قضايا وأراء
- التفاصيل
- قضايا وأراء
«إياك والهجاء يا أبا عبادة، فليس من عملك وهو من عملي». بهذه العبارات خاطب الشاعر ابن الرومي البحتري الذي صرّح له في أول لقاء جمع بينهما بعزمه على نظم قصيدة هجاء على نمط هجائية سابقة لابن الرومي، ويمكن أن نرى في العبارات السابقة أحد مظاهر «الهوس» بالهجاء لدى الشاعر وشعراء آخرين غيره، فالشاعر يعشق الهجاء ويرى بأنه من اختصاصه وهو الذي يتفوق فيه ولا ينبغي أن يُزاحم عليه، وتصفح سريع لديوان ابن الرومي كافٍ لمعرفة حجم الهوس بالهجاء وتفضيله على سائر الأغراض، وقد قال مرةً لمن لاموه على الهجاء:
قيل لي: لِمَ ذممتَ كُل البرايا
وهجوتَ الأنام هجوًا قبيحا؟
قلتُ: هب أنّني كذبتُ عليهم
فأروني من يستحقُ المديحا؟
في الدفاع عن ابن الرومي وتبرير كثرة هجائه يرى الناقد الكبير محمود عباس العقاد بأننا لو «نصبنا ميزان العدل لكان ابن الرومي ملومًا على المدح أضعاف لومه على الهجاء، فقد كان يكذب حين يمدح ويتوسل، ولم يكذب حين يهجو وينتقم». وأعتقد أن هذا التبرير غير مقنع لاسيما أن ابن الرومي وغيره من الشعراء أسرفوا في الهجاء المقذع لدرجة أن الواحد منهم عاد ليهجو نفسه وأقرب المقربين منه وأكثر الناس إحسانًا إليه!
وهجاء الشاعر للمحسنين إليه أحد أبشع صور الهوس بالهجاء أيضًا، وقد أبدى المرزباني (ت384هـ) في (الموشح) استغرابه من انتقاد ابن الرومي بخبث لسانه وكثرة هجائه وتجاهل البحتري الذي فعل ما هو أسوأ منه، إذ قام بهجاء أكثر من أربعين شخصًا بعد أن مدحهم وقبض ثمن مديحه، يقول المرزباني: «وكثير من أهل الأدب ينكر خُبث لسان علي بن العباس الرومي، ويطعن عليه بكثرة هجائه، حتى جعلوه في ذلك أوحد لا نظير له، ويضربون عن إضافة البحتري إليه وإلحاقه به، مع إحسان ابن الرومي في إساءته، وقصور البحتري عن مداه فيه .. أعني الهجاء خاصة، لأن البحتري قد هجا نحوًا من أربعين رئيسًا ممّن مدحه، منهم خليفتان، وهما المنتصر والمستعين، وساق بعدهما الوزراء ورؤساء القوَّاد .. وحالُهُ في ذلك تُنبئ عن سوء العهد، وخُبث الطريقة».
في الشعر الشعبي كما في الشعر الفصيح نماذج عديدة لشعراء مصابين بحالة الهوس بالهجاء من دون وجود مبررات مقنعة لذلك، لكننا لا نكتب ولا نتحدث عنها في مقابل إسرافنا في الكتابة والحديث عن هوس الشعراء بالمدح وشغف بعضهم بمديح كل ما هبّ ودب، وأظن أن أحد أهم أسباب غياب الحديث عن المهووسين بالهجاء هو الموقف الرافض للهجاء من فئة غير قليلة من المتلقين، إلى جانب صعوبة وجود قصائد الهجاء في دواوين أولئك الشعراء ومحدودية تداولها في وسائل الإعلام، وبالتالي انعدام تأثيرها بعد فترة بسيطة من نظمها.
أخيرًا يقول عطا الله ممدوح:
الصوم صحّه واغتنم كل ما فيه
لو تحتسب ما أنت بعلى شيء نادم
وأفضل رجيمٍ فيه تقدر تسويه
إنك ما تاكل من لحوم الأوادم
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
قبل أربع وعشرين ساعة من بدء ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان زيارة رسمية إلى الولايات المتحدة خرج رئيس الاستخبارات الأميركية جون برينان في حوار هو الأول مع وسيلة إعلام عربية ليقول بأن السعودية أفضل حلفاء بلاده ضد الإرهاب، وأن الرياض لا علاقة لها بأحداث 11 سبتمبر، وأنه يشعر بالقلق من نشاطات إيران الإرهابية.
كانت رسالة واضحة بأن العلاقات بين الرياض وواشنطن في حال جيدة، وأن لدى البلدين الكثير من العمل السياسي والأمني ليُنجز، لاسيما في ملفات المنطقة التي تئن تحت وطأت تفشي الجماعات المتطرفة والميليشيات التي أسهمت الفوضى العارمة في توالدها بشكل خطير مزعزعة بذلك الاستقرار الإقليمي والدولي -على حد سواء-، وقد شعر المتابعون للعلاقات بين البلدين بحالة من التوتر تسود الموقف السياسي بين الرياض وواشنطن، ولم يخف الرئيس أوباما ومن قبله وزير خارجيته جون كيري ما أسمياه "الخلاف التكتيكي" مع الرياض في شأن قضايا المنطقة، لكن كما هو معروف في السياسة يحدث الخلاف حول حل الخلافات فالمصالح والتحديات قد تتسبب في بروز التباينات.
الملفت أن المملكة والولايات المتحدة مع إدراكمها لوجود خلاف لم يجعلا من ذلك عائقاً للتواصل، فقد تكثفت اللقاءات والاتصالات بين الجانبين بشكل واضح، والتي توجت بحضور الرئيس أوباما إلى القمة الخليجية التي عقدت مؤخراً في الرياض، وخرج الجانبان بمفاهيم وصيغ متنوعة ومختلفة للتعاون بين دول مجلس التعاون وحليفهم الأميركي.
وتتطلع الدوائر السياسية في واشنطن لاسيما في مجال الدفاع إلى الزيارة الأولى الرسمية للرجل الثالث في المملكة، والذي يتولى عدداً من الملفات الحيوية والحساسة على رأسها وزارة الدفاع، إذ يعمل الأمير محمد بن سلمان على الارتقاء بالمنظومة الدفاعية وتعزيز الصناعات العسكرية، إضافة إلى تأمين وتدعيم القدرات الدفاعية للجيش السعودي بكافة قطاعاته في مواجهة الأخطار المحدقة بالأمن الإقليمي بشكل عام، وكان الجانب الأميركي قد تعهد في القمة الخليجية - الأميركية التي عقدت في كامب ديفيد والأخيرة التي عقدت في الرياض أبريل الماضي؛ بالإسراع في إمداد الحلفاء الخليجيين بالأسلحة، والتعاون في مجالات مكافحة الإرهاب، والأمن البحري، والأمن الإلكتروني، وتعزيز الدفاع ضد الصواريخ الباليستية التي تواصل إيران اختبارها بشكل استفزازي وفي تحدٍ سافر للأمن والقرارات الدولية.
في الوقت الحالي تعمل الإدارة الأميركية على لملمة أوراقها إيذاناً برحيلها لصالح ساكن جديد في البيت الأبيض، لكن العلاقات بين الرياض وواشنطن لم تكن يوماً رهينة بوجود شخص أو رحيله بقدر ماهي مرتبطة وأكثر تشعباً وعمقاً مما نتوقع، وعلى الرغم من أن الإستراتيجيين الاميركيين يشددون على التفاف سياستهم نحو شرق آسيا إلا أن للشرق الأوسط تأثيراً كبيراً لا يمكن معه الانصراف بالكلية عنه.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
د. أحمد الفراج
يبدو أن مأزق الحزب الجمهوري، بعد تورطهم بالثري النزق، والعنصري الأحمق، دونالد ترمب، لن تكون له نهاية، ففي البداية حاول الحزب التخلص من ترمب، لعلمهم بأن احتمال فوزه بالرئاسة ضئيل، ولقناعتهم بأنه سيشوه سمعة حزب الرئيس التاريخي، ابراهام لينكولن، وفي سبيل ذلك دعم الحزب خصومه المحترمين، ولكن لم تجر الرياح بما يريدون، فقد ساهمت الحوادث الإرهابية في باريس وكاليفورنيا، وغضب المحافظين (العنصريين) على انتخاب رئيس أسود (باراك اوباما)، أقول ساهم ذلك في اكتساح ترمب، وهو ما جعل خصومه ينسحبون تباعاً من سباق الرئاسة، حتى خلا له الجو، فما كان من الحزب الجمهوري إلا أن يقبل بالأمر بالواقع، ويعترف به كمرشح رسمي للحزب، وهو اعتراف «قسري»، ومع ذلك فقد ترددت شخصيات جمهورية بارزة في دعمه، ولم تفعل إلا مرغمة على ذلك، وعلى استحياء، مثل رئيس مجلس النواب، وزعيم الجمهوريين، بول راين، ولا زالت شخصيات جمهورية مرموقة ترفض الاعتراف بترشح ترمب، بل وأعلنت أنها لن تدعمه، مثل الرئيسين السابقين، جورج بوش الأب والإبن، وهناك غيرهم.
وبما أن ترمب مجرد ثري جاهل وحسب، ولا يتوقف عن ارتكاب الأخطاء، فقد ارتكب غلطة جسيمة قبل أيام، جعلت الحزب الجمهوري في موقف لا يحسد عليه، فقد تهجم على قاضي أمريكي فيدرالي من أصول مكسيكية، والسبب هو أن هذا القاضي ينظر في قضية رفعها مواطنون أمريكيون متضررون من جامعة ترمب، وبدلا من أن يدافع ترمب عن نفسه بقوة القانون، فقد تهجم على القاضي شخصيا، وعرض بأصوله المكسيكية، وهذا يعتبر خطا أحمرا في الثقافة الأمريكية، فالقضاء والقضاة لهم حصانة، واحترام من نوع خاص، وساهمت هذه الغلطة الكبرى في إحراج الحزب الجمهوري، خصوصاً الشخصيات البارزة التي دعمته، فلا يمكن لجمهوري يحترم نفسه أن يدعم مرشحا لم يكتف بممارسة الفساد في جامعته، بل ويتهجم على القاضي الذي ينظر القضية بطريقة عنصرية، ولم تكن هذه الحماقة الشنيعة من ترمب هي كل شيء، فقد ظهرت تقارير تتحدث عن فساد ترمب في تعاملاته المالية، وعدم التزامه بتسديد مديونياته، بل ومماطلته بالتسديد، والتهرب من ذلك في كثير من الأحيان.
تزامن كل ذلك مع انتصار هيلاري كلينتون، وإعلانها رسمياً مرشحة للحزب الديمقراطي، كما تزامن مع هجوم إعلامي شرس على دونالد ترمب، وكان أبرز من تحدث عن الأمر هو المذيع اللامع والشهير، توماس برانكو، والذي يعتبر أشهر إعلامي أمريكي، وربما حول العالم، إذ قال برانكو: «إنني كنت في زيارة لمقبرة ارلينقتون (مقبرة أبطال الحروب الأمريكية في فرجينيا)، وقد رأيت شاهدا لقبر جندي أمريكي مسلم، مات من أجل الولايات المتحدة الأمريكية، ثم تذكرت تصريحات دونالد ترمب «الشنيعة» عن منع المسلمين من دخول أمريكا....»، والخلاصة هي أن ترمب يعيش أياما عصيبة، وكذلك الحزب الجمهوري، الذي تورط به، وبالتالي فقد تحدثت بعض وسائل الإعلام عن إمكانية قيام «ثورة» داخل الحزب الجمهوري، يتم بموجبها التخلص من ترمب، واختيار مرشح مقنع، ولكن كل الدلائل تشير إلى أن الوقت لن يسعف الجمهوريين في التخلص من مأزقهم العميق، فلنواصل المتابعة!.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
عبدالعزيز السماري
يُعدُّ الخطاب الإعلامي السياسي مرآة للأفكار الحاكمة، وكان الإعلام العربي مثالاً ساطعاً على ذلك، فقد كان لعقود غارقاً في صياغة الأيدولوجيا ثم الترويج لها، وقد وصلت إلى مرحلة التسمم في زمن القومية العربية، وذلك عندما كان جمال عبدالناصر يطرح أفكاراً ثورية كردّة فعل على الهزيمة، وقام الإعلام بدور كبير في نشر تلك الأفكار، والتي أثبتت مع مرور الوقت أنها مجرد أفكار بلا محتوى، وكانت الكارثة..
كذلك كان خطاب البعث العربي مسلّحاً بأفكار طوباوية، وتحاول فرضها قوى استبدادية متناحرة، وقام الإعلام بدور خطير في تأجيج تلك الأفكار، وفي نفخ القائد الهمام إلى درجة الجنون، وكانت الكارثة بمثابة النهاية المثالية لمثل هذه الأفكار، والتي عادة ما تفتقد إلى العقلانية والعدالة الاجتماعية، وقبل ذلك إلى الطرح الإنساني المعتدل.
لم يكن خيار التثوير الإسلامي لاحقاً يختلف كثيراً عن حالة التسميم الفكري، والتي تُصاب بها المجتمعات في بعض أطوار تطورها إلى حيث مرحلة الوعي بالحقوق، وعادة ما تكون نهايتها الكارثة الدموية والإنسانية، فقد قدّم الفكر الإسلامي الجهادي أو الثوري الحل في فكرة القتال حتى النصر، وكانت تجربة أفغانستان بمثابة التجربة المزيفة التي صاغها المؤدلجون على أنها نصر من الله عز وجل..
بينما يدرك العقلاء أنها كانت حرباً استخباراتية تقودها الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفيتي، لكن تصديق ثم ترويج فكرة النصر الإلهي أغرت المؤدلجين في إخراج عشرات الآلاف من الشباب للقتال ضد العالم.، وقامت منابر المساجد ثم الكاسيت الإسلامي بدور الإعلام المروج لتلك الأفكار، وانتشرت أفكارهم بين الشباب، ووجد المحبطون منهم فيها السبب المقدّس للموت والهروب من جحيم الدنيا إلى نعيم الآخرة.
كانت أشبه بثقافة الانتحار الجماعية، فقد تمزقت المجتمعات العربية بسبب تلك الأفكار الدموية، وغاب الإنسان بعد أن تحوّل إلى سلاح تدميري للذات وللمجتمع، ولهذا أصبح من المعتاد أن نسمع أحداث التفجير الذاتي في الآخرين، وذلك بتفخيخ الجسد، ثم قتل المجتمع الصغير الذي يكون فيه في تلك اللحظة، في مشاهد أقرب للعدمية التي تؤدي في نهاية الأمر إلى فناء الحضارات وخروجها من التاريخ.
المشترك في تلك الحقبات أن العقل العربي كان صيداً سهلاً لمختلف الأيدولوجيات السابق ذكرها، فقد كان حيناً من الزمن قومياً عربياً مهووساً بالحماسة والتخوين، وكان في زمن آخر بعثياً يقاتل من أجل انتصار الحزب، واستمرار الدكتاتور، ثم أصبح متديناً مهووساً برائحة الدم، إما مبايعاً لخليفة يسكن في المجهول، أو مهووساً بعودة الغائب من الكهف، وكان العامل المشترك فيما بينهم هو اللاعقلانية، وغياب الوعي الإنساني بالمرحلة، والسبب الأمية المعرفية التي تُسهل تدجين الإنسان لمصالح فئوية بدون وعي بمصالحه الذاتية.
في السنوات الأخيرة، تجتاز بعض المجتمعات العربية بصعوبة مسافة الانتقال من حال إلى حال، وعلى وجه التحديد يعيش بعضهم في منطقة ما بين العقل واللاعقل، وتستطيع مشاهدة تلك الصورة البينية في نشرات الأخبار وعلى صفحات الخطاب الإعلامي، فالفكر المؤدلج بالأفكار الجامدة والفارغة أصبح غير مقنع للكثير،.. ولهذا تسيطر على الإعلام الأفكار المضادة للأدلجة الثورية، لكنها تضعف كثيراً عند الحديث عن البديل..
وهل ستكون التعدّدية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية المخرج من تلك الضبابية.. أم هي أيدولوجيا جديدة يجري العمل على تصميمها، ليتسلل من خلالها اللصوص للسيطرة على الثروات الكبرى، ومن واقع التجربة العراقية والمصرية الحالية، نلاحظ فشلاً ذريعاً في صياغة أيدولوجيا جديدة لتبرير الاستبداد والفساد، ولازال الشارع يقاوم تلك الأفكار بالرغم من دفع صنّاع الأيدولوجيا تلك المجتمعات في اتجاهها، والله المستعان.
- التفاصيل