة الأوساط الرسمية والشعبية والتجمعات الإسلامية في ماليزيا، فهي بالنسبة لهم تشكل وحدة العقيدة الدينية والروابط الروحية، وماليزيا تتقارب وتلتقي كثيراً في عدة اتجاهات، بدءاً من العادات والثقافات.. وتمثل لنا دولة إسلامية صديقة نفخر ونعتز بها وعلاقتنا بها متميزة بكل ثقة ومتانة وتميز في المجالات الاقتصادية والعسكرية والعلمية والأصعدة الأخرى بفضل من الله".
وللمتابع اليوم، يجد أن الاستقبال المهيب من الحكومة الماليزية وشعبها وإعلامها وجامعاتها والرأي العام كافة للملك سلمان يلامس مدى العلاقة وكينونتها المستقبلية، وللمتابع كذلك يجد أن الحكومتين حرصتا على بذل كافة الجهود للحفاظ على التميز في العلاقات والعمل والشراكات ودفعها إلى الأمام من خلال وضع آليات متجددة على كافة الأصعدة.
وليس آخرها التعاون العسكري القائم بدرجة عالية، ومشاركة ماليزيا في قوات التحالف "عاصفة الحزم"، وانضمامها لـ"التحالف الإسلامي" العسكري لمحاربة الإرهاب، ومشاركتها كذلك في تمرين "رعد الشمال" للقوات العسكرية الإسلامية، وكذلك في تمرين "رماح الشمال 2016" في المنطقة الشمالية الغربية التابعة للقوات البرية السعودية، وفي العلاقات التجارية والاقتصادية تتضح العلاقات المتينة من تعدد الاتفاقيات لتعزيز الاستثمارات وحمايتها، وخير دليل حجم التبادل التجاري لعام 2015 المتخطي الـ(15) مليار ريال.
أما في الجانب العلمي والثقافي، فتبرز لمسات وعطاءات الملحق الثقافي السعودي البروفسور زايد الحارثي المتميزة والرائدة نحو خارطة طريق للعلاقات الأكاديمية والثقافية؛ فاليوم تعد الملحقية الثقافية بعد تملكها المبنى وسط كوالالمبور والذي افتتحه وزير التعليم أحمد العيسى من الملحقيات الثقافية الكبرى، مع إنجازات أخرى نحو تخصيص الجامعات الماليزية للطلبة السعوديين 100 مقعد لدراسة الطب و100 مقعد لدراسة التمريض، وإشراف متميز على ما يقارب 1500 طالب سعودي ليشكلوا جسراً تواصلياً حضارياً ثقافياً بين البلدين في أعرق الجامعات الماليزية تتقدمها جامعة ملايا "UM" والجامعة الإسلامية العالمية "IIUM" وجامعتا بوترا البحثية "UPM" ويو اس ام "USM" وغيرها، مما قدم فيها طلابنا الكثير من مشروعات تخرج مميزة نافسوا بها في مسابقات على مستويات مختلفة وسجلوا براءات اختراع مهمة وحصدوا جوائز ومراتب مشرفة، ومنه انطلقت الملحقية نحو برنامج التحول الوطني وملامح القوة الاقتصادية ضمن رؤية 2030، لتؤكد في الجامعات الماليزية رؤية شاملة لتطوير وتعزيز مكانة المملكة في المحافل الدولية، بخطط للمتابعة المباشرة للبرامج والأنشطة التي تهدف إلى الارتقاء بالعملية التعليمية والاستفادة من التجربة الماليزية بما يدفع عجلة التعليم والبحث العلمي في المملكة.
ويبقى تقدير الماليزيين يتضح في تقديرهم لخادم الحرمين الشريفين ولجهود السعودية في الاهتمام بالإسلام والمسلمين، وبالحرمين الشريفين والأراضي المقدسة، وخدمة الحجاج والمعتمرين والزائرين، مع إيمان متأصل كون زيارته -يحفظه الله- ستكون محورية مؤثرة في مسار علاقات متجددة في مختلف المجالات للوصول إلى "ساتو سعودي ماليزيا".
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
أستعير عنوان هذا المقال من عنوان كتاب (الكاتب وأشباحه) للروائي الأرجنتيني إرنستو ساباتو، وأتحدّث فيه بإيجاز عن ظاهرة ملحوظة في سِيَرِ كثيرٍ من الشعراء في جميع العصور، وهي ظاهرة تسرُّب أحداث غير حقيقية إلى سيرة الشاعر، وشيوع أشعار ومقولات كثيرة تُنسب إليه وهي ليست كذلك، لكنها تؤثر بشكل واضح في عملية تلقي الناس لإنتاجه الشعري. هذه الظاهرة لا يقتصر وجودها على سِيَر الشعراء فقط، بل تتضح بقوة في كثرة المؤلفات والدراسات التي كُتبت تحت عنوان: "فُلان المفترى عليه"، أو تُكتب بعناوين أخرى بهدف تخليص شخصيات تاريخية –قد تبدو لنا حياتها واضحة ومعروفة-مما علق بها من أخطاء وأوهام نظنّها من الحقائق.
في الأيام الماضية حدث تفاعل كبير من كثير من الشعراء والإعلاميين والمتابعين مع إعلان لقناة MBC يُنسب فيه بيت معروف للشاعر حمد الأسعدي خطأً للشاعر سعد بن جدلان رحمه الله، وما أكثر ما يُنسب لابن جدلان من الأبيات والقصائد التي تبرأ من بعضها وما زال كثير منها يُنسب إليه. هذه الحادثة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة التي يُنسب فيها إلى الشاعر أو إلى سيرته ما ليس فيها، ولا أبالغ إن قلت بأن سيرة أي شاعر مشهور لا تخلو من زيادات وأوهام وضعها الرواة سواء في حياته أو بعد وفاته وأصبح الناس يتناقلونها بوصفها حقائق مُسلَّماً بها، وقد اشتكى أبو العلاء المعري (ت449هـ) في رسالة وجّهها إلى معز الدولة ثمال بن صالح من وجود أشخاص يؤلبون عليه وينسبونه إلى الكفر والإلحاد ويتعمدون تحريف أبيات من ديوانه (لزوم ما لا يلزم) لإثبات التهمة عليه، وينصح المعري بالرجوع إلى النسخ الموثوقة من ديوانه فيقول: "وفي حلب حماها الله نسخ من هذا الكتاب بخطوط قوم ثقات يعرفون بني أبي هاشم، أحرار نسكة، أيديهم بحبل الورع متمسكة، جرت عادتهم أن ينسخوا ما أمليه، وإن أُحضرت ظهرت الحجة بما قلت فيه".
الكسل عن البحث والتدقيق والرجوع إلى مصادر موثوقة عامل أساسي في وجود إنتاج شعري غير صحيح يُنسب للشاعر، وفي وجود تضارب كبير في سيرته وفي جوانب كثيرة من حياته، فأصبح لكل شاعر "شبح" يحمل اسمه وينظم القصائد على لسانه، ويقوم بأعمال غريبة تُنسب للشاعر ويتقبّلها المتلقي لأنه لا يجد الباحث الذي ينفي صحتها أو يشكّك فيها، وقد أشار الباحث روكس العزيزي في كتابه (نمر العدوان شاعر الحب والوفاء) إلى ما وصفه بأسلوب "الهذر والهذيان" الذي يستخدمه بعض المؤلفين ويُحوّل الشاعر إلى "أسطورة سخيفة ومضحكة"، ويذكر العديد من الشواهد من بينها ما كتبه أحد الباحثين في مجلة معروفة وذكر فيه أن نمر بن عدوان تزوج بعد "وضحا" بتسعين امرأة كل واحدة منهن اسمها "وضحا"!.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
يوسف المحيميد
لقد تغير كل شيء!
تغير المجتمع السعودي تمامًا، وهذه سنة الحياة، فلا بقاء لشيء على حاله، الطبيعة تتغير، والمكان يتغير، والإنسان بدوره يتغير، ومن يريد معرفة هذا التغيير، يكتب كلمة «الترفيه» ويبحث عن أي «هاشتاق» في تويتر مثلاً، سواء مع هيئة الترفيه أو حتى ضدها، سيجد كثيرًا من المواطنين والمواطنات، الشباب والشابات، يكتبون برؤية مختلفة ومتجاوزة وشجاعة، لم يعد هذا الجيل يأبه لأحد، فهو يسير وراء أحلامه، يسير بثقة نحو ما يُريد، لا ما يُرَاد له، يضع رؤيته وقناعاته على المحك، ويبحث عن كينونته بإصرار وعزيمة، متسلحًا بالعلم والمعرفة والثقافة بشكل عام.
لم تعد تنطلي على هؤلاء الألاعيب القديمة، ولم يعد يقنعهم أن الترفيه لا يجوز، والضحك يميت القلب، والسعادة والمرح أمر مكروه، وأن علينا ألا نعيش، بل ننتظر الموت. هذا الجيل يحمل رؤيته على كتفه ويمضي، لا ينتظر أحدًا، ولا ينظر إلى تعليمات أحد ووصاياه، حتى ممن هم في مثل سنهم من المتنطعين، لا يقدمون ولا يؤخرون في إرادة هذا الجيل الذي سيخلده التاريخ مثلما خلد أجيالاً ظهرت في أمم أخرى، ففي الغرب يمكن أن نجد تركة جيل «البيت» في كثير من المتاحف العالمية، لأنهم أوجدوا آدابهم وفنونهم التي تمثل رؤيتهم تجاه الإنسان والحياة، ولا يعني ذلك أن شبابنا هم كهؤلاء، لا ليسوا كذلك، وإنما سيغيرون مجتمعهم، وسيتركون بصمتهم الخاصة جدًا، في مجتمع يهمِّش الفنون والآداب، وربما ينكرها ويرفضها في بعض الحالات والأزمان السابقة.
من يظن أن الترفيه هو الحفلات الغنائية فحسب فهو مخالف للواقع، ومن يعتقد أن السينما تسلية فقط فهو لم يدرك التجارب الإنسانية، ومن يرى في المسرح رقصًا وتهريجًا فهو لم يطلع على الثقافات والحضارات المتنوعة، فالترفيه ليس تزجية للوقت، بل هو تعليم ومعرفة وثقافة، هو ما يؤنسن الإنسان، ويهذِّب خُلقه، ويرفع معدل وعيه، فلا يمكن لأمة التقدم في مجالات العلوم والمعارف بشكل عام، ما لم تحترم الآداب والثقافات وتكرس الفنون في شتى مجالات الحياة، وهذا ما تنبه له هذا الجيل الشاب في المملكة، مدعومًا برؤية 2030، ومحظوظًا بها، وقد جاءت في وقت مناسب لطموح هؤلاء، وسعيهم نحو الثقافة الجادة.
على هؤلاء الذين يقاتلون ضد هيئة الترفيه أن يكفوا عن ذلك، فمن لا تعجبه فعالياتهم المختلفة فليقاطعها، ولكن ليس من حق أحد الوصاية على غيره، وعلى ذائقته ورغبته واهتمامه، وماذا يفعل، وما لا يفعل، هذه المرحلة انتهت تمامًا، ونحن نسير نحو مرحلة الإبداع والتجديد.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
ناصر الصِرامي
بحسب منظمة الشفافية الدولية -والتي تشتهر عالمياً بتقريرها السنوي مؤشر الفساد، وهو قائمة مقارنة للدول من حيث انتشار الفساد حول العالم. وتنطق من برلين، ألمانيا، بحسب تقريرها الأخير- فإن «الفساد المتفشي في العديد من الدول، يغذي ويشجع جهود منظمات إرهابية مثل داعش في تجنيد مجموعات من الساخطين على هذه الأوضاع، مشيرة إلى أن هذا الفساد يؤدي أيضا، في جانب آخر إلى إضعاف مؤسسات الدولة، بما يجعلها غير قادرة على مواجهة التنظيمات والجماعات المتطرفة».
وهو ربط عام في تصوري من منظمة دولية معتبرة، صحيح ان «الفساد» امر كارثي جدا، وهو سبب لتخلف الامم مهما حاولت التقدم، إلا أن اشارة التقرير الصريحة إلى أنه «لن يكون ممكن أبداً هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ما لم يتم التعامل مع الظروف الفاسدة التي تساعد التنظيم على النمو والتمدد». هو أيضاً يمنح التطرف سبباً للوجود، يختلف عن السبب الايدلوجي الاساس لهذه الجماعات.
يتهم التقرير حكومات الدول الغربية، بما فيها المملكة المتحدة وأمريكا، بتجاهل الفساد كمحفز رئيسي يؤدي إلى انتشار الإرهاب، وخاصة في الشرق الأوسط. ويدعو هذه الحكومات إلى الضغط بدرجة أقوى من أجل ضمان المحاسبة فيما يتعلق بالميزانيات العسكرية.
وهذه الدعوة لا تتجاوز الجانب النظري وحسب. لم يعبر التخاذل الغربي لدحر داعش، او يجعله سببا اكثر من كاف لتمدد التنظيم، الذي يعمل دون تهديد حقيقي من القوى الدولية عينها التي اشار اليها التقرير.
تقرير منظمة الشفافية الدولية، والذي يحمل اسم «المحفز الكبير»، يرى أن (داعش) استغل الفساد لنشر التطرف والتجنيد، مقدما نفسه على أنه العلاج للفساد، بينما يغرق هو نفسه في ممارسات فاسدة، لكنه -التقرير- نسي عن عمد ربما وضع الدول الفاشلة التي ينشط فيها التنظيم..!
وينقل التقرير عن «كاثرين ديكسون»، مديرة برنامج الدفاع والأمن في منظمة الشفافية الدولية قولها إن الفساد هو الصرخة التي يجمع بها التنظيم المؤيدين وتدعو الى إعادة التفكير في العلاقات مع أمثال مبارك (في مصر)، والقذافي (في ليبيا)، والمالكي (في العراق) الذين سوف يظهرون في المستقبل. وتشدد» الفساد تهديد أمني حقيقي، وأكثر من مجرد وسيلة تتبعها الصفوة لملء جيوبها»، وتضيف «إن الحكومات الفاسدة، في النهاية، تسهم في تأجيج غضب الناس وتقويض مؤسسات الدولة».
لكن مهم صراحة التقرير عند الحديث عن وضع الدول العربية-التي داهمها ما سمي بالربيع العربي- فقد توصلت دراسة -مثلا- «الى ان حالة للوضع في ليبيا ما بعد الثورة، إلى أن المرحلة التي أعقبت الثورة والتي شهدت تزايدا في عدد الجماعات المسلحة، لم تشهد انخفاضا في معدلات الفساد، وضمن 150 مقاتلا سابقا وحاليا في صفوف الجماعات المسلحة استطلعت المنظمة آراءهم، قالت نسبة الثلثين إنهم لا يرون اختلافا في معدلات الفساد، بين مرحلة ما بعد الثورة وعهد القذافي».
الا ان التقرير يشير الى ان» أعضاء الجماعات المسلحة أنفسهم، يستخدمون الفساد في تحقيق أغراضهم، عبر عمليات تهريب للمخدرات والأسلحة، وتقديم الرشاوى للمسؤولين في ليبيا ومصر، بهدف تسهيل هذه العمليات، في حين يعيش قادة تلك الجماعات حياة بذخ ويركبون السيارات الفارهة».
نعرف اليوم انه وبرغم من كل «لعنات الفساد»، لكنه-ايضا- ليس السبب الوحيد الذي توظفه الجماعات الارهابية الاسلامية في تحقيق أهدافها، بل ان استخدامه اليوم لتجنيد وعمل الارهابيين والتمويل يحوي كل انواع الفساد، الا الفساد المالي والاداري الذي يعنيه التقرير... لكن بالتاكيد لا يمكن تجاهله مقدماً.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
محمد آل الشيخ
من يقرأ في أدلة قتل المرتد فلن تخطئ عينه ملاحظة أن جميع أدلة الفقهاء الذين قالوا بالقتل اعتمدوا على حديث (من بدل دينه فاقتلوه) وتجاوزوا الآيات القرآنية المحكمة التي ترفض أن يُكره الناس على الإسلام؛ ولم يُفرق المشرع جل وعلا بين من دخله ابتداء وارتد عنه، ومن لم يدخله أصلا كما يبررون.
يقول جل وعلا: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } (256) سورة البقرة ويقول {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا } (29) سورة الكهف ولم يذكر للمرتد الذي ارتد بمشيئته عن الإسلام عقوبة دنيوية إنما اكتفى بعقوبة الآخرة.
من قالوا بقتل المرتد وتجاوزوا آية{لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} عللوا تجاوزهم بالقول إن الآية محصورة فقط في إكراه الناس على الدخول في الإسلام ابتداء، أما المرتد عن الإسلام فلا تشمله هذه الآية. ولم أجد لحصرها في تلك الصورة دليلا واضحا جليا يسوغ القتل؛ فالأصل في التعامل مع مدلول الآيات القرآنية أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ما يجعل منطق العموم ينسحب على مدلول هذه الآية. بل هناك أدلة حديثية، وصحيحة السند، تؤكد أن الرسول لم يقتل أحدا ممن ارتدوا عن دينهم؛ مثل ما جاء في حديث صحيح رواه جابر بن عبدالله في صحيح مسلم أن أعرابيا قال للرسول: (يا محمد أقلني بيعتي) أي أنه عاد عن بيعته للرسول، فأبى رسول الله، وألح فلم يجبه لإلحاحه، فخرج من المدينة وغادرها، فعلّق الرسول على الحادثة بقوله: (إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها)، واكتفى بذلك، ولم يرسل في طلبه ليقتله؛ فلو كان الرجوع عن الإسلام جريمة ذات عقوبة دنيوية لاستحق العقوبة وأرسل في طلبه وقتله، كما فعل بالعُرينيين الذين سرقوا إبل الصدقة.
كذلك هناك روايات عن عمر بن الخطاب تشير إلى أنه لا يرى قتل المرتد وإنما تعزيره. إضافة إلى أن فقيهين من كبار فقهاء التابعين، هما الثوري والنخعي قالا بسجن المرتد وليس قتله.
أما حادثة ردة أهل اليمامة، فلها ملابسات أخرى، تستدعي عدم الاستدلال بها، والقياس عليها؛ حيث أنها وإن سُمّيت ردة فهي في حقيقتها بمنطق اليوم انشقاق سياسي على الدولة؛ بمعنى أنها كانت تفلتا جماعيا على السلطة الحاكمة، لها تبعات محض سياسية وانعكاسات اقتصادية، جسّدها قول أبي بكر: (والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم دونه), الأمر الذي يؤكد أنها كانت تمردا على دفع المستحقات الريعية للدولة المركزية في المدينة، كمن يتمرد على دفع الضرائب اليوم.
كل هذه الأدلة تؤكد أن أدلة الفقهاء لإيقاع القتل بمن ارتد عن الإسلام، ونكص عنه بعد إيمانه، أدلة محض اجتهادية، لا ترقى إلى درجة الإحكام، ويجوز مخالفتها لعدم تظافر الأدلة على قطعيتها.
إلى اللقاء
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
سعد الدوسري
يعاني ثلث أطفالنا تقريباً من السمنة أو من زيادة في الوزن، وتزداد هذه النسبة لتصل إلى النصف، حسب إحصاءات طرحها بعض استشاريي الغدد في مستشفياتنا المحلية. كالعادة، ليست هناك نسبة دقيقة، ولكنها مجرد اجتهادات، نفترض فيها الصدق، حسب ما نراه بأم أعيننا، فالسمنة غدت هي الملمح الواضح لأطفالنا الذين فشلنا في خلق انضباطية غذائية لهم، وفي تقنين علاقتهم بالأجهزة الذكية التي تلتهم أوقاتهم، وفي تحبيبهم بالرياضة البدنية.
بعد ذلك كله هل تنفع المبادرات التي ستبادر بها وزارتا الصحة والتعليم؟!
لقد أطلقت الوزارتان مبادرة «رشاقة» لخفض معدلات السمنة لدى الطلاب والطالبات في المدارس، تزامنًا مع انطلاقة العام الدراسي الثاني. وسيتم تنفيذ هذه المباردة - كمرحلة أولى - من خلال (1.000) مدرسة من مدارس التعليم العام في 6 مناطق، وهي: الرياض، وجدة، ونجران، والجوف، والمنطقة الشرقية، ومكة المكرمة.
وتسعى هذه المبادرة لحشد الموارد والجهود المشتركة للجهات المعنية على المستوى الوطني لتخفيف عبء السمنة على المواطن والمجتمع، كما أنه ستتم تغطية 20% من مدارس المملكة خلال الخمسة أعوام المقبلة لتعزيز نمط الحياة الصحية، من خلال تحسين السلوك الغذائي وزيادة النشاط البدني للطلاب والطالبات.
إن الأهم من هذه المبادرة هو تأسيس ثقافة صحية غذائية لدى الطلبة والطالبات ابتداءً من المرحلة الابتدائية، وأن تطبق المقاصف المدرسية هذه الثقافة، لكيلا نعلم من جهة، ونهدم من جهة.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
شكل سكان المدينة اللاحقون والسابقون مجتمعاً نقياً متماسكاَ، تخلى عن ضلالات الجاهلية، وسلك طريقاً حضارياً مدنياً، يتوافق تماماً مع تركيبة المجتمع المدني، الذي وجد في المدينة نقطة الانطلاق إلى حياة إنسانية مستقرة، يقودها «الطيب» صلى الله عليه وآله في «طيبة الطيبة»..
أقيم الاحتفال بالمدينة المنورة عاصمة للسياحة الإسلامية، وحق لها أن تكون"عاصمة"، فإن للمدينة المنورة موقعًا خاصًا في قلوب المسلمين قبل أي موقع أو لقبٍ، قد تصنف فيه، تعظيمًا وتقديرًا، وتذكيرًا بمكانتها المستحقة بين سائر المدن والعواصم الإسلامية بل والعالمية، كيف لا؟! وهي البقعة التي قصدها خير رسل الله صلى الله عليه وآله هو وأصحابه، وجعلوها وجهة رحلتهم الشاقة، التي رصدها القرآن الكريم، وصور تفاصيلها في آياتٍ لا يألو قارئها جهدًا في تخيل تلك المواقف التي واجهت رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه أثناء هجرتهم إلى هذه المدينة التاريخية!
وبعد أن حطوا رحالهم في المدينة وكانت تسمى "يثرب"، بدأ التاريخ يتحول فكان في المقدمة إلباسها اسمًا يليق بها عاصمةً للمسلمين، والذي كان اسمًا مختارًا من قبله صلى الله عليه وآله، ثم ينزل القرآن مثبتّا لهذه التسمية (المدينة) في عدة مواضع.
بدأت قصة المدينة بتوافد المهاجرين والقاصدين لها من كل أرجاء الأرض، ليشكل سكانها؛ اللاحقون والسابقون (المهاجرون والأنصار) مجتمعًا نقيًا متماسكًا، تخلى عن ضلالات الجاهلية، وسلك طريقًا حضاريًا مدنيًا، يتوافق تمامًا مع تركيبة المجتمع المدني، الذي وجد في المدينة نقطة الانطلاق إلى حياة إنسانية مستقرة، يقودها "الطيب" صلى الله عليه وآله في "طيبة الطيبة".
وقد يكون حديثي هنا مزدوجًا، ومستوعبًا -قدر الاستطاعة- للمكان والحدث، فالحدث هو السياحة في الإسلام عمومًا، وقد تطرقنا لذلك في مقال سابق، ونعني بها غير تلك السياحة في عرف الجاهلية، والتي ترتكز على تعذيب النفس في الأسفار والرحلات كعبادة مقصودة لذاتها، وإنما نعني سياحة من جنس التفكر في الأرض، وطلب المعرفة، والوقوف على آثار تُشوّق زائريها لتلك الحقبة التي كانت فيها تلك الآثار مَعلمًا حيًّا، وملتقىً فعّالاً ونشطًا، دونت فيه الأحداث، كنقاط تحول في تاريخ البشرية، وفي قول الله: "التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ" قال القاسم: "هم السائرون الذاهبون في الديار لأجل الوقوف على الآثار، توصلا للعظة بها والاعتبار ولغيرها من الفوائد".
وأحق ما ينبغي لنا التعرف عليه، والوقوف على آثاره، هي تلك البقع والأماكن التي وقف فيها رسول الله صلى الله عليه وآله ناصرًا للإسلام داعيًا إلى الفضيلة.
ففي المدينة "أحد" قال فيه صلى الله عليه وآله "يحبنا ونحبه".
وفي المدينة "المسجد النبوي" وهو عماد نيتنا في شد الرحال إلى المدينة، ففي الحديث (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد...) وذكر منها مسجده صلى الله عليه وآله، وفي المسجد معالم وآثار تسجم العيون دموعها لحظة التفكر فيها، ففيه الحجرات، وفيه الروضة، وبين تلك وهذه تردد صلى الله عليه وآله سنين عددا.
وفي المدينة مسجد "قباء" كان يرتاده كل سبت، فالصلاة فيه إن قصدها المتطهر كان كأجر عمرة.
وفي المدينة "مسجد القبلتين" يجد الناظر فيه تأويلًا حيّا لقول الله تعالى "فول وجهك شطر المسجد الحرام".
ومهما يكن الحديث عن تلك البقاع والأماكن فلن يوفيها حقها، فقد بقيت راسخة وثابتة مع تعاقب الأجيال وتغير المجتمعات، إلا أن ذلك المجتمع الذي كان له السبق في تأسيس هذا المَعْلَم، يبقى المجتمع الأمثل في تاريخ الأمة، وتبقى مقبرة البقيع التي ضم ترابها أكثر الصحابة، شاهدة على حبهم وصدق انتمائهم لهذا الدين.
وفي المدينة يرقد أبوبكر وعمر رضي الله عنهما رقدة المؤمن البرزخية بجوار خير الخلق صلى الله عليه وآله، في قبور جاورت المسجد، وأدخلت في بنائه، وتصاحبت كصحبتهم في الدنيا، ولهذا وغير ذلك مما فات الخاطر، يحق للسائح إلى المدينة أن يتمثل ساجمًا دموعه:
أتيتك زائرًا وودت أنّي
جعلت سواد عيني أمتطيهِ
ومالي لا أسير على المآقي
إلى بلدٍ رسول الله فيهِ
- التفاصيل