قضايا وأراء
- Details
- قضايا وأراء
يقال إن صاحب مصنع في الصين وقف مذهولًا مشدوها حين رفض بعض التجار (العرب) مشاركته في وليمة العشاء التي دعاهم إليها، لأن الدجاج والبقر لم يُذبحا حسب الشريعة الإسلامية! ذلكم
- Details
- Details
- قضايا وأراء
كنّا صغارًا.. وكنّا نسمع من آبائنا، وأجدادنا، وكبار السن، وهم أميّون «لا يقرأون ولا يكتبون» عن قسوة الحياة التي واجهوها، وشظف العيش، مقارنة بالحياة التي عايشوها معنا ونحن صغار.. كانوا
- Details
- Details
- قضايا وأراء
"جرب المستحيل لتصل إلى الممكن"
(هرمان هسه)
***
مازال في عبقر الإنشاد بستان كثيف
غابة تروى بعين مائها الجاري يعم الساح من كل اتجاه
يحتوي جذراً وعرقاً
يستجرّ الماء ضخاً في جذوع النخل
كماً يملأ السيقان في كل الشجر
من بذور أنبتت
قد رعاها فائض الكلمات من ألف لياء
أزهرت ثم أينعت من كل باب شارد أو وارد
يعني مساحات لها رجع/صدى
في قلوب للمعاني
تحفظ الود بين أضلاع تضم ذوقاً من أناشيد المسرات اللذيذة
دون أن تمحو من الذات معاناة الممرات السحيقة،
تمزج المالح بالحلو
بالحامض في خليط لذة للشاربين
كل حرف فرّخ بعدَ إمعان
حفر النقطة والهمزة والشولة
راسماً سطراً خرق العمق من الآهة
ويداري البسمة المشحونة
دائماً بالهمس الممالي للرضا بالمنتج المحصول
من كل الثمار العالقات بالأغصان
في انتظار من يجني قبل أن يسري قطار النضج بعد أن أعياه طول الوقت حتى مله طول انتظار،
أخصب البستان بالظل الظليل وأثمر بالأنواع.
جاءت قدمت للناظرين كل ما فيها قوبل بالحب وفيها ما تمناه محب، وفيها من تخطاه حسود، وفيها من شوى أنفس من أعياه طابور المسير، بعد أن طافت بما باحت به الأشعار لانت تمني روحها بالمثل أو جزء من البوح اليسير.
يا رياح الشرق إن غنى المغني، وقد غص بالمعنى
لا تلوميه فما اعتاد على ما جدّ، فهو يبغي أن يغني مثلما كان يغنيه منذ آلاف السنين، فامهليه
سيعيد الكرة كرةً أخرى، وها هو بعدها، قد فاق من غفوة طالت، قد استوعب.. أن يشمّ ويضمّ الزهرة اليافعة النشوى
شفه العبق الزاهي فانحنى يبدع ألحاناً شجيات خصيبة
شدتْ آذان من يسمع أو لا يسمع حتى بالإشارة
كل بستان له أشجاره، حسب ما تبذره
انتظر وتفنن بعدُ فيما تبتغيه
لستُ إلا شاعراً حمل السلة الملأى بالأماني والرضا عن كل سطر
وعن.. كل بيت
وعن كل ما قلتُ أنا هو مني وأنا منه
في الخطوة الأولى إلى ساح القصيدة نتساوى
هو أنا، وأنا هو حتى خط الانتهاء. (نقطة).
- Details
- Details
- قضايا وأراء
"جرب المستحيل لتصل إلى الممكن"
(هرمان هسه)
***
مازال في عبقر الإنشاد بستان كثيف
غابة تروى بعين مائها الجاري يعم الساح من كل اتجاه
يحتوي جذراً وعرقاً
يستجرّ الماء ضخاً في جذوع النخل
كماً يملأ السيقان في كل الشجر
من بذور أنبتت
قد رعاها فائض الكلمات من ألف لياء
أزهرت ثم أينعت من كل باب شارد أو وارد
يعني مساحات لها رجع/صدى
في قلوب للمعاني
تحفظ الود بين أضلاع تضم ذوقاً من أناشيد المسرات اللذيذة
دون أن تمحو من الذات معاناة الممرات السحيقة،
تمزج المالح بالحلو
بالحامض في خليط لذة للشاربين
كل حرف فرّخ بعدَ إمعان
حفر النقطة والهمزة والشولة
راسماً سطراً خرق العمق من الآهة
ويداري البسمة المشحونة
دائماً بالهمس الممالي للرضا بالمنتج المحصول
من كل الثمار العالقات بالأغصان
في انتظار من يجني قبل أن يسري قطار النضج بعد أن أعياه طول الوقت حتى مله طول انتظار،
أخصب البستان بالظل الظليل وأثمر بالأنواع.
جاءت قدمت للناظرين كل ما فيها قوبل بالحب وفيها ما تمناه محب، وفيها من تخطاه حسود، وفيها من شوى أنفس من أعياه طابور المسير، بعد أن طافت بما باحت به الأشعار لانت تمني روحها بالمثل أو جزء من البوح اليسير.
يا رياح الشرق إن غنى المغني، وقد غص بالمعنى
لا تلوميه فما اعتاد على ما جدّ، فهو يبغي أن يغني مثلما كان يغنيه منذ آلاف السنين، فامهليه
سيعيد الكرة كرةً أخرى، وها هو بعدها، قد فاق من غفوة طالت، قد استوعب.. أن يشمّ ويضمّ الزهرة اليافعة النشوى
شفه العبق الزاهي فانحنى يبدع ألحاناً شجيات خصيبة
شدتْ آذان من يسمع أو لا يسمع حتى بالإشارة
كل بستان له أشجاره، حسب ما تبذره
انتظر وتفنن بعدُ فيما تبتغيه
لستُ إلا شاعراً حمل السلة الملأى بالأماني والرضا عن كل سطر
وعن.. كل بيت
وعن كل ما قلتُ أنا هو مني وأنا منه
في الخطوة الأولى إلى ساح القصيدة نتساوى
هو أنا، وأنا هو حتى خط الانتهاء. (نقطة).
- Details
- Details
- قضايا وأراء
يعيد النظام السوري التكتيك إياه لفرض أمرٍ واقع على المسار السياسي من خلال تكثيف العمليات العسكرية على حلب وكأنه يلوّح بالإطباق على المدينة العتيدة ذات الرمزية الكبيرة للمعارضة، يحدث ذلك في وقت يدعو المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا إلى الحفاظ على نبض مفاوضات السلام في سورية مستمراً بالإبقاء على تماسك الهدنة التي تحولت إلى عامل نفسي أكثر من كونه واقعاً على الأرض، فعدد من سقطوا في حلب فقط خلال أسبوع يصل إلى مئتين، وبالتالي فإن اعتبار أن هدنة هشة قائمة في سورية هو محض هراء ووهم.
ما يجري في سورية يوحي بتجدد العنف واستمرار العمليات العسكرية بوتيرة أشد، وقبل أيام قالت واشنطن إنها قلقة من تقارير تفيد بقيام روسيا بنقل مزيد من العتاد العسكري إلى سورية لدعم بشار الأسد.
إن مثل تلك الخطوات الروسية لا تنبئ عن رغبة موسكو الدفع باتجاه الحلول السلمية بل بإطالة أمد الحرب السورية، وبالتالي فإن المبعوث الدولي الذي يحزم حقائبه للتوجه صوب موسكو عليه الأخذ في الاعتبار أن مثل تلك المعطيات هي مؤشرات عن تجدد الرغبة في وهم الحسم العسكري الذي يتبناه النظام منذ اندلاع الأزمة قبل خمسة أعوام، ومن ناحية أخرى تشي خطوات موسكو بأن الهدنة التي كان يدافع عنها دي ميستورا لم تكن بالنسبة لموسكو والنظام سوى جولة لالتقاط الأنفاس لا أكثر، وأن أفق الحل السياسي يبدو ضبابياً أكثر من أي وقت مضى وإعادة الوفد التفاوضي للمعارضة لجنيف في ظل هذا التعاطي ضربٌ من التفاؤل.
موسكو مؤمنة بأن فرض واقع على الأرض قد يدفع المعارضة لاستعجال أو الرضوخ للحلول السياسية من أجل عدم فقدان بقايا الحل السياسي، وهذا الاستناد الروسي مرده إلى معرفة بالواقع العسكري الضعيف والهزيل للمعارضة وعدم قدرتها مواجهة الدعم الروسي العسكري للنظام السوري، فالأنباء تتحدث عن "فيتو" أميركي بمنع إدخال مساعدات عسكرية عربية نوعية إلى المعارضة بينها صواريخ مضادة للطائرات.
كما أن الدعم الروسي ليس الوحيد للنظام، فطهران أعلنت قبل أسابيع إرسال قوات من النخبة التابعين للجيش الإيراني إلى سورية، وقد لقي أربعة منهم حتفهم جنوب حلب حسب ما أعلنته وسائل الإعلام الإيرانية، في ذات الوقت يتواصل الفيتو الأميركي بمنع إرسال ألف مقاتل ينتمون إلى حركة "أحرار الشام" لمحاربة "داعش" من تركيا إلى شمال حلب في حين سُمح لفيلق الشام بالعبور، ومثل هذا التعاطي من شأنه إضعاف المسار السياسي الذي تقول واشنطن إنها ومن خلال ذلك "الفيتو" تريد إفساح المجال له ليعمل، في حين يتضح أنّ رجحان كفة النظام على الأرض لن تدفعه باتجاه المسار السياسي بل إلى مزيد من التعنت بمباركة الكرملين وتغافل من واشنطن التي نسيت الخطة "ب" وهي الأخرى يبدو أنها عامل نفسي للضغط على موسكو لا أكثر، كما كان الانسحاب الروسي "الجزئي" كذلك، إنها لعبة من الأوهام الحقيقة فيها رحيل الأسد.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
المصطلح أعلاه كان مغيباً لعقود من الزمن عن واقع مجتمع كان آباؤه وأجداده ينتسبون في معظمهم إلى هذه الفئة، ويتفاخرون بمهنهم، ويدافعون عنها، ويتنافسون عليها، ويتناقلونها جيلاً بعد آخر، ويحتفظون بموروثهم، ومنجزهم، ويحفظون معها ذكريات كفاحهم، وكدهم، ولقمة عيشهم، حيث امتد البعض بهم إلى الغربة شرقاً وغرباً في رحلات تجارية، وأخرى لسد جوعهم، ومعاناة فقرهم، ولنا في العقيلات تاريخ يروى إلى اليوم، والنواخذة في أعماق البحر قصصاً لا تنتهي مع الحياة قبل الموت، والواقفون على باب الله في الأسواق يبيعون ما تجود به أنفسهم وصناعاتهم اليدوية أو منتوجاتهم الغذائية، وآخرون ينتظرون رزقهم في رحلة عمل مع أستاذ البناء، أو نقل البضائع، أو الكدادة على الطرق الصحراوية، أو بيع المواشي، أو صرام النخيل وكنز التمور، أو العمل صبياً في متجر أعمامهم، أو من يدوّن بيع الآجل في حضرة الفقر والجوع.
كانت الحياة في مجتمع (جيل التأسيس) أشبه ما تكون برحلة عمل شاقة، ومتعبة، ومليئة بالكفاح والصبر.. كان الناس متصالحين مع واقعهم رغم فقره ومحدودية دخله، ومتجاوزين في تفاصيل حياتهم كل مايدعو إلى التأزيم أو الإحباط أو العيب الذي استشرى مؤخراً في ثقافة لا تمس للماضي بصلة، ومع ذلك عاشوا بلا نفط، ولا معادن، ولا تنمية حقيقية، بل على العكس كانت قيمهم وطموحاتهم أكبر بكثير مما يحلمون به، أو يعتمدون عليه، حيث كانت الحارة عنواناً كبيراً لقيم المجتمع المتماسك، وتوزيع الأرزاق بينهم مثالاً على نقاوة وطيبة معدنهم، ولك أن تتذكر كيف كان الجميع يتقاسم لحمة بيتهم -إن وجدت- بينه وبين جاره أو قريبه، وكيف كان الناس يجتمعون على مائدة لا تكفيهم، ويفرحون بوليمة غداء أو عشاء تجمعهم.. كيف كانت ملابسهم تمتد معهم سنوات، وأثاث بيوتهم الطينية متواضعة إلاّ من إكرام ضيفهم، ونفوسهم تسمو بأخلاقهم وطيبتهم.. كان جيلاً مثقلاً بقيمه، ومتمسكاً بها، ولا يزايد أحد عليها لأنها كانت دستور حياتهم، ومحكمة سلوكهم.
جاء (جيل الطفرة) قبل عقود قليلة وتمسك بكثير من موروث أجداده، ولكنه انحاز إلى واقعه، وتحديث قيمه وسلوكه، وخرج في رحلة أخرى مع التنمية والتعليم والتجارة والعلاقات الممتدة، وكتب فصولاً من العمل، وارتقت مفاهيمه، وتنوعت معيشته، وأخذه التقدم إلى حالة من الانفصال عن العمل المهني المتواضع، ووصل به الأمر إلى ترسيخ ثقافة العيب لكل من يزاول مهنة ولا يحمل مؤهلاً أو لا يعمل في وظيفة، وامتد أثرها السلبي إلى بناء المجتمع، والاعتماد على الوافدين الذي تقاطروا بالملايين للعمل في مهن يرفضها المجتمع ولا يحترمها، والنتيجة أن أصبحنا مجتمعاً مستهلكا وليس منتجاً، ورعوياً يبحث عن دور الحكومة في تحسين دخله، ومنتظراً لرزقه حتى لو أخذت منه البطالة ما يكفي من سنوات العمر التي ضاعت بلا عمل.
اليوم -وعلى غير المتوقع- أعاد (جيل التقنية) مفهوماً جديداً للمهن التي هجرناها وتنازلنا عنها بحجة المدنية والتحضّر، حيث وجد نفسه مضطراً لكسر ثقافة العيب، والبحث عن العمل الشريف، مهما كانت نظرات الناس عنه، أو ما يحملون في أذهانهم من صورة سلبية تجاهه، وواجهوا مصيرهم ليس مع أنفسهم وإنما مع مجتمعهم، وفعلاً بدأ الجميع في دورة عمل أخرى لكسب عيشهم، وصناعة مستقبلهم، وتسويق منتجاتهم، والمحافظة على مهنهم التي وجدوا أنها أفضل بكثير من الوظيفة، ووجدوا مع كل ذلك دولة واعية ومستجيبة لخطوتهم، وسارعت إلى تنظيم عملهم في مؤسسات صغيرة ومتوسطة، وقدّمت الدعم المادي والمعنوي لهم، ويكفي أن يكون الملك سلمان مستقبلاً ومشجعاً لهم، حينما كان العمال السعوديون في حضرة قائدهم يسجلون تاريخاً جديداً لواقعهم، ومتزامناً مع رؤية المملكة 2030، واستعدادهم لمرحلة ما بعد النفط، حيث يبني الوطن رجاله ونساؤه بلا تمييز أو عيب من مهن تدرّ ذهباً.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
سعد الدوسري
بعد حادثة سقوط المظلة في مدرسة بنات الريش بمحافظة محايل عسير، كانت لهجة رد فعل إمارة منطقة عسير ووزارة التعليم مختلفاً عما اعتدنا عليه؛ ففي السابق، كانت الوزارة تتجاهل أو تنكر أو تتنصل أو تعترف أو تعتذر، لكنها هذه المرة أمام إحالة أمير المنطقة بإحالة المتسببين أو المقصرين أو المهملين إلى هيئة التحقيق والادعاء العام، وهو أقل إجراء يمكن اتخاذه بحق مَنْ تسبب في قتل الأبرياء. ولو أن مثل هذا الإجراء يُطبق في كل الحالات التي تمس أو تهدد حياة الطلبة والطالبات داخل المدارس، لصارت الحوادث أقل، بلا شك.
مشكلتنا الكبرى، أننا نحيل مثل هذه القضايا إلى الإدارات الداخلية، مما يجعلها في متناول التأثيرات العاطفية أو المحسوبيات الشخصية، مما «قد» يجعل بعض الأحكام منحازة للأمزجة وليس للعدالة المطلقة. أما إذا كانت ضمن نطاق جهة مثل هيئة التحقيق والادعاء العام، فإنها ستغدو مثل أية قضية جنائية أخرى، وستتوفر لها ظروف موضوعية، هي أفضل بلا شك، من ظروف أية جهة أخرى.
وبالعودة إلى الحادث نفسه، فإن ما أشرت إليه الأسبوع الماضي، عن انهيار صخور جبل شاهق على سور مدرسة بنين محاذية له بثقيف بمحافظة الطائف، يتكرر في سقوط المظلة بثانوية بنات الريش بمحايل عسير، مما يدل على غياب الرؤية المستقبلية عند اقتراح وتنفيذ المشاريع المدرسية في المناطق كافة. وهذا يحتم على الوزارة إيجاد آليات جديدة تضع حداً لهذا الغياب، خاصة أنه أزهق أرواحاً بريئة.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
د. أحمد الفراج
قبل فترة ليست بالقصيرة، ظهر كاتب صحفي في لقاء، وعندما سئل عن الفقر في المملكة أجاب بما يوحي بأن الفقر شيء عادي، بل لم يبق إلا أن يقول: إنه من المفترض أن يكون مواطني المملكة كلهم فقراء، ولو أن هذا الكاتب ولد وفي فمه ملعقة من ألماس، لوجدنا له العذر بأنه لا يعرف أحوال الناس، ولكن الواقع يقول إنه جرب الفقر، قبل أن تمنحه الصدف المحضة فرص الظهور، والتي لم يأل جهدا في اهتبالها، عن طريق المنح والأعطيات، وتحسين الوضع الوظيفي، وربما أن لدى علماء النفس تفسيراً لذلك، وإن كنت أعتقد أن ما فعله هو انقلاب على ماضيه، ومحاولة للتملص منه، والتلزق بالطبقات المخملية، والغريب أنه يعتقد أنه بمثل هذا الكلام الفج يتقرب إلى السلطة، دون أن يعي أنه يسيء إليها، ويثير المواطنين، ويتسبب في بلبلة لا لزوم لها، وهو ليس الوحيد في ذلك، على أي حال.
إن لصاحبنا الكاتب رفقاء درب، ممن يعتقدون أنهم من يستحق الدعم، دون بقية الناس، فقد تبعه أحد الأثرياء والذي اعتبر أن المواطنين يبحثون عن «التدليع»، فبالنسبة لهذا التاجر فإن التعليم والتطبيب والسكن نوع من الرفاهية، فإذا طالب بها المواطنون، فهم يرتكبون إثما، وهذا على الرغم من تصريحات كبار رجال الدولة عن حق المواطن بهذه الخدمات، وحرصهم على تحقيقها، ولأن هذين لا يمثلان الدولة رسمياً، فإنه من الممكن تجاوز حديثهما. هذا، ولكن المصيبة هي عندما تصدر تصريحات «استفزازية» مماثلة من مسؤولين رسميين، وثقت بهم الدولة لخدمة المواطن، إذ هنا تصبح المسألة جدية، فهناك بعض المسؤولين والذين لا يمكن وصف تصريحاتهم بغير الحماقة، فهي من النوع الذي يمكن تجاوزه، أو التعبير عنه بطريقة ذكية، ودبلوماسية، بدلا من الاستفزاز، لأن مثل هذه التصريحات تسيء للدولة ومسؤوليها، قبل كل شيء، وتشحن النفوس، بل قد يتم تفسيرها، إذا صدرت من مسؤول كبير، بأنها وجهة النظر الرسمية، مع أن هذا غير صحيح، ومن المؤكد بأن مثل هذه السلوكيات أصبحت ظاهرة مزعجة.
طالما أن الدولة في مرحلة تغيير شامل، يتجاوز الطرق التقليدية، فقد يكون من المستحسن أن تتم معالجة الشأن الإعلامي المتعلق بتصريحات المسؤولين، عن طريق إعطائهم دورات تدريبية في فن التعامل مع الجمهور، أو أن توكل مهمة مواجهة الناس إلى أكفاء متخصصين، وهذا أمر معمول به في كل البلاد المتقدمة، إذ كلما اجتهدت الدولة في العمل على ملف يخص المواطن، وخدمته، ورفاهيته، يأتي مسؤول «غير مسؤول»، ثم يصرح بحديث مستفز، يناقض أهداف الدولة، بل ويسيء إليها، ونتمنى أن يكون ذلك أولوية قصوى.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
د. حمزة السالم
انحصرت معركة معاهدة برتن وود السياسية والاقتصادية، والمفاوضات التي سبقتها بين رجلين اثنين. هما اللورد البريطاني كينز الاقتصادي السياسي الدبلوماسي الشهير عالميا الذي كان يقول «لا أحد يضع الجينه البريطاني في الزاوية»، وبين الأمريكي هاري وايت المغمور الذي كان يريد تتويج الدولار الأمريكي.
وقد أُبعد وايت عن المشاركة الرسمية في الوفد الأمريكي. فقد سبب عليه ذكاؤه تصادمه مع الآخرين وجلب له الغيرة وحسد الأقران وغير الأقران، وجلب نقمة الخلاف عليه. فلم يحضر هاري وايت المؤتمر إلا كمستشار في اللجنة الفنية للوفد الأمريكي، دون أن يُمنح أي مسمى مُشارك في المؤتمر الدولي. ولكنه مع ذلك استطاع أن يقود المؤتمر بمن فيهم الوفد البريطاني للتصديق على المعاهدة التي صممها هاري وايت من ألفها إلى ياءها.
وقد كان هاري يواجه صعوبات نفسية كذلك. فقد كان السياسيون والاقتصاديون في واشنطن يتجاهلون ذكر اسمه عند تبني آراءه واقتراحاته ولا ينسبونها له، إلا أن أحدا منهم لم يجرؤ على الاستهانة من شأنه وعدم الاعتراف بذكائه وعبقريته.
كما كان هاري يواجه صعوبة عدم الأمان والخذلان من رئيسه، الذي كان يتعذر بالمرض تهربا من مقابلة كينز خوفا من مناقشته علميا. وأما الكونجرس، فقد واجه هاري وآراءه والمعاهدة بمعارضة شديدة، واتهمها بأنها حيلة بريطانية لسرقة ذهب أمريكا.
وفي المؤتمر تجنب وايت ذكر الدولار مطلقا، وبدلا من ذلك ركز وايت في النقاشات وفي كتابة الوثائق على عبارة «عملة قابلة للتحويل للذهب». بينما أوهم دون قصد الدولار، عن طريق التركيز على النقاط المتفق فيها مع كينز. كتجنب إعادة ربط العملات بالذهب وربطها بدلا من ذلك بعملة جديدة يتحكم بها بنك مركزي دولي جديد، والذي كان كينز يريد أن يجعل موقعه في لندن. وللإمعان في الإيهام، قام وايت بعمل تصميم لصندوق النقد الدولي، وكتب نفس مفهوم آليات كينز في ربط الدول عملاتها بالعملة الجديدة ولكنه لم يحددها «بالبنككور» العملة الجديدة، التي يريدها كينز أن تكون مرجعا للعملات الأخرى. وكنوع من غسل العقول، أكد وايت أن أمريكا تتمتع بأعظم احتياطي ذهبي للدولار وتستطيع دعم العملة الجديدة التي يقترحها كينز، دون أي إشارة للدولار بأنه المقصود ليكون هو عملة الاحتياط الجديدة.
وأثناء ذلك، حرص وايت على إشغال وقت اللجان الفنية بأحاديث ونقاشات وخلافات هامشية لإضاعة الوقت. حتى جاءت اللحظة المناسبة. ففي أحد الاجتماعات الفنية قام مفوض الوفد الهندي فاعترض على ضبابية عبارة «عملة قابلة للتحويل للذهب» قائلا «لو يشرح لنا الأمريكان ماذا يعني عملة قابلة للتحويل إلى الذهب» فاستخدم وايت استراتيجية الكبت وذلك بالايحاء الساخر للمجموعة المتفاوضة بأنه المفاوض الهندي لا يفهم، ثم وبسرعة فتح المجال لأحاديث عامة أو غيرها لإضاعة الوقت ثم لعب على وتر النرجسية والإدعائية الكاذبة فوجه الحديث الفصل لرئيس اللجنة المفوض البريطاني، الذي تعالى بفهمه عن المفوض الهندي فقال بتأثير إيحاءت وايت عن ذهب أمريكا، -ظانا البريطاني أنها مسألة هامشية- فقال «إنها مسألة مُحاسبية، كالدولار مثلا، ويكفي أن تحول المسألة إلى اللجنة المحاسبية». وهذا ما كان يريده وايت ويخطط له. فقامت اللجنة المحاسبية بأخذ كلام رئيس اللجنة المفوض البريطاني على أنه توجيه رسمي، بلا أي معارضة من الأعضاء، فقاموا بتغير كل الوثائق الرئيسة وأُبدلت عبارة «عملة قابلة للتحويل للذهب» بكلمة الدولار.
ونجاح خطة التصديق على المعاهدة كانت تعتمد على أن أعضاء اللجان لا يقرأون، وأنهم أكثرهم تابع لا مستقل، أي بصمجي، وأن الجميع يتبع كينز، وكينز لم تُعرض عليه المعاهدة إلا في الجلسة الأخيرة، فاضطر أن يصادق عليها ويباركها دون قراءتها، اعتقاد منه بأن أساسها الجوهري لا يختلف عن مقترحه. وما درى هو ولا أحد من الوفود حتى الوفد الأمريكي -ما عدا وايت - أن تلك الجلسة - على حد تعبير المؤلف- قد توجت الدولار على عرش العملات، ومن ثم تعدت طموحات هاري وايت وحدود تصوراته، بعد موته فأطاحت بالذهب.
قصة هاري وايت لم تخرج إلا حديثا. فقد نُسبت نتائج برتن وود للبريطانيين ولفارسهم كينز، فقبلوا بهذه النسبة بدلا من أن يُكشف استغفالهم للعالمين. فيا ترى كم من استغفال وقع، هنا وهناك، لم يظهر خبره قديما ولن يُكشف عنه حديثا.
- Details