قضايا وأراء
- Details
- قضايا وأراء
د. أحمد الفراج
لم يكد يجف حبر مقالي السابق، عن مأزق الانتخابات الرئاسية الأمريكية، في نوفمبر القادم، وعدم قناعة شرائح كبيرة من الناخبين بأي من المرشحين، الجمهوري، دونالد ترمب، والديمقراطية المحتملة، هيلاري كلينتون، حتى أشارت استطلاعات الرأي الأمريكية الرصينة، يوم أمس، إلى أن ستة من كل عشرة ناخبين أمريكيين، ليسوا مقتنعين بهذين المرشحين، وهو رقم كبير جدا، فإذا افترضنا أن مائة وخمسين مليونا سيصوتون في الانتخابات، فإننا نتحدث عن حوالي تسعين مليون مواطن أمريكي، إما سيصوتون لمرشح لا يرغبون فيه، أو سيجلسون في منازلهم يوم التصويت، وربما تزداد هذه النسبة في قادم الأيام، خصوصا مع الحرب المشتعلة، والرخيصة، والتراشق اللفظي، الذي يدور بين حملتي ترمب وكلينتون، وقد تجاوز ترمب كل الحدود في هجومه اللاذع على الرئيس السابق، بيل كلينتون، فبعد الحديث عن علاقات الأخير النسائية، ها هو يتهمه بالمؤامرة في مقتل المستشار في البيت الأبيض، في عهد الرئيس كلينتون، المحامي فينسينت فوستر، والذي قيل إنه مات منتحرا، في ذلك الوقت، بسبب ضغوط العمل، وما ترتب عليه من أمراض نفسية مستعصية.
وكأن هذا التراشق اللفظي الرخيص بين كلينتون وترمب ليس كافيا، فقد زادت حوادث الصدام، بين أنصار ترمب ومعارضيه، في أماكن التجمعات الجمهورية، وهذا أمر متوقع، إذ عندما تكون أجندات المرشح عنصرية متطرفة، فمن الطبيعي أن يكون هناك أنصار متطرفون، ومعارضون متطرفون، أيضا، وكان ترشح ترمب، واكتساحه، فرصة ذهبية للديمقراطيين، فيما لو كان لديهم مرشح جيد. هذا، ولكن مأساتهم تكمن في هيلاري كلينتون، فعلى الرغم من أن لديها خبرة كبيرة في العمل السياسي، إلا أنها تنتمي للمؤسسة السياسية النخبوية، والتي يعتقد معظم الناخبين بأنها هي الجذر الأساس لكل مشاكل أمريكا، كما أنها تفتقد للكاريزما اللازمة، إذ تبدو غير مقنعة، حتى لبنات جنسها، ثم هناك تحميلها مسؤولية تفجير السفارة الأمريكية في بنغازي، ومقتل السفير الأمريكي، حينما كانت وزيرة للخارجية، وأهم من كل ذلك، فضيحة استخدامها لبريدها الإلكتروني الخاص، في العمل الرسمي، وهو ما يجري التحقيق حوله حاليا.
نعم، يبدو المشهد السياسي الأمريكي أكثر سوءا مما يظن المعلقون، ولا أحد يعلم على وجه الدقة ما ستسفر عنه تطورات الأيام القادمة، فالانتخابات التمهيدية للحزبين الرئيسيين، الجمهوري والديمقراطي، على وشك النهاية، ولكن سيكون ما بعدها مختلفا هذه المرة، فمن مرشحين غير مقنعين، إلى شعب بدأ يتململ من رتابة سير عملية الانتخابات، ونتائجها المتشابهة في كل مرة، فهل، يا ترى، سنشهد تجديدا للديمقراطية الأمريكية؟!. شخصياً، أستبعد ذلك!.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
د. حمزة السالم
أذكر أنني ذهبت لأمريكا حديثًا أجس نبض مدى تقبلهم لمشورة أجنبي في شأن من شؤون بلادهم الاقتصادية. فأنا أعرف، عن تجارب عدة، الكبرياء الأمريكي عند غلبتهم من أحد من الشعوب خاصة ممن تعودوا على الاستهانة بها.
وقد جاءني، يسعى مهرولاً، الأمريكي المخضرم بين الصناعة والسياسة وبين القيادة في الشرق والاستشارة في الغرب، يحسب أني سأقدم له طلبًا لمهمة استشارية مليارية عندنا. فتحدَّثت معه حول مدى إمكانية تقبل الثقافة الأمريكية لذلك.
وكثير من الأمريكان يمتازون بأنهم يحترمون عقولهم، فلا يجادلون في باطل ولا ينكرون حقيقة ظاهرة، ولهذا فرضوا احترامهم وثقتهم على طاولات المفاوضات. فلم يجادل الرجل فيما رأى أو ينكر إمكانيته وصحة منطقه، إلا أنه تلمس العذر لنفسه في إمكانية أن يكون هناك أشياء غابت عنه أو قد تظهر عند التطبيق. وظهور العقبات عند التطبيق أمر لا شك فيه ولذا لا ينجح عمل السُراق ولا تُحسن صناعة المقلد عادة.
ومن سُراق الأعمال والخطط، الشركات الاستشارية العالمية عمومًا. فهم يجوبون البلاد مسترزقين على فشل أهلها، قد تربعوا سدة القرار على أعتاب عدم ثقة أهل البلاد بأنفسهم وبأبنائهم. فيسرقون أفكار أهل البلاد ليدعوها لأنفسهم فيجربونها في بلاد أخرى، فتفشل لأنها عمل مسروق لا يدري أسراره إلا صانعه.
ولا يمكن أن يستسلم قوم للمستشار الأجنبي إلا إن لم يكن في ذلك عندهم غصة كبرياء. فصاحبنا الأمريكي الذي أتاني ساعيًا وغدا عني مهرولاً، لم يستطع أن يخفي كبرياءه الأمريكي، ويكتم غيظه وهو يرى أنه قد جاء صيادًا لصيد اعتاد سهولة صيده، فعاد طريدة مذهولة. فما وجد علي مسلكًا إلا أن قال بلدك أحق بهذا منا. وهو يدرك أن بلادي قد سقطت في هاوية فخ شباك المستشار الأجنبي. فرأيت أنه قد غلبني وغبنني، فما أهون من رجل هان عند قومه.
فما الذي دفع بلادي في أحضان المستشار الأجنبي؟ أنا أجيبكم عن هذا؟ لجأت بلادي للمستشار الأجنبي عندما نظرت لتاريخها فرأت أنه صدقها بينما قد كذبها أبناؤها الذين وثقت فيهم. لجأت بلادي للأجنبي عند ما لم تر في من وثقت فيهم من يقدم لها حلاً، بينما قد جربت بلادي المستشار الأجنبي فوجدت أنه أوجد لها حلولاً كثيرة على مدى عقود طويلة. ورأت بلادي في المستشار الأجنبي خلاصًا من تبعيات التنافس الهدام والحسد الظالم والغيرة العمياء بين من وثقت به من أبنائها.
وأجيب عن إجابتي فاقول لها: إنما صدقها المستشار الأجنبي عندما لم يكن من الذين طردوا من بلادهم بظلم أو بحق، فعادوا إليها تحت عباءة المستشار الأجنبي قد جمعوا بين السوأتين. وقد قدم المستشار الأجنبي لها حلاً في الماضي، لأنه لم يكن هناك شيء، فأي رمية تصيب فتخلق حلاً. وأما تنافس أبنائها وتحاسدهم، فإنما أوجده غياب القادر على تمييز الحكم العدل الصحيح. ازدهرت الاستشارات الأجنبية عندما رأت بلادي جيرانها ورأت عمل المستشار الأجنبي، وغاب عنها أنه ليس بعمل أجنبي بل عمل مستوطن يشير سيبقى.
ازدهرت الاستشارات الأجنبية لا لغياب المعرفة بل لغياب الفكر والمنطق والعجز عن الحكم على حقيقة الأشياء أو بطلانها إلا بمباركة الاستشاري الأجنبي. فيا ليت بلادي تعترف بأصل مشكلاتها فتعمل على حله، فالمرض لا يزول بتسكين الأعراض بل بعلاج أصل المرض.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
سعد الدوسري
أشرت كثيراً في هذه الزاوية، وفي حسابي على تويتر، أن الشباب هم الرهان الوحيد لنجاح الرؤية، أية رؤية. ولكي نحقق النجاح، يجب أولاً أن نؤسس شبابنا، تأسيساً حقيقياً لدخول غمار التحدي؛ وبدون هذا التأسيس، ستكتب الرؤية لنفسها، نهايةً حتمية.
رؤية 2030 اتكأتْ على فكرٍ شاب، وطموحٍ شاب، ومن البدهي أن يتوقع المراقبون لها نجاحات مميزة، ولكن هناك من يسأل:
- هل هيأتْ الرؤية جنودها من الشابات والشباب؟!
مثل هذا السؤال المطلق، قد يكون قاسياً. فسيبدو للآخرين أن ليس لدينا شباب مؤهلون، وأن كل مَنْ أمامنا هم جياد خاسرة. وفي الحقيقة أن وطننا يزخر بالمبدعين والمبدعات القادرين على مواجهة كافة التحديات، ولا ينقصهم سوى الفرص اللائقة بهم، ليضعوا بصماتهم على المشاريع المستقبلية. في المقابل، هناك شريحة واسعة من شبابنا، بحاجة إلى برامج عمل متفانية، لرفع كفاءتهم ولتأهيلهم تأهيلاً يتناسب مع متطلبات المرحلة القادمة، وهذا ما ظللتُ أكرره في كل مناسبة، لإيماني بأن مخرجات المؤسسات التعليمية والتدريبية لا ترقى للمستوى المأمول، ولا للمواجهة الصعبة التي نحن بصددها اليوم.
سأحاول ابتداءً من الغد، أن أطل على بعض تجارب شبابنا وشاباتنا المتميزين والمتميزات، لأعطيهم حقهم في الإبراز الإعلامي من جهة، ولأحفّز أقرانهم للاقتداء بهم من جهة أخرى. وستتنوع اختياراتي في جميع مجالات الإبداع التي تفوق فيها هؤلاء، سواء المجال العلمي أو الفني أو الأدبي أو الرياضي أو الإعلامي.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
"لا شيء يستنفذ الإنسان أسرع من الانفعال الناتج عن الحقد"، يقول نيتشه، مضيفا "إن إماتة الشهوات، الحساسية المرضية، الشعور بالعجز عن الانتقام، الرغبة المتعطشة للانتقام، تجهيز السموم من كل نوع ولون، هي بالتأكيد الطريقة الأكثر ضررا من ردود الأفعال للإنسان المنهك. إذ تتطلب استهلاكا سريعا للطاقة العصبية، وتفاقما غير عادي للإفرازات الضارة"، وهو بالتحديد ما يفعله الحقدُ في صاحبه!.
الحقد إذن سيقود إلى إنهاك من يضمره، ويضعف قواه، نفسيا وجسديا، ويجعله غير قادر على التصرف بشكل سليم تجاه الجهة التي يكنُ لها الضغينة.
من هنا، فإن الحقد بنظر نيتشه دليل ضعف، وليس علامة قوة. معتبرا أن "المرض ضربٌ من الحقد في حد ذاته". ولذا ينبغي الشفاء منه والتخلص من أصل الداء، قبل معالجة الأعراض التي تتلبس الإنسان.
ولذا، فإن "الحقد يجب منعه قبل أي شيء عن المريض. فهذا هو خطره الخاص.. فتحرير النفس من الحقد، تلك هي الخطوة الأولى نحو الشفاء".
الحقد مثل الدخان الذي يحجب الرؤية، وتأكل ناره ذات موقدها. والشفاء منه عملية تحتاج إلى ترويض للنفس، وتعال عن الصغائر، وأن تكون "النفوس كبارا"، إضافة إلى قدرة على عدم التأثر بالوسط السلبي المحيط، والذي يكرس أو يبث خطابات الضغينة تجاه الآخر.
إن إشكالية الحقد تتعمق عندما يتحول من سلوك فردي إلى موقف اجتماعي. وعندما يستحيل إلى عصب جمعوي يتم من خلاله الحفاظ على تماسك المجتمع وضمان موقفه تجاه مواقف وأفكار محددة، يراد أن يتم الحشد تجاهها بشكل محدد وأكثر صرامة.
إسباغ قداسة دينية، أو حماسة وطنية، أو حمية طائفية أو قبلية على "الضغينة"، أمرٌ يمكن ملاحظته في كثير مما ينتجه المجتمع من خطابات تعبر عن كوامنه. ويمكن ملاحظة ذلك بشكل جلي في موقع "تويتر"، حيث يمارس كثرٌ كراهية متفاقمة تجاه الآخر، تحت ذرائع عدة، يخونُ أو يفسقُ أو يتهم في دينه ووطنيته من لا يؤمن بها أو يعارضها. وهو ما زاد من حدة الانقسامات، وجعل المجتمع متوترا، تحت تأثير نفساني موغل في السوداوية!.
كثير من السجالات التي تحدث بين أفراد أو جماعات أو طوائف، نراها تكون محكومة بهذه "الضغينة". فهي ضربٌ من الجدل العدمي الذي لا يقود إلى شيء، ولا يضيء حقيقة، أو يقدحُ تساؤلا في ذهن المتجادلين.
نيتشه بدوره كان حذرا من "الجدل"، وهو الذي اعتبره من علامات "الانحطاط"، ووجه بسببه نقدا لاذعا تجاه سقراط، معتبرا أنه أعلى من شأن الرعاع!.
"أنا لم أًجِد إطلاقا فن إثارة التطاحن والتشاحن"، يقول نيتشه. وهي المنقبة التي يفخر بأنه اتسم به. وما ساعده على ذلك تعاليه عن الغوغاء، وتفضيله العزلة، وأن يكون هنالك في "الأعالي"، حيث "يزبد من أجلي نبع البهجة. وهنا حياة عند تلك المياه لا يشرب معي منها أحدٌ من الحشد".
إن امتلاك "القوة" التي يبجلها نيتشه، هي ما يمكن أن تجعل الإنسان يزدري أن يكون حقودا، أو مجادلا؛ لأن القوي لا يخشى من الآخر المختلف معه، بل، لديه القدرة حتى على "جعل الحمقى يتصرفون تصرفا حسنا".
يضاف إلى القوة، الفطنة والحدس، النابعين من الحكمة والتعلم والتأمل الفلسفي. وهي الميزات التي تسبغُ على الذات وعيا خاصا، يضمن لها عدم الوقوع في المستنقع.
"إنني أصبح واعياً باقتراب قطيع من البقر، قبل أن أتمكن من رؤية القطيع بعيني". تلك بصيرة من ابتعد عن الدرن، وكانت روحه شفيفة، وعقله مشكاة نور.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
رقية سليمان الهويريني
انتشرت صورٌ معبرة للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وهي تقف خلال طابور طويل في أحد المتاجر بانتظار دفع ثمن السِّلَع التي اشترتها. بعدها قامت بتلقائية بإخراج حافظة نقودها لتدفع الحساب حيث اشترت برتقالاً وليموناً من المتجر القريب من مقر سكنها! والذي تستطيع الوصول إليه مشياً على قدميها، حيث تعيش ميركل مع زوجها في الطابق الرابع من أحد المباني.
ويبدو الأمر في غاية البساطة لدى الألمان، حيث اعتادت ميركل أن تذهب للمتجر ذاته للتسوق، ولكن العجيب هو ذلك الفضولي الذي قام بتصويرها ونشر الصور! ولعله عربي يقضي إجازته الصيفية في برلين!
الجميل في الصورة هو اعتمادها على نفسها في التسوق وانتظارها لدورها بالصف، والالتزام باحترام الطابور، هذا النظام الحضاري الذي لم نُجِدْهُ وفشلنا في تنشئة أبنائنا عليه! وحتى لو تم توجيههم فإنهم يرون استهتار الأقوياء ممن يتجاوزون الطابور فيحاكونهم أو يشعرون أمامهم بالاستفزاز أو الاستصغار! فيسعون لتخطي الصف لو استطاعوا!
وقد يجهل البعض أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تعتبر أقوى امرأة في العالم حسب ترتيب قائمة مجلة «فوربس» لهذا العام. عدا أن بلدها (ألمانيا) يعتبر ثالث أقوى اقتصاد في العالم، بعد الولايات المتحدة واليابان. ويحسب لها أفضل نظام في الضمان الاجتماعي الذي ينبع من ازدهار الاقتصاد. برغم أنها البلد الأكثر سكاناً في أوروبا حيث يبلغ 82 مليون نسمة. وقد نجحت أنجيلا في الوصول إلى أرفع منصب سياسي في البلاد، والحفاظ عليه لفترة ثانية، ولم يزدها بطراً واستعلاءً بل كساها تواضعاً وجمالاً!
والحق أنني أشعر بالتقدير لهذه السيدة لأنها تقود بلدها نحو الرفاه والتقدم والحضارة، حيث تتقدم ألمانيا في مجالات الطب والصناعة. وليس تفوق أوروبا وبالذات ألمانيا في الصناعة والنهضة فحسب؛ بل في احترام النظام والتزام العدل ونهج المساواة.
وأحسب لو أن مشهوراً من الفنانين أو الرياضيين أو الوعاظ العرب دخل سوقاً أو مجمعاً تجارياً (وقليلاً من يفعل) لوجدت الناس يتحلقون حوله ويلتقطون صورة (سيلفي) معه لأنه مشهور! وليس لأنه أحدث فرقاً أو قام بعمل عظيم يجعل التصوير معه ذا مغزى، وإنما هي صور الشهرة فقط!
تراودني أمنية أن ألتقط صورة سيلفي مع ميركل، وأحتسي معها القهوة وأشكو لها تهاوي القيم، وصناعة الطواغيت، وأطلب منها وصفة من تجاربها لتصحيح الوضع!
- Details
- Details
- قضايا وأراء
د.محمد بن عبدالرحمن البشر
الاقتصاد هو رمز رخاء الدول, وهو العجلة المحركة للحياة العملية, وهو منبع التناغم بين البشر, ولم يكن البشر قط في غابر الأيام وحاضرها في غنى عنه, وهو في بعض الأحوال مصدر السلم والحرب, بين الأمم, وداخل الأمة الواحدة, وسيكون كذلك طالما أن الإنسان يعيش على ظهر هذه البسيطة.
لكنه وإن كان كذلك, فليس بالضرورة أن يكون المضفي على الخلق إشباع الذات من السعادة, وإبعادها عن الشقاء والتعاسة, فهو أحد وسائل الركوب لبلوغ تلك الغاية غير أنه ليس محققها في ذاته.
هناك شعوب ترى السعادة في العمل الدؤوب والإنجاز, لكنها لا تنظر إلى سعة المسكن, أو قضاء العطل في الفنادق الراقية, والأجنحة الفاخرة, كما أنها لا ترى في ركوب السيارات الفارهة متعة زائدة.
وشعوب أخرى تعمل بشكل جاد, لكنها تخلط بين العمل وشيء من استغلال الوقت المناسب في الترفيه عن النفس والوصول إلى السعادة من خلال ذلك, وهي بهذا لا تفرط في المتعة على حساب العمل, كما أنها وإن كانت قادرة على دفع المال للبشر ببذخ وإسراف, إلا أنها تتصرف بشكل مقبول.
وشعوب أخرى تعطى الراحة أولوية والمتعة غاية, مع شيء من العمل المنتج في أوقات كافية, وترى المقاهي تعج بعدد غير قليل منهم في أوقات المساء, كما هي حال الجنوب الأوروبي.
وهناك شعوب أخرى لديها من المال الكثير, وتساهم في الاقتصاد بدرجة مقبولة, وفيها عدد لا بأس به يمكنه الابداع والمساهمة الفعالة في الاقتصاد, ويكون منتجاً متى ما أتيحت له الفرصة.
وهي تصل إلى السعادة بطرق متفاوتة ولعل أغلبها التواصل الاجتماعي مع الأصدقاء والأقارب في أماكن بسيطة على قدر المتاح, وربما تقضي كثيراً من وقتها في مثل هذه اللقاءات, وهي تشغل نفسها بالحديث عن السياسة والرياضة وشيء آخر فطري في بني البشر, ولا تمل من ذلك وتكرره تباعاً.
وتنفق مالها إن قل أو كثر في الترفيه عن النفس, والكرم, والصرف فوق الطاقة من كثير ممن لا يسعفهم الحال, وفوق الحاجة من الكثير ممن لديهم المال, وهذا ديدنهم في زمان فقرهم, وحاضر غناهم, هكذا جبلوا, في صرفهم, ونمط عيشهم, وطريقة حياتهم.
شعوب أخرى رأت في الراحة جل سعادتها, وآخر مبتغاها, رغم فاقتها, وشديد حاجتها, لكنها لا تقوى على غير ذلك, ليس لنقص في القوى الجسمانية, ولا القدرات العقلية لكنها عادة غلبت, أو مفازة سلكت, ليس لها حدود, وليس دونها قيود.وكثيراً ما أتساءل, عن ذلك السر الدفين, في اختيار هذا النهج أو ذلك, ولم أجد حتى الساعة له جواباً شافياً, ولا قولاً مفيداً كافياً, وأعلم أنه لم يطب الحال لكثير من الباحثين في الحقل الاجتماعي المعنيين بهذا الموضوع, دون الوصول الى طريقة يحفزون بها من بالغ في الراحة طلباً للسعادة, ومن بالغ في العمل طلباً لذات السعادة.
فكل يسعى إلى هدف وإن اختلف الرأي , وتباينت الأساليب, لكن سعادة العمل أجدر لأنها تحمل مع هذه السعادة تدفق المنتجات التي أبدعتها عقولهم, لينعم بذلك كثير من خلق الله, فيهنأ بها من نال المال, لكن قد يصاب بها من جاوز الحد, واستخدم ما أنتجته تلك العقول من أدوات غير مفيدة كالأسلحة وغيرها.
العقول نعمة, وهي متساوية في الخلق, لكن الفرق في مكان استخدامها, وطريقة توظيفها, ونيل مقصدها, وأخيراً فإن السعادة تبقى أسيرة قول الشاعر:
ولست أرى السعادة جمع مال
ولكن التقي هو السعيد
- Details
- Details
- قضايا وأراء
ناهد باشطح
فاصلة:
((في فندق القرار ينام الناس جيداً))
(حكمة عالمية)
كلما أراد المجتمع أن يخلع الوصاية عن المرأة برز من يحاول التخويف من تعاملنا مع المرأة كإنسان كامل الأهلية، فالمرأة إذا قادت السيارة سوف تنحرف اجتماعياً أو ستأكلها الذئاب البشرية، وإن سافرت بدون إذن ولي الأمر فسوف ترتكب جريمة الهروب!!
مع أن المبتعثات يدرسن في الخارج ويحققن النجاحات والإنجازات ولم يهربن بلا عودة.
وسيدات الأعمال والمحاميات والصحافيات وغيرهن من صاحبات المهن التي لا تدعمها المجتمعات المحافظة يحققن النجاحات تلو النجاحات.
المرأة في المجتمع مهما بلغت من العمر تظل بحاجة إلى السماح لها بالتعليم والعمل، وقد كان سابقا العلاج لولا حصلت على تمكينها الصحي عام 2012 وارتفع مؤشر التمكين السياسي لها لدخولها مجلس الشوري كعضوة وحصولها على حق الانتخاب والتصويت عام 2013.
لكن رغم دفع الدولة المجتمع باتجاه تمكين المرأة إلا أن التعامل النمطي مع المرأة ظل حاضرا، والأمر اللافت أن تكون الوصاية ليست من الرجل فقط وإنما أيضا من المرأة؛ حيث تنشط بعض النساء المثقفات والداعيات إلى بث الرسائل الإعلامية لمنع تمكين المرأة بحجة أنه مشروع تغريبي، بينما ينجون وبناتهن من خطورته ويتعلمن بل ويعملن في الخارج وفي «بلاد الكفار» حسب التعبير العامي الشائع لبلاد الغرب.
وهو ما أشارت إليه «نعومي صقر» من جامعة وسمنستر في كتابها عن المرأة العربية والإعلام.
فكرة الوصاية على المرأة ليست سراً فقد دُرست وحُلّلت هذا الإشكالية في كثير من كتابات النسويات الغربيات في حديثهن عن معوقات تمكين المرأة السعودية في المجتمع.
الغريب أن المجتمع يتبنى فكرة قديمة يحاول الشرق أن يتخلص من تبعاتها في خضوعه لصورة المرأة الشرقية في مخيلة الغرب، والتي أسسها المستشرقون، وقالت عنها الأديبة «رنا قباني» إن المرأة الشرقية في مخيلة الغرب إما غاوية أو خانعة.
لذلك خضعت المرأة في المجتمعات الشرقية ونحن ضمنها لسنوات طويلة من التشكيك في إمكاناتها وقدراتها للمشاركة مع الرجل في بناء المجتمع.
ورغم كل القيود والعقبات التي لم يضعها الإسلام إنما ابتكرتها العادات والأعراف استطاعت المرأة السعودية ان تحقق الإنجازات، لكن المجتمع فقد الكثير من الطاقات النسائية التي لم تستطع كسر قيود الأعراف.
عندما كانت المرأة في زمن الرسول وصحابته الكرام كاملة الأهلية استطاعت أن تبني الأسرة وتشارك الرجل في العمل، لكن حينما بدأ المجتمع يتعامل معها على أنها قاصر أهدر وقته وجهده في حمايتها كقاصر وابتكر القوانين لسجنها بدلا من القوانين التي تستثمر طاقتها وامكاناتها كإنسان.
ولعل الوقت حان لخروج المرأة من دائرة التعطيل إلى دائرة الإنتاج، وقريباً بإذن الله.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
د. خيرية السقاف
كلا الصورتين تعكسان مدى ما يتعرض له الأطباء سواء من جهد يُبذل, أو حرج يكون..
الصورة الأولى لطبيبين أمضيا أكثر من يوم ونصف في إجراء عملية دقيقة لاستئصال ورم من المخ, لم يذكر الخبر اسميهما ولا نوع المريض, لكنه جاء بهما مستلقيين على أرض حجرة العمليات بعد وقوف مضن, ولا شك قد رافقه قلق وتوتر وحذر لدقة العملية وأهميتها, أحدهما يرفع إصبعيه علامة النجاح..
الطبيب الآخر الذي تعرض لطلق ناري أثناء أدائه عملَه ممن غضبه تجاوز حد العقل للجنون, وقد سلمه الله تعالى من نهاية ما كانت سترضي أي ضمير.
ولئن كشفت الصورتان عن أمر, فإنه للعامة بأن الطبيب إنسان متى ما نجح فرح, ومتى ما بذل أُجْهِـد, كذلك متى ما أمتثل لمهنته يصبح في مواجهة مع من لم يتخلص بعد بأساليب واعية من رواسبه..
فأرض حجرة العمليات كانت المكان الأقرب لجسدين فرغا من النشاط بعد أن استنزف الوقت في العمل منهما طاقة الحركة فيهما, في حين تعالى وجيب الروح فيهما ابتهاجا بنتائجهما..
بينما حجرة العمليات ذاتها كانت ملاذا لجسد الطبيب الآخر لاستخراج طلقتين استقرتا في جسده ضريبة أدائه لمهنته على غرة لا ترد في حسبان أحدٍ أبدا..
لذا لم يكن هناك من الإجراء المسبق ما يحميه من التعرض لمثل هذا الموقف..
والأبعد تفكيرا هو أن يقوم أحد ما بحمل سلاح داخل مصحة, فيمارس به نزقه, وانفلاته,
وصرعته.
الشاهد في القول إن الصورة هي المرآة الناطقة بتفاصيل صغيرة توصل صوت الفرح كما توصل صوت الألم, تكشف مدى العطاء, وتبلغ عما فيه من فائض النبض وإن كان ألما,..
هاتان الصورتان وسامان للأطباء الإنسانيين..
فلئن حُمد لهم الثلاثة فيهما صنيعهم, وتضحيتهم, وجهدهم, وتفانيهم, فإن الحمد موصول لمن أوصل هاتين الصورتين اللوحتين لنا.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
محمد آل الشيخ
تلك اليافطة التي تقول: (للعوائل فقط) المنتشرة في كثير من مجمعات التسوق المغلقة، كذلك في أغلب المنتزهات وأماكن الفعاليات الاجتماعية والترفيهية، مظهر متخلف يجب أن يزول، ففي تقديري أنها ظاهرة لا يمكن أن تفهم مآلاتها إلا بقراءة تبعاتها وما تؤدي إليه بعمق وترو. الدافع لمنع الشباب عن هذه الفعاليات، بسبب أنها في رأي بعضهم اجتثاث للتحرش ومعاكسة الفتيات من قبل بعض الشباب المراهقين. صحيح أن هذا المنع يحاصر الشاب المتهور، ويحد بالتالي من ممارسات التحرش بالنساء، كما أن هذا المنع قد يؤدي إلى إقصاء العزاب من الشباب عن هذه الأماكن، لكنه من زاوية أخرى تضييق لممارسة الحياة الطبيعية وعزل للشباب، ما يدفعهم مضطرين إلى تجمعات خاصة، منعزلة، وغير مراقبة من المجتمع أخلاقيا، ولا مأمونة العواقب، الأمر الذي قد يؤدي بهم إلى مُتع غير مشروعة، فتكون (الاستراحات) المغلقة -مثلاً- مكانا مثاليا لممارسة كل أنواع الرذائل
والمحرمات، من إرهاب ومخدرات وممنوعات أخلاقية أخرى.
فانتشار حبوب (الكبتاغون) المدمرة للشباب -مثلاً- من أهم أسبابها كما يؤكد المختصون في بلادنا، شعور الشاب المحبط المهمش بالفراغ والعزلة والطفش، إضافة إلى محدودية أماكن الترفيه، فإذا تم منع الأسواق والتجول فيها، وقصرها على (العوائل فقط) فسيجد الشباب العزاب ألا مكان لهم يرتادونه سوى الاستراحات، أو التفحيط أو مقاهي الشيشة التي يجري في كواليسها كل أنواع التدهور الأخلاقي بكل ما تحمله الكلمة من معنى.. ولم أجد لتخصيص أماكن التسوق والترفيه للعوائل فقط مثيلا في كل أرجاء المعمورة؛ فلو افترضنا جدلا أن العزل بين الشباب والعوائل، سيكون له بعض الإيجابيات دون سلبيات لسبقونا إليه، واعتمدوه. لكنهم يدركون إدراكا تاما أن (الكبت والإقصاء يولد الانفجار)، خاصة لدى الشباب، بينما أن شبابنا المحبط هم من أكثر الشباب إقداما على الانتحار والعمليات الإرهابية المتأسلمة فضلا عن المخدرات والتفحيط المميت.
ثم إن تخصيص الأسواق أو بعضها للعوائل فقط سيكون له انعكاسات سلبية على تجارة (التجزئة)، وبالتالي يؤدي -ولو نسبياً- إلى الركود والكساد الاقتصادي الداخلي، ويجعل (التسوق) وارتياد الأسواق محدودا، ومقتصرا على فئة عمرية من الكبار الذكور مع عوائلهم فقط.
الشباب لدينا، وتهميشهم، وإقصاؤهم، وعدم الاكتراث بمشاعرهم يجب أن نتنبه إلى أنه من أهم أسباب كل مصائبنا الأخلاقية الشاذة والطارئة منها بالذات، بدءا بالإرهاب المتأسلم، ومرورا بالمخدرات، وانتهاء بالتفحيط، وطالما أننا نصر على سياسة (باب يجيك منه ريح سده واستريح) والتضييق على الشباب ما أمكن، فلن نحل مشكلة شبابنا المنفلت، بقدر ما نصب على نيرانها المشتعلة زيتا، فيزداد اشتعالها وانتشارها أكثر. اسمحوا للشباب بالحياة الطبيعية، واردعوا من تمرد منهم على أخلاق المجتمع وعاداته وتقاليده بالقانون الحازم غير القابل للوساطات كما تفعل كل دول العالم، وستكون النتيجة الحتمية لمثل هذه الإجراءات أن هذه التجاوزات ستنحدر إلى أقصى المعدلات، أما الاجتثاث الكامل، فمطلب (رغبوي) لا يطلبه إلا الحالمون.
إلى اللقاء.
- Details