قضايا وأراء
- Details
- قضايا وأراء
- Details
- Details
- قضايا وأراء
- Details
- Details
- قضايا وأراء
- Details
- Details
- قضايا وأراء
ولَكنّي اليَوم سأُحاول أَنْ أُميِّز بَين أَمرين؛
- Details
- Details
- قضايا وأراء
في مرحلة الثمانينيات التي اتسعت مساحة النقد الأدبي إبانها.. بعد أن بدأها د.عبدالله الغذامي بكتابه (الخطيئة والتكفير) فصارت العناوين تحمل (البنيوية، والتفكيكية، والتشريحية)، وما إلى ذلك في مظلة النقد الحداثي الذي أصبح حديث المنتديات والمجالس، وكان هاجس الكاتبين (مع/ ضد)، فنزل إلى ساحة النقد من يرى في نفسه المقدرة على المشاركة حسب إمكاناته، فمشى البعض وقدم أشياء لافتة، وخاض آخرون بإشارات تدل على الادعاء تجوس في كتاباتها أسماء (سوسير، باختين، فوكو، وغيرهم).. ولم يتوان البعض عن ترديد تلك المصطلحات التي لم تخل منها أي كتابة تندرج في مفهوم النقد.
كانت ظاهرة علا صراخها بين (المع/ والضد)، وخرجت اسماء ترفع علَم اللغة المتفجرة، حيث لغة أخرى ستولد من رحم اللحاق بالمصطلحات، كمسميات وغاب أن الفعل يحتاج إلى تروٍ وتعمق ليكون فعلاً سالكاً درب التطوير والتحديث. فسار من قدر، وتوقف من أراح واستراح. هبَّ وازدهر ثم خبا تبعاً للقدرة التي أوتي.
ظلت الموجة عنفاً وهدوءاً؛ حيث بقي القادرون على العطاء يضيفون بهدوء واتضحت أعمالهم مثل د.الغذامي ود.سعد البازعي (والبعض) منهم لم يتوقفوا عن العطاء، فكتبهم مستمرة الصدور في القضايا الأدبية والفكرية، وكان الحظ العاثر يقف لناقد مثيل يتمثل في مرضه (جلطة).
هو فائز أبّا، ذلك الناقد الذواقة الذي دخل الميدان بقدرة فريدة. كان في كل أمسية قصصية/ شعرية، ومحاضرات عن النقد الحديث لأعمال صدرت لشباب/ شابات يكتب عنها بقناعة، حيث يختار ما يرى أنه ينبئ عن موهبة قادمة، وساند وأمد بتوجيهه النقدي بعض الشعراء والروائيين، والقصاصين، وكانت توجهاته تتأتى عن قناعات ترتكز على الفهم العميق للفن الذي يتحدث عنه، فهو قارئ نهم رفيع الذوق لخورخي بورخيس، وكتب عنه المقالات التي عرّفت الجيل الجديد بكتابات بورخيس، ومدى العبقرية التي يتمتع بها، فهو ترجمها لنفسه وقناعته بأن هناك من يستحق أن يشاركه إعجابه، وفعلاً حصل.، وشاع اسم بورخيس في الحديث عن الابداع.
فائز أبا يكتب ليبدع هو ففكره غني بالمعرفة المتأتية من استعداده وموهبته، وقدرته على أن يصرخ بهمس. يحس في داخله بأشياء تمشي على عكاز العبقرية الروحاني، يتفاعل مع الأعمال المستحقة ويشحنها لكي تستمر، صراخه انعطاف باطني كمحب للإبداع، وهمسه تعبير يبوح به للمتلقي ليسود الهدوء في تسريب التذوق دون فرض، بل عن طريق الإنارة ليكون الامتزاج الذوقي مادة لفهم العمل الجيد، ومن ثم نشر الشراع ليبحر القارب نحو الوجهة الجمالية التي ترغبها الأذهان الباحثة عن الجمال.
توقف فائز عن الكتابة، وكتاباته كثيرة في الجرائد والمجلات ومن عمل معهم موجودون على البسيطة، فكتابات فائز لا يجب أن تذهب وتهمل، ومثلها كتابات عبدالله نور وغيرهما من الكاتبين المؤثرين الذين كانوا يعملون بجد وشعارهم الصدق مع فنهم الذي أحبوه، قراءة، ومتابعة، وعملوا الكثير من أجله.
الأندية الأدبية في كل منطقة، وهي تنشر الكتب تباعاً فأقرب ناد لفائز أبا نادي جدة الثقافي، ونادي الرياض الأقرب إلى عبدالله نور، وهناك من صنْعتهم جمع وترتيب الكتابات المتناثرة متى ما طلب منهم، وقدمت لهم التسهيلات المادية والمعنوية من الأندية، ومن وزارة الثقافة والإعلام التي تعمل على مساعدة الأدباء الذين غابوا.
كما أنها لا تبخل في العون على أن يظهر وجه آخر للأدب.
*لفتة
أرجو أن يستجاب لها من القادرين.
مكادي أنا والشراع الصَّديق وقيثارتي
غربة وارتحال
شُددنا إلى البحر
والبحر في الزرقة الأبدية
قبر الرجال
(عبدالباسط الصوفي)
- Details
- Details
- قضايا وأراء
عبر مواقع التواصل الاجتماعي وتحديدا موقع الفيسبوك نتابع اخبار بعض الأدباء الذين يشاركون في مهرجانات عالمية وأغلبها للشعر، من جانب آخر نقرأ عن ترشيح عرض مسرحي للمشاركة في احدى المهرجانات المسرحية العربية،لن اذكر اسماء ولا أمثلة، ولكن اخرج من ذلك بسؤال : لماذا تقابل المشاركات الثقافية في الخارج بالصمت، مجرد خبر في صحيفة، اذا كان "مثلا" للفرقة المشاركة بالعرض المسرحي إعلام جيد، أو إشارة وبضعة صور للشاعر وهو يلقي قصائده على جمع من شعراء العالم منشورة على موقعه الإلكتروني.
ثمة خلل في منظومة الإعلام الثقافي، نتفق بأن كثيراً من الاعمال الثقافية تجنح الى النخبوية، لذا يرى البعض انها لا تهم إلا فئة محددة من الناس، ولكن لنتفق على ان هذه المشاركات تعتبر إبداعاً وهذا الإبداع له جماليته الخاصة، التي لو عرضت على عامة الناس بصورة جيدة لأعجبت أغلبهم.
هنالك مثال أتحاشى طرحه، دائما، حتى لا يساء فهمي، وهو " كرة القدم" هل كل الناس يهتمون بها، لا اعتقد، اتفق انها محبوبة الجماهير، ولكن هنالك من لا تهمه الكرة ولا المباريات، ولكن الاعلام القوي نمى حب الناس لهذه اللعبة، اخبار في كل مكان، وأموال مهدرة، ونتائج غالبيتها مخيبة، وعلى الرغم من ذلك يزداد عدد المعجبين والمتابعين، اخرج من هذه الدائرة، لأقول أن هنالك فعاليات ثقافية تستحق المتابعة، والحضور الإبداعي في الخارج يقدم غالبا صورة جيدة من خلال بعض المشاركات التي تحقق الجوائز والتقدير.
الامر لا يتوقف على الخارج بل ايضا هنالك فعاليات ثقافية تقام داخل المملكة، منها مهرجانات مهمة ، ولا يتم التغطية الإخبارية الجيدة من قبل وسائل الاعلام المختلفة، ما ينشر او يعرض او يبث مجرد اخبار تأتي من وكالة الأنباء او المركز الإعلامي وهنا يتضح ندرة المحررين الثقافيين في الصحف المحلية، الذين يقومون بتغطية شاملة للحدث الثقافي، فمثلا يقام في الأندية الأدبية أمسيات شعرية وقصصية، خبر بسيط وموحد ينشر في بعض وسائل الاعلام، لا يضيف للمبدع الذي شارك في الأمسية الشعرية أو القصصية شيئا، ولا يصل للقارئ او متابع الخبر معلومة جيدة وواضحة عن المشاركين، فيضيع الكاتب ذو التجربة الطويلة مع الآخر حديث التجربة، اعود للأعمال المسرحية التي تشارك في الخارج، أنا حتى الان لا اعرف الآلية التي يتم بها ترشيح المسرحيات للمشاركة، ربما على طريقة " من فيكم مستعد او بالعامية مين الجاهز علشان يشارك" بالطبع غالبا تكون المشاركة متواضعة ومرتجلة، ونستثني بعض التجارب المحدودة ممن اكتسب أصحابها خبرة المشاركات الخارجية، و لكن الملفت أن كثيراً من المشاركات لا يعرف عنها أحد إلا الجهة القائمة بالعمل سواء فرع لجمعية الثقافة والفنون أو فرقة أهلية، و السبب هو كما أسلفت غياب المتابعة الإعلامية، أتمنى من الهيئة العامة للثقافة أن تهتم بالشأن الإعلامي، ولاسيما أنها تحت مظلة وزارة الثقافة والإعلام، فليس هنالك قيمة لكتاب ينشر مالم يصل إلى يد القارئ، ولكي يصل لابد من التوزيع الجيد والترويج الإعلامي، ولا قيمة لمعرض تشكيلي أو عرض مسرحي أو سينمائي بدون مرتادين للمعرض أوجمهور للمسرح، وافضل دعاية ليحضر الجميع لتلك الفعاليات المتابعة الإعلامية، ولن تحقق الثقافة في المملكة العربية السعودية وتحديداً الأدب إذا بقي الفعل الثقافي في الظل.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
رحم الله العالم الجليل مصطفى سويف، الذى رحل عن عالمنا أخيراً، تصحبه آيات الشكر والعرفان، ومحبة أجيال عرفته، وحملت له جميل وفضل ما تعلمت على يديه، وفي مدرسته من علم ومعرفه عبر سبعين عاماً كان خلالها عالم النفس والعلوم الاجتماعية، وامضى عمره كله حتى آخر أيامه لم يتوقف عن الابتكار والإضافة، والعمل على توظيف تلك العلوم لخدمة الناس في واقع الحياة، والارتقاء الاجتماعي ومواجهته لضرر المخدرات والأمراض النفسية.
كان د. سويف واحداً من الجيل المؤسس لعلم النفس العربي الحديث، الذي ألف فيه ما يزيد على العشرين كتابا منها: نحن والعلوم الانسانية، علم النفس الحديث. التطرف كأسلوب للاستجابة، مشكلة تعاطي المخدرات بنظرة علمية. مشكلات منهجية في بحوث علم النفس العيادي.
منذ أول القرن العشرين، كان علم النفس حكراً على أبناء الذوات، دراسة ومهنة ومستقبلاً. كانت البعثات للخارج لا تشمل إلا هؤلاء، وتشهد تلك الفترة بنبوغ الكثيرين منهم في العلوم والفنون وبقية المعارف وحين قامت ثورة يوليه 1952 أعطت الفرصة لأبناء الطبقة المتوسطة في السفر للخارج ضمن البعثات الدراسية، وحين عاد هؤلاء كانوا إضافة جديدة للتعامل مع مشكلات الواقع من خلال ما تعلموه من علم نفس جديد، طبقوا نظرياته بأمل تغيير مجتمعهم وأحواله، وخاضوا مشكلات الوطن الاجتماعية بهدف الكشف عن مشكلات المجتمع، وأسباب ما نعيش فيه من ركون واستسلام لثبات الماضي الرازح.
كان مصطفى سويف واحداً من هذا الجيل من العلماء الذين درسوا في الخارج، وعادوا الى أوطانهم بطموح التغيير والارتقاء. بدأ العمل بالجامعة، وعبر عمر طويل من الجهاد، وبذل الفكر، واستخدام أحدث اساليب علم النفس، والنظر إلى مشكلات مجتمعه باعتبارها الهدف في الاصلاح والتغيير.
كان سويف أحد الذين قدموا أسلوباً جديداً في الدرس بين طلابه.
يقول أحد تلامذته د. عبدالمنعم شحاته عن دوره ومنهجه واختياراته.
اتسم طوال عمره بالانضباط فكنا نضبط عليه الساعة.
كان متابعاً لأحدث المناهج في علم النفس لا يألوا جهدا في الحصول على معارفه بكل وسائل البحث والمعرفة.
كانت مواقفة سنوات ممارسته الدراسة في الجامعة تتصف بتواضع العلماء، وحسن الاصغاء والأداء المنضبط، المبتكر.
كما كان يتميز بصفة الفصل بين الأدوار وإبراز الاختلاف فيها، واتصف بالتجرد فلم يسع لمنصب، أو يبحث عن دور، ولكنه أمضى عمره يعمل لوجه العلم والحقيقة.
كان عليه رحمه الله، يحترم الوقت، ويدير الجهد بمهنية تساعد على الانجاز، وكان يتصف بالموضوعية واحترام العقل وانجاز الآخرين في العلم. كما أنه قضى حياته كلها حريصاً على ممارسة عمله بمسؤولية اجتماعية محافظا على القيمة، والفعل الإيجابي.
كانت الفلسفة من الأدوار المهمة في حياة العالم الجليل، استخدمها مع تخصصه في علم النفس لينجز مشروعه الكبير وهو "علم النفس الاجتماعي" و"علم النفس العصبي"، ودوره المهم كمعالج سلوكي متميز، وتكليفه من قبل هيئة الصحة العالمية بأعداد بحث حول أسهام العلوم السلوكية في إلقاء الضوء على مشكلات التشخيص، ومساهماته في العلاج النفسي مع مدمني الأفيون بمصر. كما رأس لجنة الاستشاريين العلميين بالمجلس القومي لمكافحة وعلاج الأدمان.
كما أستمر د. سويف حتى آخر أيامه يشرف على الرسائل العلمية داخل مصر وخارجها، ويسهم في مناقشة رسائل الدكتوراة التي تهتم بالتذوق الفني/ كما تشهد له الدوائر العلمية بمصر وخارجها بأنه أحد المساهمين الكبار في تعريب معظم المصطلحات النفسية، كما أن للعالم الجليل فضل تعليم ثلاثة أجيال منهجية علم النفس، كما شارك بجهد لا ينسي في انشاء مركز البحوث والدراسات الاجتماعية والجنائية، وقضى حياته مقاوماً لخطر المخدرات وتعاطيها وإحرازها وأضرارها على الفرد والمجتمع.
لقد عاش العالم مصطفى سويف قريباً جداً من الفقراء والمهمشين، قريباً من أماكن علاجهم، يمارس عمله كعادته بتلك الدقة وذلك الوضوح.
كما كانت أسرته الكريمة موضع فخره وفخر بلده بأسهاماتها في المعارف والفنون وأحياء القيم الرفيعة.
زوجته هي أستاذة الأدب العربي، والناقدة الأدبية المثقفة د. فاطمة موسى عليها رحمة الله، والتي أمضت سنوات طويلة أستاذاً للأدب العربي بجامعات المملكة العربية السعودية.
وابنته هي الروائية الشهيرة على مستوى العالم، والتي تكتب بالإنجليزية أهداف سويف مبدعه الروايات المهمة والتي حظيت بحسن الاستقبال والاحترام في عالمها العربي وخارجه.
رحم الله د. مصطفى سويف عالم النفس الكبير، الذي كرمته بلده، ووطنه العربي، وبعض من محافل العلم الدولي.
يمضي مصطفى سويف حيث وجه الله، تاركا في الانحاء، من الجامعات المصرية والعربية، الكثير من التلاميذ الذين يقرأون على روحه الفاتحة، ويدعون له بالرحمة وسكن الجنان.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
مازلت موقناً بأنّ الكاتب الجيّد هو الذي تبدأ متاعبك معه بمجرّد الفراغ من قراءته، وهي متاعب جميلة ومستثيرة لمكامن الإبداع لدينا، وتنفض عنا غبار الكسل الفكري. هذا هو الحال مع كل كتابة تثير لدينا قلقاً معرفيّاً أو ثقافياً أو حتى إنسانياً.
ولعلنا لا نختلف على أنّ كل مثير ومُحفّز هو شيء متجاوز يُحدِث لدينا تلك الدهشة، بل ويستفزّنا للمضيّ في التعاطي معه ومحاولة سبره والتماهي معه. وأقصد هنا تلك الشهيّة وذلك الاشتهاء العقلي المنطلق من إدراك فعالية العقل العميقة، وبتوصيف دقيق عند ليبنتز هو فعل المبدأ الداخلي (في الجوهر الفرد) الذي يحدث التبدّل أو العبور من إدراك إلى آخر، أما في علم النفس فهيو نزوع موضوعه الحاجات العضوية (جوع، حركة، إنجاب.. إلخ).
في مقال للكاتب محمد المحمود، شعرت مع قراءته بمتعة ولذاذة عقلية مختلفة عبر تناول رائق وعميق، حيث أبحر بنا "في عالم نجيب محفوظ والتنوير الروائي" وبين لنا كيف أنّ هذا المبدع كان يحمل هَمّاً تنويريا واضحا يخترق المضمون الروائي لكل أعماله؛ مشيراً إلى أن عالم نجيب محفوظ مهما بدا مضمونه الروائي مشدودا إلى عوالم اللامعقول أو إلى متاهات الميتافيزيقيا فمشروعه هو في العمق مشروع تنويري نهضوي منحاز دائما وأبدا إلى الإنسان في كل مكان وزمان ليخلص الكاتب المحمود في نهاية مقاله إلى أن نجيب محفوظ، يبقى أديبا تنويريا تشغله الأفكار الكبرى، وتشده الطروحات الشمولية من أعماقه الأدبية، إلى آخر المقالة التي كانت امتداداً جميلاً لمقالات سابقة عن تجربة محفوظ والتنوير، وهي مقالات جديرة بالعودة لها لما تحمله من أفكار تمنحك تلك اللذة العقلية.
هذا المقال قادني لمقال آخر كتبه الراحل الكبير جورج طرابيشي منحني أيضاً تلك المتعة المعرفية والعقلية، وشعرت بلذاذة الدأب والدافعية في البحث عن الحقيقة والمعرفة، ولا شك فثمّة رهان على جماليّة وعمق التجربة الفريدة والعميقة للراحل والمفكر الكبير طرابيشي تمثلت في مشروعه الفكري اللافت" نقد نقد العقل العربي"، فهذه الدافعية دفعت بهذا المفكّر الكبير لأن يدفع من عمره ربع قرن لتتبّع مشروع المفكّر المغربي الكبير محمد عابد الجابري وتفنيد ما رآه أخطاء معرفية يجب مراجعتها، ممهّداً بذلك باعترافه بتلك الصدمة التي أصابته في كبريائه كمثقف، لأنّه كتب فيما كتب عن كتاب الجـابري مقرّضّاً كتابه بقوله: ”هذا الكتاب من يقرأه لا يعود بعد أن يقرأه كما كان قبل أن يقرأه”
لكنه لاحقاً لام نفسه لأنّه- كما يشير- حكم على كتاب في موضوع لم يكن يملك كلّ مفاتيحه المعرفية وأقسم ألا يقول بعد ذلك شيئاً أو يصدر حكماً بدون أن يكون مستوثقاً من كلّ المعلومات بصدده.
ويواصل طرابيشي اعترافه:هكذا أخذت قراري بإعادة تربية نفسي وتثقيفها وانكببت انكباباً مرعباً على قراءة كتب التراث وعلى مطالعة عشرات وعشرات المراجع الّتي ذكرها الجـابري والتي رحت أدقق كلّ شاهد من شواهدها وأتحقّق من صحّتها في كلّ المجالات ووقعت على عشــرات وعشرات من الأمثلة على مثل هذا التزوير الّذي أوقع فيه الجابري عن قصد أو عن غير قصد- لا أدري- قراءه وأنا منهم، وإني أعترف للجـابري الذي قضيت معه ربع قرن بكامله وأنا أقرأه وأقرأ مراجعه ومئات المراجع في التراث الإسلامي ومن قبله المسيحي ومن قبلهما التراث اليوناني وكل ما يستوجبه الحوار مع مشروعه بأني أقرّ له أنّه أفادني إفادة كبيرة، وأنه أرغمني على إعادة بناء ثقافتي التراثية، فأنـا له أدين بالكثير رغم كلّ النقد الّذي وجّهته إليه.
مثل هذه القصص على ما يكتنفها من مرارة أو أوجاع لأصحابها لكنها لنا كقرّاء تعد كنزاً فكرياً ثميناً يمنحنا المتع العقلية والفكرية والجمالية وألق الدهشة ولذاذات المعرفة.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
يقودنا قرار وزارة النقل بالسماح للمواطنين بالعمل بمركباتهم الخاصة في شركات سيارات الأجرة التي تعتمد على تطبيقات أجهزة «الهواتف الذكية»، وذلك بعد توصية إدارة نقل الركاب في وزارة النقل قبل عدة أشهر بحجب تطبيق أوبر وكريم لمخالفتهما النظام، إلى عدة استنتاجات ليست كلها مريحة.
وأولها إن إدارة نقل الركاب لا يمكن أن تصدر توصيتها، على ما يبدو لي، لو لم ترد إليها شكاوى من أصحاب المصالح المرتبطة بهذا القطاع وهي شريحة واسعة جداً. الا إنه يمكن أن نميز ضمنها فئتين رئيسيتين هما: مستخدمو سيارات الأجرة من المواطنين والمقيمين والمسافرين من جهة، والمستثمرون الذين تعود إليهم تلك السيارات من جهة أخرى. ومثلما نرى فإنه من غير المنطقي أن تعترض الفئة الأولى على خدمات النقل الذكية. لأن التنافس بين مقدمي الخدمات يصب في مصلحتها. وعلى هذا الأساس فإن الفئة الثانية مرشحة أكثر من الفئة الأولى للتقدم بالشكوى لأنها هي المتضررة بالدرجة الأولى. فسيارات النقل الحديثة صارت تزاحمها وتأخذ نصيباً ممن كان أصحابها وحتى وقت قريب يحتكرونه لأنفسهم. فإذا صح هذا الاستنتاج فإن ذلك معناه أن الحالة المزرية التي تعيشها سيارات الأجرة هي ليست مصادفة ولا إهمالاً فقط وإنما نتيجة لوجود فئة من المنتفعين تتغذى على ذلك.
الأمر الآخر الذي يشد الانتباه هو حالة المرونة التي تعيشها القوانين والانظمة تارة والصرامة في تنفيذها تارة أخرى. ففي الحالة التي نتحدث عنها نرى أن القوانين لم تمنع شركات أجرة السيارات الذكية من ممارسة نشاطها. الأمر الذي ألب عليها شركات سيارات الأجرة التقليدية التي استشعرت الخطر. ولكن السماح الأخير قد جاء ليوازن بين أصحاب المصالح فأصبح من السهل على شركات الأجرة الذكية غير المرخصة تطبيع أمورها والحصول على التراخيص التي تسمح لها بممارسة نشاطها.
وأنا أعتقد أن مرونة القوانين أمر مطلوب خصوصاً عندما يتعلق ذلك بنشاط جديد. وبصفة عامة فإن القوانين التي تولد ولادة ومن واقع التجربة والممارسة هي أفضل من تلك التي تأتي هكذا وبدون مقدمات فتسقط على الرأس كالفأس وتكون النتائج المترتبة عليها على العكس مما هو مقصود منها.
وأين كان الأمر فمن الواضح أن قرار وزارة النقل قد فتح المجال أمام نشاط نحن في أمس الحاجة إليه. لأنه من غير الممكن أن يبقى قطاع سيارات الأجرة على النحو الذي هو عليه من التخلف في ظل النقلة التي ستشهدها المواصلات في المملكة خصوصاً بعد تشغيل مترو العاصمة الذي سوف يتنفس من خلال شبكة واسعة من المواصلات المساندة فوق الأرض كسيارات الأجرة والحافلات.
إن المثل يقول: خير أن يأتي متأخراً من أن لا يأتي بتاتاً. فهذا السماح لسيارات الأجرة الذكية والذي ولد في خضم صراع أصحاب المصالح مع بعضهم سوف يصب في مصلحة الجميع، فهذه الشركات سوف تحصل على نصيبها وتلبي طلب شريحة واسعة من الركاب. كما أن سيارات الأجرة التقليدية سوف تكون مضطرة من أجل البقاء في السوق إلى تطوير نفسها وتحسين الخدمات التي تقدمها للجمهور. ولهذا فإن هناك ضرورة للارتقاء بالقوانين التي تنظم هذا النشاط وتساهم في تطوره ومواكبته الزمن.
- Details