قضايا وأراء
- التفاصيل
- قضايا وأراء
أعتقد أن ما كتبه الأمير تركي بن عبدالله في كتابه (السعودية: الموروث والمستقبل) يجب أن يقرأ بعناية.. فهو في كثير من فصوله كان تشخيصاً دقيقاً للواقع، والعثرات المتوقعة إذا ما استمرت ذات المعالجات على ذلك النحو..
هكذا جاء عنوان كتاب الأمير تركي بن عبدالله بن عبدالرحمن (السعودية: الموروث.. والمستقبل.. "التغيير الذي يعزز البقاء").
عرفت الأمير تركي بن عبدالله، منذ سنوات، عندما تبنى مشروع: جائزة السعفة للشفافية، ومنذ اللقاء الأول أدركت الهاجس الذي يشغله والقلق الذي يدفعه للبحث عن نافذة يحاول من خلالها خدمة مشروع مؤسسة مجتمع مدني معنية بالشفافية وآلياتها ودورها وثقافتها.. وصولاً إلى احتفالية جائزتها.. كإحدى الآليات التي كان يطمح من خلالها لتعزيز هذا المفهوم.
يطل علينا تركي بن عبدالله - مع حفظ الألقاب، فهو أشد الناس ضيقاً بها وانصرافاً عن وهجها - بكتابه (السعودية: الموروث والمستقبل..). وهو يمارس نوعاً من التفكير بصوت مرتفع حيال العديد من القضايا الوطنية.. وهو دعوة حارة مشوبة بالقلق والنذر لاستدراك تبعات وقائع اليوم، واستشراف المستقبل، واستعادة حقل البناء لمجاله الأصل.. إنها قضايا تشغل فكره ويراوده البحث فيها كل حين، ويجد تأثيراتها السلبية الأخطر الأكبر على الكيان والدولة والمجتمع.
(كيف وصلنا إلى هنا؟ / الموروث/ الوحدة/ تطبيق الشريعة/صانعو الموروث/ هل هناك خصوصية؟/ رؤية الدعوة/ الأبعاد/ المعارضة/ عوامل النجاح/ الرسالة/ القيادة/ أين نحن الآن؟/ التحديات الداخلية والخارجية/ الأداء الحكومي/ الاقتصاد/ الاستهلاك المحلي للبترول/ المياه/ الصناعة/ الإعلام/ التعليم/ تحديات القيادة/ الشريعة/ التواصل بين الحاكم والمحكوم/ دور القيادة/ الرؤية/ البيعة/ الديمقراطية/ العلماء...)
بين تلك الفصول يتحرك الباحث والكاتب تركي بن عبدالله، قارئاً ومناقشاً ونذيراً وداعياً. فهو قارئ في سجل المتحقق والمتعثر، ومناقشاً لرؤى متعددة تطل اليوم كإحدى المحاولات للبحث عن مسارات أكثر جدوى في مواجهة تداعيات المستقبل.. وهو نذير في حالة الانصراف عن تطوير الموروث، أو التهوين منه كمنطلق لاستشراف الحلول وبناء المقومات الجديدة لصناعة عالم أفضل، لا يتنكر أو يتجاهل الموروث الذي قامت على أسسه الدولة والوحدة، ولا يركن لما تحقق أو يتجاهل حالة الاحتباس، لأن ثمة فقط من يريد إيداع الموروث في صندوق التاريخ دون اكتشاف مقومات حيويته وقدرته على القيام بدور أكثر وأعظم في مواجهة استحقاقات الحاضر والمستقبل.
إنه يحترم منجزات الأسلاف، ويرى إنجازاتها الكبرى، مهما رافق تحقيقها من أخطاء.. فهي جاءت في وقت لم يكن من المتوقع أن يكون لها ذلك الأثر الكبير في صناعة الكيان وبناء مشروع الوحدة في جزيرة العرب.. وأن هذه المنجزات لم تأت فقط لأن ظروف الزمان والمكان فتحت الباب لصانعي الحدث التاريخي أن يحققوا ما حققوه، بل لأن روح ذلك المنجز ظلت تتحرك في هذه الأرض وفي قلوب الناس.. لتواجه أيضاً مراحل إخفاق واستعادة أخرى سريعة وناجزة عبر تلك المراحل الثلاث التي شهدتها الدولة السعودية.
وأن الكامن في تلك الدعوة/الموروث.. التي تحولت إلى دولة لم يكن له أن يحدث لولا القدرة الكامنة في ذاتها لتحيل تلك الصعوبات والتحديات التي واجهتها إلى فرص نادرة غيرت وجه التاريخ من حال الفوضى والشتات والضياع إلى حال الوحدة والبناء والأمن والاستقرار.. وأن النظام القائم على الشريعة الإسلامية بالكلية، والذي ارتضاه البُناة، مكَّن لتك الوحدة وعزز حضورها ودعم مشروعها.. وأي محاولة لزعزعة ذلك الموروث ليس إلا زعزعة للاستقرار وانتهاكاً وإنهاكاً للمشروع.. ولا يعني هذا التوقف عند تلك الملامح التي تتطلب اليوم أكثر من أي وقت مضى التطوير، وحضور الاجتهاد المؤسسي، ومواجهة زمن مختلف عن زمن الأوائل واحتياجات مختلفة عن احتياجاتهم وقضاياهم، ووقائع متسارعة لا تترك مساحة للاسترخاء والتأجيل.
ولذا فهو يقول: "إن بعضاً من الهوان والضعف بدأ يدب في هذا الموروث وهو ما قد يؤدي إلى نتائج غير محمودة، كما أن الأخطار المحيطة بالبلاد وأهلها بلغت ضراوتها حداً لم تبلغه من زمن بعيد. وعكس مسار ذلك الوهن ونفض هذا الضعف عن مسيرة الوطن والتعامل مع الأخطار المحدقة به أموراً ليست خارج نطاق الاستطاعة، إلا أن تحصين الموروث والحفاظ عليه وتكييفه مع الزمن ليست فقط الأمر المطلوب، وإنما البناء عليه لابد أن يكون النتيجة التالية.. والتغيير المطلوب كبير وجوهري وشامل.. ولابد أن يستند إلى رؤية لا أن يكون تغييراً من أجل التغيير فحسب، أو تغييراً لجزئيات متناثرة يسعى إلى تحسين الحال بين حين وآخر.. فهو مثل أي تغيير شامل وسيجد ممانعة ومقاومة، تقوى حدتها كلما زادت شمولية التغيير..".
إن الكتاب في مجمله مادة ومعالجة وتحليلاً، صرخة ونداء من أجل استعادة قوة الدولة والمجتمع والكيان من خلال مشروع يقوم على عدة ركائز، من أبرزها: العناية والالتزام بالموروث، باعتباره العنصر الكامن والمحرك لعوامل القوة والوحدة.. مع أهمية أن يتم التطوير والتحديث ومواجهة تحديات الواقع بالاستناد على ذلك الموروث وتطوير أدوات الاجتهاد لصياغة حلول تواجه تطورات الواقع واحتياجات الدولة والمجتمع في ظل التحديات الداخلية والخارجية. وكذلك تطوير مؤسسات الدولة وخاصة تلك المؤسسات الرقابية وتفعيل أدوار المحاسبة والشفافية لوضع حد للفساد والهدر.. بالإضافة إلى تناوله العديد من القضايا الوطنية وتقديم بعض المؤشرات على حجم الخلل أو التراخي في المعالجة على نحو يضمن عائداً يمكن البناء عليه أو الثقة بمردوده.
لم يبد المؤلف حماساً لفكرة نسخ النماذج وتحرير مفرداتها على الواقع الحالي، ولم يقدم بديلاً عن المؤسسات الديمقراطية التي عالجها في فصل خاص.. وإن كان يرى أن الديمقراطية كآليات يمكن الاستفادة منها.. مع التحفظ على نتائج قد لا تكون إيجابية.
أعتقد أن ما كتبه الأمير تركي بن عبدالله في كتابه (السعودية: الموروث والمستقبل) يجب أن يقرأ بعناية.. فهو في كثير من فصوله كان تشخيصاً دقيقاً للواقع، والعثرات المتوقعة إذا ما استمرت ذات المعالجات على ذلك النحو.. وهو أيضاً صدى لأفكار وتصورات تعتمل في ذوات الكثيرين.. ومهما بدت معالجته تتطلب الكثير من النقاش حول مدى فعاليتها وإمكانية نجاحها.. إلا أن التشخيص بحد ذاته إذا ما كان دقيقاً فهو المدخل لصياغة برامج أكثر جدوى وصوابية.
بعض معالجات الكتاب تميل للتحفظ، وأخرى استهلكت النصيب الأكبر من مادته، وربما كانت الاستعادة المستمرة، الوسيلة المفضلة للكاتب لتأكيد الفكرة حتى لو بدت في كثير من الأحيان تحمل عموميات تفتقد كثيراً من التفاصيل.
ولعل خاتمة الكتاب توحي بما يعتمل في عقل مؤلفه بل وما يشغل الكثيرين اليوم في مرحلة دقيقة من عمر المملكة. "هذه البلاد تطل على نافذة لمستقبلها وذلك وضع فريد قد لا يطول. فركائزها متينة وإنجازاتها حية وقدراتها لم تفقد كل قوتها بعد وتجربتها ناجحة. كما أن الفراغ الجيوسياسي الذي يحيط بها جاهز لملئه بهذه البلاد أو بغيرها من محيطها أو من خارجه. جيل اليوم بكل أطيافه، بقادته وعلمائه وشيبه وشبانه ورجاله ونسائه فتح لهم التاريخ نافذة كبيرة لن تدوم. فإن هم حلموا وجدوا ورسموا الطريق لأنفسهم ولغيرهم معهم، فإن باستطاعتهم الوثوب عبر تلك النافذة إلى عالم جديد من صنعهم يضاف إلى ما خلفه أسلافهم. وإن هم اختاروا البقاء في موقعهم والاكتفاء بالتطلع من خلال تلك النافذة فحسب، فإن النافذة لابد أن تغلق عاجلاً أو آجلاً".
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
يختار حضورك لحظته مارا كما الطيف، الذي يطل بعد
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
يحتار الشخص عندمايفكر فى وضع المنطقة المحير والمعقد .
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
على الرغم من أهمية اللائحة الداخلية لمجلس الأمة، كما
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
لا يخفى على أحد كيف يستطيع وعاظ السلاطين وكهنة
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
في الوقت الذي يتطلع فيه الشعب الايراني و القوى
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
عبدالعزيز السماري
لا يمكن للمجتمع العربي أن يتجاوز أزماته في العنف والإرهاب والاستبداد إلا من خلال منح مساحات أكبر وأكثر تنظيماً للتعبير عن الرأي، فالأفكار السرية والانقياد الأعمى والتحكم من بعد وسائل يجيدها البعض في غياب أجواء الحرية المسؤولة، ويزيد من الأمر توتراً حين يستخدم الحاكم أو المعارض الإرث الديني في أغراض السياسة، وذلك عندما يحاول إلباس آراءه السياسية، أياً كانت، برداء الدين وقدسيته، وذلك هو بيت القصيد فيما يحدث في الأوطان العربية من نزاع ودماء واقتتال.
فقد استخدمت في البدء معظم السلطات الحاكمة في بلاد العرب الدين ورجاله في ترويج طرحهم السياسي ولشرعنة استبدادهم بالشعوب، وكانوا بالرغم من علمانيتهم المتطرفة يجيدون فن الظهور مع رجال الدين في المناسبات السياسية وغيرها، وهو ما زاد من وتيرة الصراع من خلال الدين، فالمعارض أصبح يستخدم الدين لمقارعة الطرح الرسمي السياسي الذي يستغل السطحية والانقياد الأعمى للعامة للخطاب الديني المسيس.
كانت كلمة السر في هذا العبث بعقول الناس هو إحكام السيطرة، فالحاكم يبحث عن أي وسيلة مشروعة أو غير مشروعة من أجل السيطرة على العقول ثم جعلها تنقاد إلى طاعته بوعي أو بدون وعي، وكان الانتقال من اتجاه إلى آخر أمراً مقبولاً ولا تحكمه قوانين أو دستور، ولكن رغبات السلطة الممثلة في شخص الحاكم المتسلط..
فقد انتقل الرئيس العراقي من خيار العلمانية كحل سياسي براغماتي في بلاده، يستعبد الطائفة والمذهب من العمل السياسي إلى مرحلة الرئيس المؤمن الذي تاب من العلمانية وعاد ليطلق حملة الإيمان والأسلمة على الطريقة السنية بعد الهزيمة في حرب الخليج وانتفاضة الشيعة في الجنوب.
كان الثمن أن أوقد الرئيس التائب النار الطائفية في نخيل ومزارع وميادين وشوارع العراق، فكان الانقسام الذي لا يزال يحرق الأخضر واليابس في أراضيه إلى اليوم، وكان الثمن احتراق وطن بسواعد أبنائه الذين انقادوا بدون وعي خلف التحريض الطائفي البغيض وخلف الفكر الديني الدموي، فاحترقت بغداد وانفصلت الأنبار ودخل الغرباء للأرض العراقية من أوسع أبوابها.
حدث شيء مثل ذلك في تونس، فالرئيس زين العابدين قاد حملة الإيمان في أيامه الأخيرة، واستدعى رجال الدين المشهورين بالطرح السلفي، ليزكوه سياسياً أمام شعبه، وذلك من أجل أن يكون رئيساً مدى الحياة، لكن التركيبة الاجتماعية لتونس وارتفاع مستويات التعليم أنقذا البلاد من الفوضى، بالرغم من محاولات بعض المتطرفين في إذكائها، لكن عقلانية حزب النهضة ومثقفي تونس جنبوها من الدمار.
بينما لم تنجح الحكمة والعقلانية في ليبيا، بسبب جنون الحكم السياسي فيها، فقد كان يُدار بعقلية تفتقد للاتزان والحكمة، وقد حاول أبناء الزعيم أن يحولوا بلادهم من حالة اللا نظام إلى مرحلة استخدام الدين لشرعنة سيطرتهم على عقول الشعب الليبي، لكنها خطوات لم تنجح، وأحدث الكارثة في الحرب الأهلية الحالية في ليبيا.
من أخطر أدوات السلطة أن تحاول أن تحكم من خلال تسييس الدين، وذلك لأنها سلاح ذو حدين، فكما يُدين الحاكم بها الناس، وينتقم من خلالها من معارضيه، يُدان بنفس القدر، وذلك عبر استخدام النصوص من قبل المعارضين المؤدلجين كسلاح سياسي فتّاك ضد السلطة، ومن أجل التحريض ضدها، وهو ما يعني تهيئة الأرضية الملائمة للحرب الأهلية والفوضى في المستقبل.
لذلك ستظل خيارات التسامح والعفو والحرية المسؤولة والإصلاح السياسي المتدرج الطريق الأمثل لتجاوز عنق الزجاجة إلى حيث مرحلة الاستقرار السياسي الطويل كما يحدث على سبيل المثال في أوروبا الغربية، وسيكون خيار الابتعاد عن تسييس الدين البعد الإستراتيجي الأهم عند مخاطبة عقول الناس، وذلك من أجل المهمة الأهم وهي تطهير الدين من براغماتية السياسة وخياراتها المتدرجة وأغراضها وخطابها المتغيّر، وذلك لئلا يتحول الدين الحنيف إلى أداة أو سلاح فتّاك في متناول المغامرين والمقامرين بمستقبل الأوطان، والله المستعان.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
د.عبد الرحمن الحبيب
«إذا كنت تسأل هل استشارات ماكينزي تناسب أوضاعنا وتصلح لمؤسساتنا، فعليك أن تسأل ما هي توجهات قادة المؤسسات أو المديرين التنفيذيين للقطاع الذي أنت فيه، فماكينزي في المقام الأول تركز على إرضائهم..» كانت هذه خاتمة مقالي قبل السابق..
هذه الفقرة أتت بعد استعرض أهم كتاب يؤرخ لشركة ماكينزي لمؤلفه داف ماكدونالد.. لم أكن أتوقع أنها ستجعل المقال في موقع مضاد بحدة للشركة، حسبما وصلني من واتس أب وقرأت في تويتر، فضلاً عن النقاشات الشفهية. بالنسبة لقناعتي لست ضد ولا مع ماكينزي، ولست مؤهلاً - على الأقل حتى الآن - لإطلاق الحكم، إنما الفقرة التي عرضتها كانت خلاصة منطقية للكتاب، وليست خبرة عملية. إنه استنتاج قابل للفهم إيجاباً أو سلباً، حسبما ترى أن من يرضي عملائه انتهازي مقيت أم بائع طبيعي يعرض ما يشتريه الزبائن. فما هو رأيك في بائع بضاعته النصائح؟
الآراء حول ماكينزي متباينة ومتعددة بعدد السنوات التسعين من عمر الشركة.. فتجد من يعمم الحكم عليها بالسلب، بل في أمريكا من يلقي اللوم عليها في فشل الرأسمالية الأمريكية.. بالمقابل هنا من يعمم الحكم الإيجابي لدرجة القول إنها قافلة مظفرة تسير ومنتقدوها ينبحون.. أما الواقع فيقول إنها ظلت على مدى عقود في المقدمة عالمياً في الاستشارات الإدارية، ويقول أيضاً إن هذه الاستشارات مرَّت بأفضل النجاحات وأسوأ الإخفاقات..
إذن، كيف نحكم عليها؟ لنأخذ التصويت عبر الاستبيانات.. تذكر صحيفة وول ستريت أن عملاء ماكينزي يرون أن المشورة التي قدمتها الشركة لهم هي أضعف من السابق بحوالي 10 إلى 20%. بينما بين عامي 2002 و2014، صُنفت ماكينزي في المرتبة الأولى من أفضل الشركات الاستشارية عالمياً، حسب Vault.com. هذه نتيجة متناقضة تشوش الحكم لكنها تفيدنا بأخذ صورة أفضل للتأني فيه..
في مثل هذه الحالات المتشابكة من الأفضل للكاتب أن يستعرض ويحلل ولا يقف ضد أو مع (رغم أن هذا حقه)، كي يخدم القارئ المهتم لأخذ تصور أفضل قبل الحكم.. هنا، دور الكاتب المحايد مثل الطبيب الشرعي في المحكمة يعطي تحليله الحيادي لمن وقع عليه الحدث (طالب الاستشارة)، ويترك الحكم للقاضي (القارئ) ليفصل بين الإدعاء (ضد الشركة) وبين الدفاع (مع الشركة). الكاتب هنا ليست مهمته إصدار الحكم العام بل تسهيل طريقة وصول القارئ للحكم؛ ويستثنى من ذلك إذا دخل الكاتب في تفاصيل تجبره على إصدار أحكام تقييمية..
إذا انتقلنا للحكم على ماكينزي من خلال ما بدأنا به وهو إرضاء العميل.. إلى أي مدى يتم ذلك؟ بعد الدعاوى القضائية في أمريكا ضد الستاتي (كبرى شركات التأمين)، تم الإفراج عن 13 ألف وثيقة لماكينزي أظهرت أنها أوصت الشركة بخفض دفعات المطالبين بالتأمين عبر تسويات معهم، وإنهاكهم عبر تأخير الإجراءات، واستنزاف المحتجين منهم بالمحاكم.. تضاعفت أرباح الستاتي على مدى عشر سنوات بعد اعتماد استراتيجية ماكينزي، ولكنها أدت أيضاً إلى رفع قضايا بدعوى غش المطالبين بالتأمين المشروع.. أي أنها أرضت العميل لسنوات في البداية ثم لاحقاً ورطته قضائيا!
الأسوأ من ذلك أن اثنين من كبار المديرين التنفيذيين السابقين لماكينزي، غوبتا وكومار، كانا من بين المدانين في تحقيق حكومي بأمريكا (حتى عام 2014) في التداول من الداخل لإفشاء وتبادل المعلومات الداخلية مع مجموعة جاليون.. ورغم عدم اتهام ماكينزي بارتكاب مخالفات، إنما الإدانة كانت محرجة للشركة، لأنها دائما تفخر بصرامة سرية معلومات العملاء مما أثار الشكوك حول مصداقيتها..
إذا كانت نصائح ماكينزي باعتماد استراتيجيات أدت إلى انهيار شركات، فكذلك فشلت دول فشلاً ذريعاً نتيجة اعتمادها خطة ماكينزي.. فهل ماكينزي مسؤولة عن الفشل؟ البعض يقول: كلا، لأنها تضع الخطط وليست هي المسؤولة عن التطبيق الفاشل. لكن البعض يؤكد أن نصائح ماكينزي، أحياناً، وجهت قادة المؤسسات الكبرى للتصرف بحماقة؛ مثل فضيحة أرنون (كبرى شركات الطاقة الأمريكية) التي أفلست بعد ممارسات محاسبية مريبة أدينت بالمحاكم، رغم أنه لم تصدر إدانة ضد ماكينزي، إلا أن بعض النقاد يشكك بعلم ماكينزي بتلك الممارسات..
لكن لا ننسى أن ماكينزي بعد الحرب العالمية الثانية، حسنت أوضاع كبرى الشركات الأمريكية، بل أنها ساعدت على إعادة هيكلة البيت الأبيض على نحو فعال، ووجهت الشركات الأوروبية من خلال إعادة الهيكلة وسهلت تحويلها لأداء أفضل.. ولديها نجاحات مشهودة في دول شرق آسيا..الخ
كخبير في الاستشارات الإدارية، هل ترى قوة ماكينزي للخير أم للشر؟ سؤال وُجه لماكدونالد في صحيفة «تايم»، قال: باختصار، كلاهما. وشرح ثلاثة أسباب لانتقادها. الأول، أن الشركة تعطي شباباً من حملة ماجستير إدارة الأعمال (من أفضل جامعات العالم)، لكنهم بلا خبرة ينصحون المديرين التنفيذيين المخضرمين بكيفية تشغيل أعمالهم على نحو أفضل. ثانياً: مجرد هيلمان العلامة التجارية لماكينزي تجعل المديرين التنفيذيين لا يقاومون التعاقد معها. ثالثاً: أنهم قلما دخلوا واقعياً في تنفيذ الأعمال، فلديهم بقع عمياء بالتأثيرات الإنسانية والسياسية لقراراتهم الهامة مثل تسريح الموظفين والعمال حتى في أوقات غير موجبة لذلك سوى الربح الفاحش..
قال له السائل: يبدو لي ذلك عنواناً واضحاً للشر؟ رد عليه ماكدونالد: لا يمكن لماكينزي أن تظل باقية لنحو قرن دون تقديم قيمة ثمينة لأذكى الناس وإلا لكانت اختفت منذ فترة طويلة.. الشركة مفيدة للغاية في نشر أفكار جديدة في إدارة التفكير، من الهيكل التنظيمي إلى الخصخصة، وإستراتيجية تكنولوجيا المعلومات، والعولمة..الخ.
الخلاصة أنه ليس مفيداً الحكم العام المسبق باستشارات ماكينزي، بل الحاجة لأحكام تفصيلية لما تطرحه خططها في: إعادة الهيكلة والدمج، تنويع الدخل، الخصخصة، تقليص النفقات وزيادة الإيرادات، تسريح الموظفين؛ والانتباه هنا لتأثيراتها الاجتماعية والسياسية التي أظهر تاريخ ماكينزي قلة العناية بها، فاستشاراتها تعتمد على لغة الأرقام المالية فقط، دون تبعاتها اللاحقة..
كما أن من يطبق الاستشارات عليه الجزء الأكبر من الحمل بداية من قادة المؤسسات ونهاية بأفراد المجتمع، مروراً بمن ينفذها من مسؤولي الدرجة الثانية.. فتلك استشارات شهدت نجاحات في شرق آسيا وإخفاقات في الشرق المتوسط.. فهل هي صدفة أن تناسب أولئك وتفشل مع هؤلاء؟
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
سعد الدوسري
ربما تكون تقنية المعلومات، هي المجال الأكثر حضوراً في تطوير أنماط العمل المؤسساتي الحكومي أوالأهلي، وبدونها سيكون من الصعب جداً خلق حالة التواصل مع المنجزات الإدارية والعلمية والتقنية في كافة أنحاء العالم. وعلى الرغم من أن الجهات الرسمية بالمملكة، كانت قد استشعرت أهمية هذه التطبيقات الالكترونية، إلا أننا لا نزال أمام تحديات كبيرة جداً في هذا المجال، تتمثل في مقاومة بعض المسؤولين لهذا التيار الحداثي في الممارسة الإدارية.
اليوم سأشير إلى مُنجَزٍ شبابي مميز في حقل تقنية المعلومات؛ المهندس حسام أمان الله بخاري، الذي كرمته الجمعية اليابانية للإدارة الهندسية، مانحةً إياه شهادة التفوق الاستثنائي، نظير تفوقه الأكاديمي في تطوير منهجية جديدة للتنقيب عن البيانات واستنباط النتائج من مصادر المعلومات المختلفة في مواقع الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي. وكان حسام أحد أعضاء الفريق العلمي الذي حقق وصافة العالم في بطولة السيارات الشمسية بأستراليا عام 2013، ضمن فريق جامعة توكاي اليابانية، كما كان أحد الفائزين في مسابقة ريادة الأعمال بملتقى الابتكار الأول للطلبة السعوديين في اليابان، وكرمه الملك سلمان خلال زيارته لليابان عام 2014.
إن توجه شبابنا وشاباتنا لدراسة التخصصات التي تتوافق مع احتياجات بلادنا في هذه المرحلة الحرجة، ينمُّ عن وعي كبير لدى شريحة واسعة منهم؛ ففي هذه المرحلة، نحن لن نراهن على الاستفادة من خبرات الأجنبي، بل على الشاب المؤهل الذي سينقل وطنه إلى مستقبل مغاير.
- التفاصيل