قضايا وأراء
- Details
- قضايا وأراء
عبدالعزيز السماري
دائماً ما يتم اختزال ظاهرة التطرف في المجتمع في أولئك الذين اختاروا طريق التكفير والقتال والموت بالأحزمة الناسفة، بينما هي أكثر من ذلك، فقد تكون الظاهرة في حقيقة الأمر أكثر شمولاً، وتحكي قصة صراع العقل المغلق مع مستجدات العصر، وقد يكون أحد سماتها ظاهرة التطرف الديني، ولكن بمجرد النظر خلال طبقات المجتمع المختلفة وسلوكهم سنكتشف أنها متفشية وتفسر صراعنا الطويل مع التغيير.
لذلك لا يجب اختزال ظاهرة التطرف في التزمت الديني، وفي السلوك العنيف، أو في تلك الأصوات الجهورية و في تلك القدرة على البكاء عالي الصوت للتعبير عنه، أو في الرغبة الشديدة في مطاردة الناس، أو الخروج إلى الشارع للتعبير عنه، وذلك لأنها مجرد علامات لظاهرة أشمل وهي ظاهرة التطرف الذهني في فهم الأشياء، فالحقيقة دائما واحدة عند الغالبية وتجدهم في كثير من الأحيان يقاتلون عقلياً من أجل نفي الصوت الآخر للحقيقة أيا كانت.
ظاهرة التطرف العقلي تغذي سلوك التطرف الذي نعاني منه منذ عقود، و يمثل رأس حربة الدفاع عن حالة الانفصام التي نعيش فيها، فمواقف التشدد التي نعبر عنها في المجالس والصالونات الثقافية والمواعظ الدينية تطغى على رغبة دفينة في حب الحياة والاستمتاع بجمالها وملاذاتها، لكنها تتعرض للقمع من قبل العقل المتشدد المسيطر، كلما هربت تلك الشخصية إلى خارج دائرة التشدد من أجل الاستمتاع بنسمة حرية بريئة، لكنها غالباً ما تعود سريعاً إلى تلك الاصطفاف داخل تلك الدوائر المغلقة ثم المشاركة في التعبير عن التشدد.
التمسك بخيوط الاتصال مع التشدد في كثير من العقول يمثل حالة رجعة إليها في حالة فشل الواقع المعاصر في إحداث التغيير في مشروع الخروج إلي حيث الاستقرار السياسي والاقتصادي واحترام الحقوق، لذلك تجد الكثير منهم في حالة انتظار لنتائج مشاريع التغيير الكبري، والقادرة على توفير الحاجات الضرورية، ومحاربة الفساد المالي والإداري وتحقيق الأهداف على أرض الواقع، لكنهم دائما يُصابون باليأس كلما فشلت خطة، وتم الإعلان عن بديل لها.
ظاهرة التذبذب بين مواقف المحافظة واحترام الحريات شائعة في كثير من المجتمعات، لكنها تختلف من مجتمع إلى آخر، فالعنف يسيطر على ظواهر الانتقال من مرحلة إلى أخرى في المجتمع العربي، وتبرز دعوات التغيير بالقوة كلما فشلت مسيرة للتغيير في المجتمع، ويساندها موقف تشريعي، بينما تبدو تلك الصورة في الغرب أكثر احترافاً واحتراماً لصناديق الاقتراع، بينما يؤمن العقل المشتدد في الشرق العربي أن العنف هو الوسيلة الشرعية في إحداث التغيير.
لذلك أومن أن الرؤية المستقبلية المعلنة لهذا الوطن يجب أن تنجح مهما كلف الأمر، ولا بديل عن التراجع عنها، وإذا فشلت فستنهار العقول في مستنقع التطرف واليأس، وإذا وصلت إلى أهدافها الوطنية سنجتاز مرحلة كبيرة، وفي غاية الوعورة في التاريخ الاجتماعي والسياسي في الوطن، ولهذه الأسباب على تلك المسيرة أن لا تتوقف عند احتفالات الإعلان عنها، وأن تكون جادة في محاربة الفساد المالي والإداري والذي أرى فيهما المغذيين الرئيسيين للتطرف العقلي في الموقف من الأشياء من حولنا، و في إصلاحهما فتح الباب الأهم للدخول في المستقبل بدون معاناة.
أؤمن بوجود عقل للسلطة في أي مجتمع في التاريخ، وهو الذي يقود المسيرة إما للهلاك أو للنجاة، وخصوصاٍ في المجتمعات الناشئة، والتي لازالت بعض جذورها ترقد في مياه التخلف والأمية والفقر والتطرف، ووصفة التخلص من تركة التطرف العقلي أن يكون عقل السلطة أكثر تحضراً وثقافة ووعياً من المجتمع، أي أن يكون في مقدمة العربة، وأن يقودها إلي بر الأمان، ولن يحدث ذلك بدون التحكم في نزواته وغرائزه وانفصامه عن الواقع، وفي شجاعته على إصلاح الشأن السياسي، وفي تنظيف حديقته الخلفية من المتسلقين وأصحاب المصالح الخاصة جداً، والله المستعان.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
د. أحمد الفراج
رغم الحملة السلبية التي يواجهها المرشح الجمهوري، دونالد ترمب، من معظم الشرائح الجمهورية، مثل السيدات، والسود، والأقليات، وكذلك إعلان أقطاب من الحزب الجمهوري عدم دعمهم له، بما في ذلك رؤساء جمهوريون سابقون، مثل الرئيسين بوش الأب والابن، ورئيس مجلس النواب، بول راين، والذي يُعتبر أقوى شخصية جمهورية حالياً، اذ إن رئيس مجلس النواب هو الثالث على ترتيب رئاسة أمريكا، فيما لو حدث مكروه للرئيس ونائبه، إلا أن ترمب لا زال يكابر عن الاعتذار لكل هذه الشرائح، ويمضي قدماً في حملته الانتخابية، وذلك لعلمه بأنه خطف بطاقة الترشح رغماً عن الجميع، ولكن قلق الجمهوريين يتزايد يوماً بعد يوم، لعلمهم بأن ترمب لن يكون بوسعه هزيمة المرشح الديمقراطي المحتمل، هيلاري كلينتون، في انتخابات الرئاسة القادمة، ليس لتميُّز هيلاري، ولكن لأنها تملك شعبية كبيرة لدى الفئات التي تمقت دونالد ترمب، أي الأقليات، والسود، والسيدات، علاوة على خبرتها في السياسة الخارجية، مقارنة بترمب، والذي لا تتجاوز معرفته بالسياسة الخارجية معرفة شعبان عبد الرحيم بالفيزياء الفلكية الذرية.
كان من المتوقع أن يحرص ترمب، وهو في هذا الموقف السيئ، أن يختار نائباً له من ذوي السمعة السياسية المتميزة، وذوي الشعبية لدى الفئات التي تتخذ موقفاً سلبياً منه، مثل عضو مجلس النواب السابق، الدكتور رون بول، ورغم أن هذا صعب جداً، لأن معظم الشخصيات الجمهورية المحترمة سترفض حتماً العمل مع شخصية مثيرة للجدل، إلا أنه ليس مستحيلاً، في حال تدخل الحزب، ومع ذلك فإن ترمب يفكر حالياً في اختيار عضو مجلس النواب ورئيسه السابق، نيوت قينقريتش نائباً له، وقينقريتش ليس بتلك الشخصية التي من الممكن أن تجذب الناخبين، فهو من شاكلة ترمب، ويتبنى ذات المواقف، وله تصريحات سلبية جداً، ضد الأقليات العرقية والدينية، ومع أن خلطة ترمب وقينقريتش ستجذب المحافظين، أي العنصريين، مثل الإنجيليين المسيحيين (الصحويين في أمريكا)، وستجذب أنصار أقصى اليمين في الحزب الجمهوري، إلا أنها لن تجذب معظم الشرائح الأمريكية، بكل تأكيد.
لا ندري من هي الشخصيات الأخرى، التي من الممكن أن يختار منها ترمب نائباً له، ولكن طالما أنه يفكر في اختيار نيوت قينقريتش، فلعلي أقترح عليه اختيار حاكمة ولاية ألاسكا السابقة، سارا بالين، والتي تسببت بنكبة كبرى للمرشح الجمهوري، جون مكين، في انتخابات 2008، عندما اختارها نائبة له، واتضح بعد ذلك أنها عبارة عن كتلة من الجهل والغباء، فهي التي قالت، عندما سُئلت عما إن كان لديها خبرة في الشأن الروسي: «نعم، إنني أستطيع رؤية موسكو من شرفة منزلي في ولاية ألاسكا!!»، وهذا يعني أنه سيكون لديها خبرة كافية عن الشرق الأوسط، فيما لو قُدر لها أن تركب طائرة تمر من فوق منطقتنا، والمؤكد أن الولايات المتحدة تمر بمرحلة مفصلية، منذ انتخاب الرئيس باراك أوباما، ولكن في النهاية لن يصح إلا الصحيح، ففي النهاية، هذه هي أهم وأقوى دولة في العالم، والكل يعلم أنها أينما سارت، سار معها هذا العالم الكبير.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
د.عبد الرحمن الحبيب
قيل الكثير عن ماكينزي، بعضها وصل لحد الأسطورة.. فهي الأغلى والأنجح والأكثر وجاهة وشهرة بين كل الشركات الاستشارية بالعالم.. وهي المحسودة والمكروهة لأنها القاسية على الموظفين والمدللة للمديرين التنفيذيين.. فهل تستحق الثمن الذي تطالب به، وهل هي جديرة بالثقة؟
كتاب داف ماكدونالد «الشركة، قصة ماكينزي وتأثيرها السري في التجارة الأمريكية»، يعد مِن أهم مَن تناول الموضوع، محاولاً فك لغز ماكينزي عبر إلقاء نظرة تاريخية منذ نشأتها حتى وقتنا الحاضر، تزود القارئ المهتم في الاستشارات الإدارية وتحسين فهمه لهذه الشركة مما يجعله يتخذ موقفاً منها يناسب متطلباته.. وهنا عرض للكتاب الذي لم تصدر له أي ترجمة للعربية فيما أعرف..
في منتصف عشرينات القرن الماضي تأسست شركة ماكينزي الاستشارية على أفكار وضعها أستاذ المحاسبة بجامعة شيكاغو جيمس ماكينزي. كانت نصيحته بسيطة: يحلل عملك محدداً الأخطاء، ثم يخبرك كيف تحسين وضعك ومنافسة الآخرين. كان ذلك، وقتئذ، إعادة لدور المحاسبة من مجرد مهمة بيروقراطية إلى تأسيس صناعة قرارات تجارية استراتيجية تعتمد على البيانات وتحليل محاسبي دقيق ومفصل لجميع جوانب العمليات بما فيها العملاء، والموردين، والجهات المنافسة.. إلخ.
لم يكن جيمس ماكينزي هو الذي أدخل الشركة إلى واجهة العالم، بل خليفته، مارفن باور، خريج جامعة هارفارد، عندما انتقل منتصف الثلاثينات إلى الشركة الوليدة التي تضم بضعة موظفين. مات جيمس فجأة عام 1937، فأصبح باور مدير الشركة، ونجح في تثبيت مصداقيته ونفوذه داخل الشركة، ونقلها من شركة استشارية عادية إلى مؤسسة ضخمة ذات مكانة بارزة. وبعد الحرب العالمية الثانية بدأ مجد الشركة في الصعود..
الشركة وثقت علاقات حميمة مع قادة الشركات عبر تركيزها على خدمة المديرين التنفيذيين، وكثير من خريجيها تسلموا مناصب قيادية في الشركات الأمريكية وبعد ذلك أصبحوا عملاءها. وتكونت لها شبكة أصدقاء هائلة من رجال الأعمال الأميركيين، مما جعلها في وضع فريد للحصول على المعلومات التجارية والأسرار الدفينة.. صارت قوة ماكينزي تكمن في بيع الأفكار الصحيحة في الوقت المناسب.
ماكينزي، بقيادة باور، تمددت إلى الفكر الأكاديمي، وعملت على إنشاء الدراسات العليا في إدارة الأعمال بجامعة هارفارد واضعة معايير أساسية تقوم على البيانات الحسابية والموضوعية والتحليل الكمي. كذلك تمددت إلى الميدان السياسي، مستفيدة من الحكومة الأمريكية خلال الحرب الباردة، حتى أن الرئيس الأمريكي ايزنهاور استخدم استشاراتها للمناصب الرئيسية في حكومته. باختصار، أعادت ماكينزي تعريف رأس المال الأمريكي حتى أصبحت النسيج الضام للرأسمالية الأمريكية لأكثر من عقدين من الزمن، وخلقت «دولة المقاولات». وساعدت على انتشار هذا المفهوم بجميع أنحاء العالم.
المجال الأساسي الذي تفوقت فيه ماكينزي كان مساعدة قادة الشركات في خفض التكاليف وتسريح الموظفين، مما شكل سمعة سيئة لها بين الموظفين والعمال.. وهذا من عيوب نظام ماكينزي بأنه جامد منفصل عن المشاعر الإنسانية، حتى أن جيمس ماكينزي نفسه كان صعباً عليه تطبيقها بسهولة، نظراً لقساوتها في قطع أرزاق الناس. وفي الوقت نفسه، كانت رؤى ماكينزي غطاء للمديرين التنفيذيين لزيادة رواتبهم، حتى قفزت لأرقام فلكية؛ فالمدير التنفيذي هو في نهاية المطاف، الزبون والعميل لها..
وإذا كانت ماكينزي بشرت بزمن الخطط الاستراتيجية، ففي بداية السبعينات عندما قربت طفرة الاستشارات التنظيمية من نهايتها، واجهت ماكينزي تحديات خطيرة لهيمنتها من شركات منافسة مثل مجموعة بوسطن، وباين، اللتين أدخلتا أطراً جديدة استحوذت على اهتمام المعنيين، وأعادت تعريف «الاستراتيجية». كما أن الشركات الحالية المتفوقة مثل جوجل وأبل لم تحتج لماكينزي. ستيف جوبز، لم يكن بحاجة للتحليل الكمي الماكينزي لقفزة أبل الكبرى، لقد صنعها بفضل قدرته على تخيل المنتجات التي تُسعد المستهلك.
رغم النجاحات الباهرة في تاريخ ماكينزي، فثمة حالات فشل فادحة بالسنوات الأخيرة. فهي لم تستطع إنقاذ جنرال موتورز رغم سنوات الاستشارة، بل لم تتمكن من فهم المشكلة.. وأزمة بنك مورجان، فقد نصحته بالعودة لأنشطته الإقراضية وبدلاً من إنقاذه أفلس البنك.. وكانت شاهداً استشارياً على انهيار شركة انرون.. ولم تتوقع الأزمة المالية عام 2008 رغم روابطها الوثيقة بجميع أنحاء العالم المصرفي وبلاغات التحذير التي وصلتها من بعض البنوك..
نعود لجوهر المسألة.. هل ماكينزي تستحق سعرها الباهظ؟ يرى ماكدونالد أن الإجابة الحاسمة صعبة؛ ففي خاتمة كتابه يتساءل: ما الذي يفعله استشاريو ماكينزي؟ الجواب الشامل أيضاً غير مُرضٍ. لا توجد استشارات عظيمة للشركة، بل علاقات عظيمة مع العملاء. الأدهى من ذلك، على الرغم من إصرار الشركة على ثقافتها من «القيم» التقنية في الإدارة، فإنها لا تطبقها إلا عندما تكون مفيدة..
هنا يضع ماكدونالد في استنتاجه الأخير احتمالين لماكينزي: الأول، أن استراتيجيتها الأساسية ستبقى بأحسن الأحوال سلعية (بضاعة في السوق)، وبأسوأ الأحوال غير ذات صلة بعصر إنترنت تهيمن عليه قيادة شركات تحتاج للعمل الفوري المباشر، وليس للاستراتيجية (طويلة الأمد)؛ وغير متصلة بالتخصصات الدقيقة للصناعات المعقدة مثل التكنولوجيات الحالية. حتى العميل الأكثر ثقة بماكينزي قد يفقد الحماس بها إذا لم تساعده على الحل الفوري لمشاكله. العديد من شركات اليوم لا تملك ترف وضع استراتيجيات طويلة المدى، فهي بحاجة إلى الإنجاز السريع. هذا ليس من قدرات ماكينزي.
التحدي الأكبر لماكينزي هو تقديم معلومات ونصائح لا يعرفها عملاؤها. إنما عالم الأعمال حالياً يزدحم بخريجي الدراسات العليا في إدارة الأعمال، والنصائح المشابهة لما تقدمه ماكينزي متوافرة بسهولة ويمكن شراؤها بأبخس الأثمان.. جوجل مفتوح للجميع..
الثاني: لا يمكن إنكار النجاح والتكيف اللذين أثبتتهما ماكينزي على مدى قرن من الزمان تقريباً. فرغم جميع التهديدات المذكورة لمستقبل الشركة، فإنه يصعب تخيل عالم الأعمال دون ماكينزي، لتلبية احتياجات وطموحات وصعوبات يواجهها كبار المديرين التنفيذيين من أكبر الشركات في العالم: «في مؤسسة كبرى.. القيادة هي حول جعل الناس تتبعك، لكن قبل ذلك أنت تحتاج إلى تحديد الاتجاه الذي تختاره. سيكون هناك دائماً طلب لهذه الاستشارة، وهذا هو بالضبط ما توفره ماكينزي».
أخيراً، إذا كنت تسأل هل استشارات ماكينزي تناسب أوضاعنا وتصلح لمؤسساتنا، فعليك أن تسأل ما هي توجهات قادة المؤسسات أو المديرين التنفيذيين للقطاع الذي أنت فيه، فماكينزي في المقام الأول تركز على إرضائهم..
- Details
- Details
- قضايا وأراء
د. جاسر الحربش
اعتبر الشريف حاتم بن عارف العوني من أصحاب التأهيل العالي في فهم المقاصد الاجتماعية في الدين، فهو دكتور يدرس الكتاب والسنة بجامعة أم القرى وعضو سابق في مجلس الشورى ووجه محبوب في الحوارات الفضائية. تغريدة منه جعلتني أتعجب من احتمال التقصير المتعمّد (وليس القصور) في فهم أسباب اختلاف الطبائع بين البداوة والحضارة. تقول تغريدة الدكتور العوني:
الإسلام مدني بطبعه يكون فهمه وتطبيقه أصح وأجمل مع التمدن والحضارة، ويكون أجف وأغلظ مع التصحر والبداوة.
(تعليق مؤقت: إلى هنا والتغريدة مفهومة وصادقة).
ثم يقول: فلقد نشأ في حواضر العرب مكة والمدينة فكان أروع دين مع أصح فهم مع أحسن تطبيق، فلما تلقفه البدو كحرقوص بن زهير التميمي نشأ الخوارج. مع أن لغته كانت حجة لكن النفسية المتعجرفة والمتوحدة والمستذئبة في التوحش تمنعه من الفهم الصحيح والتطبيق الحسن. ومن رحمة الله أن عامة تراثنا نشأ في أحضان التفقه المتحضر، في الحرمين ودمشق وبغداد والقاهرة والأندلس وتونس وفاس، ولم ينشأ في البداوة إلا نادراً. (انتهت التغريدة).
أعتقد أن الدكتور العوني المتخصص في علوم الكتاب والسنة إنما عبر عن حالة إحباط عابرة، أو أنه لم يجتهد بما فيه الكفاية لفهم المعاني العميقة من تلك الآيات القرآنية الكريمة المتعلقة بالبداوة وطبائعها، ولاستحضار أحداث التاريخ الإسلامي وعلوم العمران والاجتماع.
أولاً: جميع الآيات الكريمة المعنية بالبداوة والإسلام لا تحمل معنى الانتقاص ونفض اليد وإباحة المعايرة بالبداوة عن بُعد، بل هي توجيه إلهي وحثّ شرعي للمكلفين المسلمين على تحضير البدو والاهتمام بهم والأخذ بأيديهم نحو الاستقرار المعيشي والاكتفاء، ليحسن إسلامهم وتتهذب نفوسهم. هنا ينبثق السؤال الجارح: هل أدى المسلمون أهل الحواضر هذه المهمة التكليفية، أم أنهم تخلوا عن بدو الصحراء وانصرفوا إلى الانغماس في المدنية والتحضر؟.
ثانياً: كان تجار وأعيان مكة القرشيون مثل يهود المدينة من أشد الناس عداوة للإسلام، وهؤلاء كانوا أهل التحضر آنذاك واستمرت عداوتهم حتى انكسرت شوكتهم. في نفس الوقت كانت قبائل الأوس والخزرج ومن جاورها من بدو المدينة أول من نصر الإسلام. البداوة سبقت التحضر في الإسلام وجاهدت في سبيله قبل الحضر.
ثالثاً: ليس كل بدوي بطبعه يشبه حرقوص التميمي، وأما الخوارج فكانوا من حضر البصرة والكوفة، ومن استباح المدينة المنورة وضرب الكعبة الشريفة بالمنجنيق كانوا حضر الشام وليسوا بدو الصحاري. البدو لم يتلقفوا (وهذه مفردة سيئة وردت في التغريدة) الإسلام وإنما اعتنقوه، أما الفهم الصحيح والتطبيق الحسن فلم تسجل كتب التاريخ أن ذلك كان باستمرار من مآثر الحضر والتاريخ خير شاهد. وأخيراً هل فتن وحروب التشيع والتسنن بدوية صحراوية أم حضرية من إنتاج العراق والشام وفارس؟.
يحضرني هنا نقاش قديم في مجلس الشيخ حمد الجاسر بعد محاضرة لتكريم ذكرى رجل شهم ومثقف طليعي من وجهاء القطيف هو المرحوم علي أبو السعود. أُثير في النقاش الكثير من التظلم من غارات البدو على واحات القطيف عبر التاريخ. طرحت شخصياً على الحضور هذا السؤال: هل البدو يغزون الحواضر في أزمنة الخصب والسنوات المطيرة، أم في سنوات القحط والجدب فقط، بينما يتبادلون معهم البضائع في المواسم الخصبة؟. البداوة عنصر تكاملي تبادلي مع البؤر الحضارية في الصحراء ما دامت الأرض معشبة والمياه متوفرة لمواشيهم. في مثل هذه المواسم يكون البدوي أكثر كرماً من الحضري، ولكن عندما ينقطع المطر ويحل القحط المميت، ما هو المبرر للحضري ليتوقع من البدوي الهلاك جوعاً مع أطفاله ومواشيه، بينما الحضر خلف جدران الواحات في حالة اكتفاء؟.
واضح أن أسباب الاختلاف هي حتمية الصراع من أجل البقاء، وكل طرف يصارع بما يجيده واعتاد عليه. استمرار المثقف الواعي في التمسك بمفاهيم طبقية فرزية لم يعد مبرراً، وعليه أن يفكر في مبدأ التحفيز المتوجب بالنص الشرعي على الحضر للقيام بواجبهم لتحضير البدو، فيريحون ويرتاحون ويكسبون الأجر والثواب.
وآخر الكلام: ما من عربي حضري إلا وله أسلاف من البدو سواء في أقاصي المغرب أو على سواحل الحجاز والخليج. تأمل أخيراً في معاني هذا البيت:
أيا راصد الجوزاء مالك لا ترى
عيالك قد باتوا مراميل جوعّا
- Details
- Details
- قضايا وأراء
سعد الدوسري
تداولت وسائل الإعلام خبر الوعيد الذي أطلقه مدير الشؤون الصحية بمنطقة مكة المكرمة الدكتور مصطفى بلجون ضد مسؤولة العلاقات العامة والإعلام بأحد مستشفيات العاصمة المقدسة؛ لمخالفتها النظام بأخذ صورة «سيلفي» داخل غرفة العمليات أثناء قيام الفريق الطبي بإجراء عملية جراحية. وقال بلجون في سياق تهديده «إن ما تم هو مخالفة صريحة للنظام؛ وسيتم اتخاذ اللازم حيال الموظفة». ومعلوم أن وزارة الصحة أصدرت تعميمًا للمستشفيات كافة، يقضي بمنع دخول الهاتف الجوال بغرض التصوير إلى غرف العمليات والولادة، وأن من يخالف ذلك يقع تحت طائلة المساءلة القانونية.
«يا ساتر استر». هذا ما يمكن أن نقوله جميعًا إزاء مثل هذه المخالفة، التي لا نعرف حتى الآن ما هي العقوبة التي أوقعها الدكتور بلجون على مرتكبتها. نعرف أن العقاب لن يكون شديدًا، وربما لن يكون، وستستمر هذه الظاهرة، وسنرى المزيد من صور المرضى وهم ليسوا في وعيهم داخل غرف العمليات؛ فالناس يعشقون تداول الصور المغرقة في الخصوصية، دون أدنى احترام لمشاعر أصحاب الصور أو مشاعر ذويهم.
إن من ارتكبت هذه المخالفة هي موظفة في المستشفى، ولا بد أنها مطلعة على الأنظمة. ثم إن الإدارة التي تعمل بها ليست إدارة المشتريات، بل إدارة العلاقات والإعلام، أي أنها على دراية كاملة بالإجراءات المتعلقة بالتصوير داخل غرفة العمليات. ما لا نعرفه هو: مَنْ سمح لها بدخول غرفة العمليات أصلاً؟!
أعانك الله يا دكتور توفيق على هذه المستشفيات.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
- Details
- قضايا وأراء
- Details
- قضايا وأراء
منذ سنتين وأسعار الأراضي الى انخفاض والعقارات السكنية الجاهزة الى ثبات او نزول طفيف حسب الموقع والمدينة وهي عند مستوى يتجاوز قدرة المواطن الشرائية من ذوي الدخل المتوسط وما دون وهم الشريحة الأكبر من محتاجي السكن.
الايجارات استمرت في الزيادة ثم الى ثبات في بعض المناطق ولكنها لم تنخفض وقد وصلت الى ارقام تتجاوز قدرة المواطن بحيث تقتطع جزءا كبيرا من دخله وتؤثر على الاحتياجات الأخرى من صحة وتعليم ومعيشة.
اعلان وزارة الإسكان البدء في توزيع منتجاتها السكنية التي تصل الى 100 ألف منتج سكني وبمعدل 8 الاف منتج شهريا والذي بدأ في حفر الباطن الأسبوع الماضي. هذا التحرك سيكون له تأثير إيجابي على السوق العقاري وفي مصلحة المواطن الذي تضرر كثيرا في الماضي بسبب ارتفاع الأسعار. وإذا استمرت الوزارة في برنامجها والتزمت ووزعت هذه المنتجات فان أثرها سيظهر قريبا وسيعطي دافعا لتحرك السوق نحو حلحلة مشكلة الإسكان التي ظلت تؤرق الكثيرين.
الإيجابية في هذا الموضوع انها ستكون متزامنة مع الحلول الأخرى ومنها تطبيق الرسوم على الأراضي البيضاء داخل النطاق العمراني والتي ستجبر المحتكرين على البيع او التطوير، وكذلك شراكة الإسكان مع المطورين العقاريين في تنفيذ مشروعات سكنية جديدة تزيد نسبة المعروض من الوحدات القابلة للسكن تكون ضمن القدرة الشرائية لهم، وكذلك تطبيق الرهن الميسر الذي سيمكن من زيادة التملك في حال توفر منتجات تحقق حاجة وقدرة المستفيد النهائي.
هذه المعطيات مجتمعة سوف تسهم في تخفيض الأسعار بدءا من الأراضي وبنسب متفاوتة والتي بدأت منذ فترة فكلما كانت خارج النطاق العمراني فستكون الانخفاضات أكبر وقد تصل الى نسب عادلة وهو سعرها الحقيقي وقد تصل الى 100 بالمئة خلال سنة او سنتين، وتقل نسبة الانخفاض في أطراف المدن للأراضي التي تفتقر مخططاتها الى الخدمات الأساسية. وقد يستقر السعر او ينخفض قليلا في أراضي الندرة والاحياء المكتملة الخدمات والتي ستبقى مطلوبة رغم ارتفاع أسعارها.
إذاً التصحيح الحقيقي سيبدأ في الأراضي حسب الموقع وسيستفيد من يرغب في البناء الفردي بعيدا عن المساكن الجاهزة سواء من المؤسسات الصغيرة او شركات التطوير العقارية الكبرى.
المساكن الجاهزة الفلل او الشقق لن تنخفض أسعارها بسهولة وان حدث ذلك فهي بنسبة قليلة، وستتغير المعادلة عند ضخ المزيد من الوحدات سواء عن طريق البناء الفردي او عن طريق شركات التطوير العقاري.
نحن بحاجة الى أكثر من 100 شركة تطوير عقاري كبرى محلية ودولية تنتج اكثر من 100 الف وحدة سكنية سنويا لتغطية حجم الطلب الحالي، ومن يعتقد ان الحل بدون القطاع الخاص فهو مخطئ، فقد جربنا ذلك في عشر سنوات مضت ولم تنخفض الأسعار بل تضاعفت الأسعار وزادت الايجارات.
- Details