قضايا وأراء
- Details
- قضايا وأراء
عبدالعزيز السماري
في ثقافتنا المعاصرة طغت مقولة «الشيطان في التفاصيل» على مختلف المقولات التي سبقتها ولحقتها، وتعود المقولة في الأصل إلى «الله في التفاصيل»، وكانت مقولة مشهورة ومتداولة في الحضارة المسيحية قبل قرنين من الزمان، ثم خرجت منها بعد ذلك مقولة الشيطان في التفاصيل، ثم الحكومة في التفاصيل، وهكذا، وتختلف المعاني حسب استخداماتها عند التعبير عن أمر ما.
لكن مقولة الشيطان في التفاصيل راجت في الثقافة العربية المعاصرة، وكأنهم وجدوا ضالتهم في هذا التعبير على وجه التحديد، والذي يحكي بعضاً من أوجه الأزمة، فالانحياز موجود في صورة متضخمة في التفاصيل، كذلك تجد مرابع الفساد تسود مساحات التفاصيل، وتهيمن بقدراتها على تطويع التفاصيل لمصالحها، لهذا يصرخ الجميع «الشيطان في التفاصيل»، وليس في الخطوط العريضة.
ربما تتضح الصورة أكثر عندما يسافر أحدنا لدولة أوروبية على سبيل المثال، ثم يخرج من المدن الكبرى إلى حيث التفاصيل في الأرياف، عندها تتضح الصورة، فالحضارة تكمن بالفعل في التفاصيل، وتشاهدها في ارتفاع مستوى الخدمات في مختلف أصغر القرى والضواحي والأماكن النائية، كما تبرز في الشوارع الصغيرة، وفي التزام الإنسان الصارم بحقوق المشاة في الشوارع، وبالانضباط المروري التام.
كانت التفاصيل في غاية الروعة عند تأمل البيئة، والتي تلقى اهتماماً بالغاً من الجميع، وتبدو في كامل زينتها بسبب تدني مستويات التلوث البيئي، كما تظهر في انعدام مناظر مخلفات المباني في الأودية، أو في تصاعد الروائح المؤذية من المستنقعات المائية، وتبرز في اقتراب المظاهر العامة بين الناس، فلا توجد عمالة سائبة أو شحاذة عند الإشارات المرورية، والتي تُعتبر أحد أهم إفرازات عفريت المصالح الذي يسكن في التفاصيل..
كان من أهم ملامح التفاصيل ذلك الغطاء القانوني في مختلف تعاملاتهم، فالتواصل من خلال تفاصيل القانون يُعد مهارة ودليل تقدم اجتماعي مذهل، وذلك لأن القانون يسري على الجميع بدون استثناء، لذلك من السهل أن تحمي حقوقك في بلادهم، إذا كنت تتعامل معهم من خلال القانون، أو تتقن لغة القانون ومصطلحاته، وذلك متطلب أساس لأي مجتمع يسعى إلى توطين أوجه الحضارة في التفاصيل.
كذلك تبرز في عصر «الحضارة في التفاصيل» غياب الصور الكبرى، والتي عادة تُستخدم لإخفاء التفاصيل، كما تختفي المقولات العظمى، والتشدق بالأقوال الخالدة، ولكن تطفو على السطح تفاصيل المنجزات الحضارية، وتذوب في أعماق المجتمع مختلف الصور والمقولات والأيدولوجيات، كما تتحول الوطنية إلى أرقام ومنجزات ومعدلات تنموية وصحية وتعليمية.
لا شك أن الفارق الحضاري بين الفشل العربي والمنجز الأوروبي يحكي مختلف التفاصيل، لكن علينا أن نحاول دائماً توثيق تلك الحكاية بكامل فصولها، لعل وعسى أن تتحرك الجهود نحو ذلك الطريق، فالإنسان مهما تشدق بمقولات أو صور أو جغرافيا، ستظل المنجزات على الأرض المقياس الرئيس لنجاحاته، وسينسى التاريخ كل الألسنة التي حاولت تزييف الحقيقة من أجل حفنة من مال أو منصب أو جاه..
بكل أمانة تعيش دولنا العربية بعض أوجه زمن الفشل مرحلة «الشيطان في التفاصيل»، والتي أفسرها بالمصالح الشخصية التي تجري خلفها بعض المشاريع والطرق والمنجزات وعدد من القرارات، وما زالوا في أقصى درجات البعد عن زمن الحضارة في التفاصيل، والتي تعني أن تصل الخدمات والحقوق إلى الجميع بدون استثناء..
الطريق إلى زمن الحضارة يبدأ بخطوات التعليم ومشاريع التنمية، إذا تخلت مجتمعاتنا العربية تماماً عن العفاريت التي في التفاصيل، والتفرغ لمهمة إيصال الإنسان إلى مرحلة الوعي بالحضارة، ومن ثم إخراج الحالة العربية من وضع الغيبوية الحضارية، والتي من أهم أسبابها الجهل والأمية المعرفية، وذروتها أن يقبل الإنسان أن يكون إمعة لغيره، ليتحكم فيه كيفما يشاء، والله المستعان.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
بعد كل هذا البحث المعرفي/النقدي الذي نهض به الفلاسفة منذ بداية عصر النهضة في أوروبا، مروراً بعصر التنوير في القرن الثامن عشر، وإلى اليوم، وبعد كل معارك الجدل، وبعد كل جهود التنظير، تلك التي كانت تدور رحاها حول إشكالية التسامح بعلائقها المعرفية والواقعية، بعد كل هذا؛ وصل الجميع إلى حقيقة مؤداها: أنه لا بديل عن التسامح إلا التسامح، وأن التسامح أصبح - بقوة قانون الواقع؛ قبل قانون العقل؛ بل وقبل قانون الأخلاق، هو الخيار الوحيد للحياة، وللحياة تحديداً. وأما الموت فلا تزال خِياراته مفتوحة للجميع، مفتوحة على كُلِّ صُور الانتحار التي يتصدّرها - خاصة في عالمنا العربي/الإسلامي - خِيار الانتحار بالاحتراب الديني أو الطائفي، هذا الخِيار الذي يبدو اليوم وكأنه بدأ ينتقل من عالم النظرية/التجريد الممتد على مساحات الجدل اللاهوتي العقيم، إلى مستوى التطبيق في الواقع المتعين/الراهن.
إذا انتفى كل خيار غير خيار التسامح، فأصبح التسامح هو الخيار الأوحد؛ فلا بد من البحث عن كل ما من شأنه أن يعزز التسامح كخيارَي قلوب وعقول الجماهير. وفي الوقت نفسه، لا بد من البحث عن كل عوائق التسامح لتفنيدها وترذيلها..
في سياق الخيارات الإيجابية، نحن أمام خيار مصيري لحياتنا؛ لا لموتنا وانقراضما: إما التسامح، وإما التسامح. الخيار الآخر الوحيد، هو الخيار المقابل: خيار اللاّتسامح. وهو خيار يقع خارج نطاق الحياة، خارج منطق الحياة حتى في معادلاتها البدائية.
نحن في العالمين: العربي والإسلامي، أمام خيار واضح، خيارٍ ليس غائماً ولا ملتبساً؛ فيما يخص هذه المسألة (التسامح) تحديداً. إذا لم ندعم خطاب التسامح، ونؤسس له، فمعنى ذلك أننا – بالضرورة - ندعم الخطاب المضاد، فنُقرّ خطاب الكراهية والعداء، ونمنح الشرعية المفتوحة للجميع؛ ليمارس الأقوى (كما في الحالة الديكتاتورية)، والأكثر (كما في الحالة الديمقراطية)، كل ما يستطيعه من أنواع التهميش والاضطهاد والاستعباد والقهر والإذلال.
لا أظن الجماهير البريئة - على امتداد العالمين العربي والإسلامي - ترضى بأن تكون حطباً لنار الكراهية والعداء؛ إلا بعد أن تتم أدلجتها على يد سدنة الاحتراب الطائفي، أولئك المتكسبين من كراهية الجميع للجميع. فالجماهير تدرك - بتلقائية جمعية، وخاصة بعد تجاوزها منطق الغزو والسلب - أن رفاهيتها مرهونة بمستوى ما يتحقق من سِلم اجتماعي يمنح الفرصة للإنتاج المؤدي - في الحالة السلمية الطبيعية - إلى الخير العام.
ولا يسري الوهن إلى هذا الإدراك الجماهيري التلقائي، إلا عندما يتم وضع الجماهير في سياق اعتقاد عنصري مُعادٍ للحياة، اعتقاد يُصوّر لها أن رفاهيتها ليست جزءا من رفاهية الآخرين، بل هي رفاهية على حساب رفاهية الآخرين (وفق عقلية النهب والسلب: فسالب ومسلوب، وناهب ومنهوب. وبناء على هذا التصور الاحترابي، ليس ثمة عمل مشترك، تكون الشراكة فيه إضافة إيجابية لكل الأطراف)، إذ - وفق هذا المنطق الاحترابي - لا يُضاف شيء إلى رصيد الذات إلا بسحبه من رصيد الآخر، والعكس صحيح؛ لأن الصراع هنا صراع على منتج محدود، وليس على عملية إنتاج تنافسية، تتضافر فيها الإرادات للتخفيف من حدة البؤس الإنساني المتحدم منذ وُجد الإنسان على هذا الكوكب العليل.
عندما يكره الإنسان أخاه الإنسان فإنما يكره نفسه، وعندما يضطهده فإنما يضطهد نفسه. اضطهاد الإنسان، أيا كان هذا الإنسان، هو اضطهاد للإنسانية ذاتها ممثلة في فرد من أفرادها، أي الإنسانية التي يُشكّل المُضْطَهِد (الفاعل) جزءا لا يتجزأ منها، في الوقت الذي يعكس فيها وجودها الأعم. فمن ينتهك الحرمات الإنسانية، فإنما ينتهك – في الوقت نفسه - حرماته بوصفه إنساناً، أي ينتهك ذاته في صورة انتهاك الآخرين. وكراهية الآخرين هي - في بعدها السيكولوجي الأعمق - ما هي إلا نتاج كراهية الذات واحتقارها وإدانتها؛ حتى ولو كانت تدّعي - في سياق التنرجس المَرَضي- أنها خَيّرة، وأنها إيجابية، وأنها راضية بذاتها، وأنها من نسل خير أمة أخرجت للناس.
إذا انتفى كل خيار غير خيار التسامح، فأصبح التسامح هو الخيار الأوحد؛ فلا بد من البحث عن كل ما من شأنه أن يعزز التسامح كخياري قلوب وعقول الجماهير. وفي الوقت نفسه، لا بد من البحث عن كل عوائق التسامح لتفنيدها وترذيلها، أقصد تلك العوائق التعصّبية التي تكمن - غالباً - في صلب المقولات اللاهوتية التي تتأسس عليها الأديان والمذاهب، وتصبح عند الأتباع المُقلدين ليست مجرد مقولات ظرفية عابرة، بل عقائد راسخة، وأكثر من ذلك، عقائد يُراد لها أن تتجذّر كأصل من أصول الإيمان في معظم الأحيان.
لقد اعتقد الفيلسوف الليبرالي جون ستيورات مل أن التسامح يمتنع مع الاعتقاد بحقيقة مطلقة؛ لأن الاعتقاد بمثل هذه الحقيقة يفتح الباب على النزاعات اللاهوتية التي تؤسس رؤى الافتراق؛ لأن الجدل اللاهوتي سيسير في طريق تأكيد الحقائق المطلقة التي لا تقبل أنصاف القناعات، ومن ثم لا تقبل أنصاف الحلول، بينما الشراكة الاجتماعية، ذات المنحى التسامحي الذي ينبذ الاضطهاد، قائمة على أنصاف الحلول ضرورة، وعلى الاشتغلال على المشتركات بمستوى المشترك فيها، لا بمستوى ما عليه الخلاف.
في اعتقادي أن الحقيقة المطلقة نوعان: حقيقة مطلقة على مستوى الاعتقاد بعوالم الغيب، تلك التي لا يتعدى أثرها حدود ذات الفرد (فالغيب فردي التصور حتما؛ لأن رسم معالمه يتم من خلال اللغة التي تُحيل إلى ما لم يتحدد مدلوله في الوعي سلفا عن طريق الحواس)، وحقيقة مطلقة من حيث هي قانون/تنظيم نافذ على الجميع في مستوى الفعل الاجتماعي أو السياسي.
وبناء على هذا، فالحقيقة المطلقة من النوع الأول لا تمنع التسامح، ولا تفسد الشراكة الاجتماعية؛ لأنها لا تعمل في المجال الاجتماعي الذي هو ميدان التسامح (كما هو ميدان التعصب أيضا)، بينما الحقيقة المطلقة من النوع الثاني تقف - بلا شك - عقبة ضد كل رؤية تسامحية تحاول أن تجد طريقها إلى الواقع المُتعيـّن؛ لأن من يعتقد أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، فسيعتقد أنه يمتلك الحق المطلق، ومن ثم، فهو يمتلك الحق في التصدي لكل من يقف في طريق تمكين هذا الحق المطلق ليأخذ أقصى درجات الفعل في الواقع، وبالمطلق أيضا.
إشكالية الحقيقة المطلقة أنها ليست حكرا على طرف واحد، بحيث يُسلّم لها جميع الأطراف بذلك، بل هي حقيقة مطلقة عند كل طرف، إذ كل طرف يدّعيها، بل وكل طرف يعتقدها يقينا إيمانيا. وعندما تحضر هذه الحقائق في السياق الاجتماعي المشترك، فلا بد أن تتصادم؛ لأن المطلق لا بد أن يكتسح كل المجال الذي أمامه (والذي يتضمن مجال عمل المطلقات الأخرى)؛ لأنه يرى نفسه مشروعا للحقيقة/الحقائق الكبرى، مشروعا عابرا للزمان وللمكان.
وإذا كان جون ستيوارت مل رأى أن الاعتقاد بالحقيقة المطلقة مانعا من التسامح، دون أن يحدد مجال هذه الحقيقة بالمستوى الاجتماعي، فإن جون لوك في (رسالة في التسامح) أكد مرارا على أن التسامح يبدأ من الفصل بين مجال الاعتقاد الخالص الذي لا ضير من حقائقة المطلقة، وبين مجال التعامل المدني الذي يجب أن يتساوى فيه جميع الناس.
جون لوك يرى أن التسامح هو أن لا يُحاكم الناس على أساس دينهم، بل يُعاملون مدنيا على أرضية يتساوى فيها الجميع بلا تمييز ولا تحيّز من أي نوع. ومن يقرأ كتابه التأسيسي (رسالة في التسامح) يرى أنه يؤكد مرارا، ومن أول الكتاب إلى آخره، على ضرورة أن يبتعد رجال الدين عن سياسة الشأن العام؛ لأن دخولهم فيه (الشأن العام: موضوع الفعل/التفكير السياسي) سيؤدي حتما إلى وجود تحيّزات في التنظيم الاجتماعي، تحيّزات لا بد أن تكون لحساب طائفة أو مذهب على حساب بقية الطوائف والمذاهب الأخرى.
لقد رأى جون لوك أن من حق القائمين على أي دين، أو على أي مذهب، أو على أية طائفة، أن يُخرِجوا منها من لا يعترف أو لا يلتزم بأصول عقائدها أو مبادئها الأساسية، ولكن بشرط أن تكون أرضية التعايش مدنية خالصة، بحيث تسمح بأن يتساوى الجميع تماما في كل الحقوق والواجبات. بمعنى ألا يترتب على الحرمان الديني/الروحي أي حرمان مدني من أي نوع، بل وألا يكون التصنيف الديني أو المذهبي توطئة أو تشريعا لممارسة الاضطهاد، أيا كان نوع هذا الاضطهاد، وأيا كانت درجته، حتى ولو كان متمثلا في بعض عبارات التنقص أو إشارات التبخيس أو ممارسات الازدراء.
إن الاضطهاد الذي ينتج عن عدم التسامح مع الخلافات العقدية، لا يُؤزّم المجتمع، ولا يشعل فتيل الاحتراب الداخلي فحسب، وإنما هو - أيضا - يصنع مجتمعا نفاقيا، مجتمعَ رُعبٍ يفتقد للحدود الدنيا من الشجاعة. ومجتمع كهذا، لن يصبح بيئة خوف فحسب، وإنما سيصبح بيئة تخلف أيضا. فالمجتمع الذي يقسر أفراده - أو بعضاً منهم - على رُؤية محددة، بحيث يُضطهد من خالفها، لا يستطيع أن ينهض بنفسه؛ لأنه معاق على مستوى الرؤية، وعلى مستوى الإرادة. فمن جهة؛ الرؤى ستبقى حبيسة الصدور حتى تتآكل وتموت، ومن جهة أخرى؛ الإرادة ستجد نفسها مكبلة بالأغلال حقيقة أو مجازا!.
لقد أصبح من بدهيات الرؤية السياسية المعاصرة أن الدولة المدنية هي دولة المساواة، ومن ثم، فهي دولة المواطنة (نسبة إلى الوطن/الأرض، وليس إلى أي هوية فكرية عابرة للجغرافيا) التي يتساوى فيها كل أحد مع كل أحد، وتحمي الدولة فيها كل أحد من كل أحد؛ دونما تفريق. وأي اعتداء على هذا الأصل المدني للتعايش المشترك، يعني اهتزاز مفهوم المواطنة من أساسه، ومن ثم اهتزاز مفهوم الوطن، إذ لا وطن بلا مواطنين متساوين بمجرد الانتماء إليه ككيان محدود بحدود الجغرافيا، وليس كفكرة أو كرؤية عابرة للقارات. ما يعني أن الأرض وما يشترط بها من مصالح مادية هي محور الانتماء، بعيداً عن خيارات الأفكار التي تخضع لقانون الاختلاف والتضاد، بل ولقانون التبدل والتغير والتحول، لا على مستوى الأفراد فحسب، وإنما على مستوى الجماعات أيضاً.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
لم يكن منظراً مبهجاً ما أرسله لي أحد الزملاء، كانت صوراً لحاويات قمامة وقد تناثر حولها وبداخلها كميات كبيرة من الطعام تكفي قرية أفريقية وتفيض، رز ولحم خضار وفواكة، مما يجعلنا نستغفر الله مرات ومرات، وربنا لا تؤاخنا بما فعل السفهاء منا.. رغم أن هناك أفواهاً جوعى، وهناك جمعيات لحفظ النعمة. يسهل الاتصال بهم.
هذا الإسراف والكفر بالنعمة الذي يتجلى في المواسم والأعياد، يجعلنا نتمنى لو قننت المشتريات. وعمل محاضرات وندوات واستنهاض للفكر الجيد، متخذين من قوله تعالى (لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً).
التبذير ظهر لنا واستشرى بعد الطفرة، وكثر لدرجة كبيرة، ناسين أننا بلد بلا موارد غير البترول الذي لا شك ناضب. ايضا ناسين ما مر من فقر وجوع.. فالناس أكلت الحشائش وكادت تأكل بعضها، وارتحل الكثيرون لبلاد قريبة وبعيدة طلبا للعيش، ولم نكن أحسن حالا من دول نرى شعبها في كل مكان هنا، فالمتعلم يجد فرصة جيدة وغير المتعلم لن يجد شيئا يستحق الغربة من أجله. كل ذلك هربا من الجوع والبطالة.
هذا التبذير يدخل ضمن الإهدار العام وبالتالي التكلفة لن يتحملها الذي رمى النعمة إنما الدولة الداعمة أيضاً.. هذا مما يستوجب معاقبة المسرفين أيا كانوا.. ولا يصعب الاستدلال على الفاعل.
لولو القطامي أول رئيسة لجمعية نسائية بالكويت في كتابها بنت النوخذة تأتي بقصة لطيفة ومعبرة، كانت في الخمسينات من القرن الماضي مع أخيها في لندن، أحد أصدقاء أخيها سرق حماماً من حمام الساحات وهذا الحمام يعتبر حمام الملكة لا أحد يمسه بسوء، انتبه عامل النظافة لذلك وجد أرجل الحمامات، فأبلغ عنهم وتمت محاكمتهم ودفعوا غرامة خمسين جنيها وهو مبلغ كبير جدا على الطلبة. أوردت المثل هنا حيث يسهل الاستدلال على مبذري النعمة.
رمي النعم بالحاويات يعطي فرصاً للذباب والتفريخ مما يعني جهدا آخر للتنظيف والتعقيم وأيضا جهودا مضاعفة في علاج الحالات المرضية، ولا يخفى على أحد مسالة النزلات المعوية خاصة في الصيف، ولعل السلسلة تطول مما يستوجب معاقبة مهدري النعمة.
نستورد كل شيء الماشية بما في ذلك الضان، والسكر والرز وحتى البهارات، ولا ننسى الأيدي العاملة مستوردة ويدفع لها ويتم تحويل المبالغ للخارج بمعنى الدولة لا تستفيد منه.. وهذا الدفع وإن كان ظاهرا من حساب الذي رمى النعمة لكنه يؤثر على الموارد وعلى الميزانية العامة، ويسرق حق الأجيال القادمة.
لو حسبنا كم ما يمكن أن تطعمه فائض الأكل في العدد فقط لهالنا الأمر.
النعمة زوالة والمشكلة عندما تزول عمن يصونها وعمن لا يصونها، هل نتذكر قصة (لافونتين) النملة والصرصار. أخشى أن نرقص بالشتاء كما فعل صرصاره.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
الدعاية والحديث عن سيلفي لا يقابله الواقع من خلال حلقات هذا المسلسل التي عرضت في شهر رمضان. لقد قيل بما معناه إن السؤال ليس من يشاهد سيلفي بل عن تلك الأقلية التي لن تشاهده لجودته. ربما الجزء الأول من العبارة السابقة صحيح لأن كثيرا منا يشاهده بأمل أن نجد ولو بضع حلقات معدودة ممتعة وجيدة في قصتها وإخراجها وتمثيلها. بالنسبة لي شعرت بالمرارة لضياع ساعة في مالا يسمن ولا يغني من جوع. والحقيقة إنني كنت أترك متابعة الحلقة عندما يتضح الكتاب من عنوانه من البداية.
لكي أكون عادلة، هناك حلقات معدودة كانت لا بأس بها. أما الأخرى فحدث ولا حرج، مجرد عرض ممل لقصة واهية وأحداث غير مترابطة لا قيمة لها.
ربما لا أبالغ أني لمست من البعض خجله من القول أنه يشاهد سيلفي خاصة من الشباب الذي يستطيع نظراً لتوفر مادة ترفيهية هائلة في الانترنت أن يقضي تلك الساعة في مشاهدة فيلم أو مسلسل أكثر متعة وأحسن إخراجا.
الفرد السعودي ليس لديه العديد من المسلسلات التي تناقش قضاياه ومشاكله الاجتماعية لذا ينتظر طوال العام ليرى سيلفي وعندها يشعر بخيبة الأمل وأن ما تم عرضه لا يستحق الانتظار.
سأضرب مثلاً لحلقة أبيض وأسود. الفكرة جيدة ونعاني منها ولكن الإخراج والسيناريو كانا في منتهى الضعف بل بعض المشاهد تصل لمرحلة السخف والاستهتار بعقلية المشاهد وتفكيره.
وكذلك الحلقة التي ناقشت قضية المخدرات. القصة رائعة وتحدثنا مع صاحبها أنا والأستاذة نوال بخش فى برنامج الأسرة والمجتمع. قصة في منتهي الروعة ولها حكمة ذات قيمة تنفع كمثل لمدمني المخدرات بالذات. ولكن للأسف حال وقوع القصة في يد صناع سيلفي خرجت بلون باهت وتفاصيل مطاطية لشغل وقت الحلقة المحدد لها وجاء التركيز على بيت القصيد ضعيفاً وهو كيف رمي بالمدمن في حاوية النفايات. قصة رائعة مفيدة لشبابنا ضاعت قيمتها مع سيلفي.
ضعوا سيلفى فى مقارنة مع مسلسل مأمون وشركاه مثلا مع الاختلاف ومع الإيمان التام بالفرق بيننا وبين الأخوة المصريين في هذا المجال ولكن بإمكاننا أن نتعلم. مأمون وشركاه يبحر بك في عالم من التفاصيل في الحلقة الواحدة تخرج بعشرات الفوائد والأفكار. ولا نبعد كثيراً فمسلسل جود الكويتي هو الأخر مثل لجودة جيدة من الإخراج والتمثيل. ضربت مثلا بهذين المسلسلين لأنهما يشتركان مع سيلفي في تسليط الضوء على قضايا مجتمعية محلية.
إذا كنت تشاهد مسلسلا أو فيلما فالحقيقة التي تدل على جودة التمثيل هو اندماجك مع الممثل أو الممثلة لدرجة تشعر بأنه ليس تمثيلاً. فينتهي العرض ولكن لا ينتهي تفكيرك فيه. هذا حقيقة ما فقدناه في معظم حلقات سيلفي.
في النهاية واذا كان لدى القائمين على سيلفي النية في الاستمراريه في رمضان القادم، فلابد أن يعيدوا النظر طويلا في أدواتهم الاخراجية وحبكة النص واختيار الممثلين. بدلا من الاعتماد الكلي على لهفة المشاهد لعمل يشبهه ويحاكي واقعه، وبالتالي إهمال إتقان أدوات العمل ككل. المطلوب عمل محلي متقن وبحرفية عالية، يحاكي المشاهد ويجعله يضحك وربما يبكي وأيضا يفكر ملياً في واقعه. وقبلها يحترم هذا المشاهد ووقته.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
- Details
- Details
- قضايا وأراء
- Details
- Details
- قضايا وأراء
- Details
- Details
- قضايا وأراء
- Details
- Details
- قضايا وأراء
- Details