قضايا وأراء
- Details
- قضايا وأراء
د. جاسر الحربش
كبرت وفهمت أكثر. كنت فيما مضى أخاف من الاستعمار والصهيونية والغزو الخارجي، إلى آخر الألغام التي كان يبثها التثقيف الإعلامي العربي بأنواعه المختلفه في طريقي. بعد كل هذه السنوات الطوال أدركت أن الموضوع كان للتخويف فقط ولم تمارسه تلك القوى الاستعمارية والصهيونية ومؤامرات الغزو الخارجي، بل كان من إنتاج مصالح تحالفات انتهازية ظلت تلعق في مصاصة القضية الفلسطينية حتى ذابت وتلاشت، لتستبدل بها مصاصة الهوية والأصالة والقيم الدينية وما إلى ذلك. صرت أتمنى المواجهة وجهاً لوجه بعدو واضح، لأن ذلك قد يلم الأشتات ويذيب النعرات والعصبيات والمذهبيات ويزيح المتربحين من التخويف عن أكتاف الشعوب العربية، ويجعلها تواجه الحقائق بمنطلقات جديدة لا تترك مجالاً للمتاجرات بالشعارات ولا للتحالفات المصلحية القائمة على عنصريات الأزمنة القديمة.
الآن أدركت أن الخطر على ما يسمى الثوابت (الجغرافيا واللغة والدين الأصلي قبل المذاهب) كان دائماً موجوداً في الحقيقة من الداخل العربي وليس من خارجه، وكان ماثلاً للأذهان والعقول والعيون، لكن الشعارات الإعلامية وسذاجة العواطف حالت دون رؤيته وإدراكه وفهمه.
كيف يكون الخطر في الداخل بينما العدو الأقوى سطوة والأكثر ثراءً والأفضل تنظيماً في الخارج؟. هذا السؤال يحتاج إلى سؤال معاكس: أليست أفضل أمانيك تجاه خصومك هي أن يسلطهم الله على بعض وأن يفعلوا ذلك طوعاً، بحسابات تخصهم وحدهم ولمصالح استحواذية مذهبية مناطقية قبلية؟.
كانت نعمة إلهية تاريخية لا دخل للعرب فيها حين أنهكت دول الاستعمار الحقيقي بعضها في الحربين العالميتين، فانفتحت فرصة الصدفة أمام الشعوب المستعمرة للتحرر وتكوين دولها القطرية. ماذا فعلت بعدئذ حكومات الدول القطرية؟. انتقلت آليات السيطرة من المتجبر الأجنبي إلى المتجبرين المحليين، وتكونت حكومات قطرية لا تحمل من المشاريع سوى الشعارات، وما عدا ذلك توجس وارتياب وتحاسد متبادل. تكونت حكومات متعادية على مستوى الزعامات وأئمة المذاهب ونخب رؤوس الأموال، فسممت عقول الشعوب بالقوميات والمذاهب والانتماءات الحزبية داخل كل دولة قطرية ضد الإخوة على الطرف الآخر من الحدود.
تدريجياً حل الإفلاس المتوقع بكل دولة شعارات وسقطت، حتى وصلت الأمور الآن إلى المتاجرة بشعار دولة الخلافة الإسلامية الكبرى، بما يمثله ذلك من خرافة لا يصدقها سوى الأغبياء والمجانين. المحصلة الآن هي انتشار الحروب الأهلية المذهبية، والمذهبية المذهبية داخل كل المذاهب، والاستعانة بالتكفير والاستحلال وبرمجة الأطفال على قتل الأهل بادعاء إعلاء كلمة الله، مما أدى إلى استنفار كل أديان وعقائد وحكومات الأرض لحماية أنفسهم من عصابات مجنونة لم تترك أحداً ًلم تهدده بالذبح بحد السكين، فأصبح الدين نفسه في دائرة الاتهام.
على العاقل أن يفكر: ما الذي أوصل العرب إلى هذا الدرك الأسفل من انعدام الأمل والأمن والمستقبل والتوجس المتبادل ومعاداة كل الأديان والقوميات؟. أهي قوى الاستعمار الغربي؟ أهو النظام الإيراني؟ أهو ضعف الإيمان؟ أهو التغريب؟. لا، ليس كذلك، فما هو سوى أن العرب وقعوا في شرور حكوماتهم وأئمة مذاهبهم ونخبهم المالية والتجارية حين رهنوا عقولهم للعواطف والأحلام وللمتاجرين بالتاريخ والدين والدماء.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
محمد أبا الخيل
انتهت إجازة منتصف الفصل الدراسي ولم يعد كثير من الطلاب والطالبات لفصولهم في التاريخ المحدد، بل إن معظم المتأخرين لم يعد إلا بعد انقضاء أسبوع من الدراسة. عندما هممت بكتابة مقال عن ظاهرة التساهل في الانضباط في المواعيد والالتزام بالمسؤوليات وتعويد الأبناء على ذلك تذكرت عندما كنت طالباً في اليابان في منتصف سبعينات القرن الماضي، فقد كنت أخرج من شقتي الساعة السادسة صباحاً وأسير في اتجاه محطة القطار بين حقول الأرز، وكنت أمر في طريقي على معمل قص للصخور وأرى العمال في طابورهم الصباحي يؤدون تمارين الإحماء، وأتعجب من ذلك، فالطابور الصباحي في ذهني مقصور على طلاب المدارس، ثم أصل المحطة وأركب القطار وبعد ثلاث محطات أخرى أنزل في المحطة القريبة من جامعة توكاي وأسير صاعداً التل الذي تقبع الجامعة خلفه، ثم أصل لكفتيريا قريبة من مبنى معهد اللغة عند الساعة السابعة تقريباً أتناول فيها فطوراً وأتجاذب الحديث مع زملائي حتى تبدأ الدراسة في الساعة الثامنة، أحياناًً أكون محظوظاً عندما يصادف خروجي من الشقة خروج جاري الكويتي (بدر الجاسم) فاستقل معه سيارته وأوفر من زمن الرحلة نصف ساعة تقريباً، كنت حينها أدرس اللغة اليابانية استعداداً لدخول الجامعة، وكان معظم زملائي في معهد اللغة من البلدان الآسياوية، وكان بعظهم يتأخر في الحضور للفصل، وفي ذات يوم تأخر أكثر من نصف الفصل عن الحصة الأولى فتضجر المعلم من ذلك وترك الفصل، وفي الحصة التالية حضر المعلم ومعه مدير المعهد الدكتور (تشيباتا)، وقبل بداية الدرس تحدث مدير المعهد موجهاً كلامه للطلاب، ومما قال «الدراسة في اليابان مكلفة جداً، وكثير منكم كان بإمكانه توفير تلك التكلفة والدراسة في بلده، ولكن أنتم قدمتم للدراسة في اليابان لأن اليابان بلد ناجح وتريدون أن تأخذوا بعضاً من هذا النجاح معكم إلى بلادكم، ولكن عليكم أن تعلموا أن سر نجاح اليابان هو في أمر واحد وهو احترام المواعيد والانضباط في العمل وتحمل المسؤولية، فإن لم تأخذوا هذا معكم لبلادكم فإنكم لن تأخذوا معكم النجاح الذي تنشدون، لذا أتوقع منكم الانضباط في الحضور، ومن لا يستطيع ذلك عليه أن ينسحب من الدراسة منذ الآن». بعد تلك الكلمة لم يتأخر طالب واحد بالفصل خلال الأشهر الأربعة التي تلت ذلك.
الانضباط وتحمل المسؤولية هو في الواقع سر نجاح اليابان، وهو سر نجاح كل من يلتزم به، فالانضباط حافز للجدية والإنتاج وهو سلوك مؤثر في العمل الجماعي بصورة تظافرية، والانضباط ليس مقصوراً على الالتزام بالمواعيد والحضور والإنصراف من الدراسة أو العمل، فالانضباط يشمل الجدية في التعلم والتدرب واكتساب المهارات، والانضباط يشمل التقيد بأنظمة البلاد ومراعاة البيئة والنظافة العامة وحسن التعامل مع الناس وحفظ الحقوق وتأدية الواجبات على الوجه الأمثل، والانضباط سلوك يكتسب منذ الصغر ثم يصبح عادة لازمة لصاحبه، لذا يجب على الآباء والأمهات زرع الانضباط والإصرار عليه لدى الأبناء وعدم التهاون أو الإهمال في ذلك، فالنجاح الذي ينشدونه لأبنائهم لن يتحقق بدون الانضباط والقدرة على إدارة الذات واحتمال المسؤولية.
الانضباط بمعناه الشامل هو السلوك الأول المؤسس للحضارة والرقي، فلا نجد بلداً اليوم متقدماً إذا لم يكن الانضباط جوهر السلوك الاجتماعي له، بل إن البلدان التي يفتقر شعبها لدرجة مقبولة من الانضباط غارقة في الفوضى ومتخلفة في حضارتها وفاقدة لمقومات النجاح والتقدم، لذا علينا أن نعي أن الانضباط هو أهم ما يتعلمه الأبناء من أهلهم، فإن لم يتعلموه منهم فلن يتعلموه من غيرهم.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
يقول نزار قباني: "منذ بدايتي الأولى اكتشفت أن الشعر هو كلام راق يصنعه الإنسان لتغيير مستوى الإنسان، فلم يكن عندي شيء من أوهام ميتافيزيقية وفنتازية وتزيينية حول الشعر، ولم أعتبره لعبا لغويا صرفا لا غاية له سوى تحريك حجارة اللغة"، وهو في هذه الكلمات إنما يرسم صورة الشاعر الذي كانه، والشاعر الذي يتوجب عليه أن يكون عليماً بأسرار فنه، ويعرف كيف يتعامل مع هذه الموهبة التي تفرد بها دون سواه، وهي التي تعني معرفة مايريد وكيف يصنع ما يريد، ليس صناعة حرفية وإنما تنفيذ لما تَشكَّل في جوّانيته من رسومات وخرائط يخططها ويرسمها القلب، فالأحاسيس لا تملى ولكنها تباغت وتَفرض وتُقسر على أن تكون مطواعاً ومنفذا لما تريده منك، وبهذا تريح وترتاح، حيث امتزاج التفاعل مع الفعل، أو قل الانفعال الذي يقّدم ما ترغبه النفس، وما ترى أنه سيتوجه إلى المتلقين مباشرة ويستقبلونه بكل تقدير، وقد سمي الشعر، بكلمة من ثلاثة حروف من ثمانية وعشرين حرفا، ولكن كم من البلايين من الكلمات التي تحدثت ووصفت، ومازالت تتحدث وتصف وتصنف (شِعْر)، فبقدر ما جمعت أو ضربت، أو استعملت من المساعدات في الحصر من آلات وحواسيب، لن تستطيع أن تحدد العدد الذي وفرته اللغلة عن (ش ع ر).
الشاعر نزار خبر الشعر صغيرا، أو وهو أصغر من الصغير، لقد خلق شاعراً حملته أمه وولدته وهو شاعر، ليس مبالغة ولكن هذا ما صار حسب المكانة التي احتلها في مقدمة الشعراء، ففي كتابه (قصتي مع الشعر) حديثه عن تجربته الشعرية تحس وأنت تقرأ أنه ليس سواه من الشعراء الذين كتبوا تجاربهم أو تحدثوا عنها، فهو غير في تناول الصورة التي يرسمها في كلمات، فالرسم بالكلمات صعب، وصعوبته عندما تحدث وكتب (الرسم بالكلمات) عبارة سهلة ولكنها غير مسبوقة، وهو يعني بالفعل أن يرسم المشاعر على الورق في أناقة وأناة وحرص على أن تكون الكلمة صورة يمكن أن تضعها في إطار محسوس، أو إطار داخلي ضمن المخزن الذي تكنز فيه مدخراتك من المعارف والفنون ويكون مكانك المفضل عن الحاجة للراحة والتأمل في الكون الفسيح أفقاً وراء أفق وأنت في مكانك تسيدر في عوالم الإبداع.
أنا وأشعاري
نسيج واحد
لا فرق بين الوجه والقناع.
لا تلون في المشاعر، ولا تقلبات ولكن ما أقوله أعنيه، ونزار يعني ما يقول بدقة وسلاسة:
أريد أن أحب..
كي أكتب شعرا جيداً
فالحب في أساسه
نوع من الإبداع.
كما نجيمات يبثها في الظلام ليرى الآخر أن هناك من يشارك ويعايش ولا يستطيع أن يعيش بدون الناس وأن يذيقهم ويطعمهم من مائدة نظراته المتنوعة للحياة، والإنسان كيف يحيا بدون ناس؟
فالناس للناس، ولذا تكون المشاركة الوجدانية ونبذ الأنانية والانفراد أو العزلة.
عندما أراد أن يكتب عن نفسه (قصتي مع الشعر) لم يستعن أو يستنجد بقلم لامع في يد ناقد مشهور، أو كاتب من أصحاب الواجهات الإعلامية، ولو ممن يعزهم، لقد انعطف إلى داخله لأنه في قرارة نفسه (انا الذي أعرف من أنا)، فيبرر ذلك بقوله: "أريد أن أكتب قصتي مع الشعر قبل أن يكتبها أحد غيري، أن أرسم وجهي بيدي، إذ لا أحد يستطيع أن يرسم وجهي أحسن مني، أريد أن أكشف الستار عن نفسي بنفسي، قبل أن يَقُصَّني النّقاد ويُفَصِّلوني على هواهم، وقبل أن يخترعوني من جديد، ثلاثة أرباع الشعراء من فيرجل، إلى شكسبير، إلى دانتي، إلى المتنبي، من اختراع النقاد، أو من شُغلهم وتَطْريزهم على الأقل، فمن سوء حظ الشعراء القدماء أنهم لم يكونوا يمتلكون دفاتر مذكرات "أما أنا فهذا دفتر مذكراتي سجلت فيه تفاصيل رحلتي في غابات الشعر"
شاعر بهذه الصراحة والشفافية يفرض عليك أن تحسب كل حساب لما قاله شعراً وما كتبه نثراً، لانه استعان بنفسه على نفسه ولا دخل لأحد بينهما أو واسطة يقول ما يريده هو لا ما يقوله الوسيط، ويتحدث عن نفسه الشاعرة في شعره ونثره، وأحاديثه، وقد واجه صراعات ومناقرات وتمحّكات، ولكنه كان صامداً لم تحركة بعض الترّهات، ولم يلتفت إلا لما يرى أنه يجب أن يفهمه وجهة النظر النزارية الخاصة، فهو يستعمل عملية التَّدريس بوسائل الإيضاح التي توصل وبوضوح شديد ما كان يقصده، وما يهدف إليه فقط، فالطريق الشعري النزاري الخاص لا يمكن تغييره لكونه قد حفره وسط صخر صلب يتمثل في ثقة نزار وقناعته بما يكتب.
أنا لم أقل إني عشيق رائع
أو مدهش
أو رائد في فنه،
لكنني سأحاول،
أنا لم أكن بطلا خرافيا كما يصفونني
لكنني من نصف قرن
لا أزال أحاول
تسير الكلمات على بساط وردي شفاف، تحمل المعاني الكثيرة ليس عن المرأة والحب فقط، ولكن عن عامة الحياة وشؤونها كما يصف الشعر في رأيه.
*قال عن د طه حسين:
ضوءُ عينيكَ أم هما نجمتانِ
كلهم لا يَرى... وأنتَ تراني
ضوءُ عينيكَ أم حوارُ المرايا
أم هما طائران يحترقانِ
إرمِ نظارتيكَ ما أنتَ أعمى
إنما نحن جوقةُ العميانِ
- Details
- Details
- قضايا وأراء
على الرغم من الصدمة والغضب اللذين يسودان كافة أنحاء العالم، إلا أن طريقة الموت المأساوية للطفل أيلان الكردي في الصيف الماضي قد غيرت من الأوضاع قليلاً. وإذا مازال بالإمكان أن نتحدث عن هذا المفهوم فإن هذا الوضع يعتبر انتقاداً مؤسفاً ومؤلماً للإنسانية جمعاء.
وقوة المشاهد ووسائل التواصل الاجتماعي ذات التأثير الفعال للغاية والتي تهدف إلى الشهرة، تبدو وكأنها فقدت فعاليتها عندما يتم الحديث عن حشد المساعدات لمن أسعفهم الحظ. وفي حقيقة الأمر، فقد الكثير من الرجال والنساء والأطفال الأبرياء حياتهم منذ وفاة أيلان قبل ستة أشهر، حيث كان بالإمكان الحيلولة دون وفاتهم جميعاً.
صحيح أننا نواجه أكبر أزمة إنسانية لم نشهد لها مثيلاً منذ الحرب العالمية الأخيرة. ولكن، لا يمكن أن نجد أي مبرر للصمت العالمي السائد حالياً.
وفي الوقت الذي تعتبر فيه الكوارث الطبيعية الكبيرة سبباً مهماً لحدوث الوفيات وعمليات النزوح، إلا أن أغلبية الأزمات الإنسانية المقلقة هي تلك الأزمات المتعلقة بالنزاعات والتي تدوم لمدة طويلة من الزمن. ولا يبدو هذا الأمر واضحاً في أي مكان آخر مثلما هو واضح وجلي في سورية التي يوجد فيها مجرم يقتل شعبه دون أي اكتراث ودون أي تمييز، مدعوماً من قبل القوى الخارجية.
وإضافة إلى سورية، نجد أن الأزمات الإنسانية التي يشهدها الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا والمناطق الأخرى، قد تجاوزت كل الحدود. واليوم، يوجد حوالي 125 مليون شخص في جميع أنحاء العالم بحاجة إلى المساعدات الإنسانية. وأعداد النازحين البالغ 60 مليوناً، ارتفع ليصل إلى الضعف في غضون عشرة أعوام فقط. وتعتبر هذه الأعداد بمثابة دليل على تعقد الأزمات الإنسانية، وعدم كفاية الكفاح الذي نخوضه في مواجهة هذه الأزمات، وعدم رغبتنا في خوض المزيد، والعجز المالي الذي يتعمق بين الاحتياجات المتزايدة والمصادر المحدودة.
يتوجب علينا القيام بشيء ما. وتركيا في هذا الصدد لا تشكل أنموذجاً فقط، بل تعتبر رائدة على صعيد العمل الذي يدفع المجتمع الدولي إلى التحرك.
وإضافة إلى كونها دولة مانحة كبيرة، فإن تركيا اليوم تستضيف أكبر عدد من اللاجئين (أكثر من 3 ملايين لاجئ). وتعتبر الحرب التي تشهدها سورية السبب الأكبر لذلك. وتأمين الخدمات المعيشية اليومية كالخدمات الصحية والتعليمية والمهنية، وتأمين المأوى، يشكل عبئاً مالياً كبيراً اضطرت تركيا لتحمل القسم الأكبر منها بمفردها.
وإضافة إلى ذلك، لا تعتبر الديبلوماسية الإنسانية التي نتبعها مقيدة بالمناطق القريبة منا فحسب. فاعتباراً من القرن الخامس عشر استقبلت تركيا المدنيين العزل دون تمييز بينهم من حيث العرق أو الاثنية أو المنطقة التي ينتمون إليها، وهي اليوم تستجيب لكافة أنواع الأزمات الإنسانية انطلاقاً من هايتي وصولاً إلى نيبال، ومن غينيا إلى الصومال، ومن الساحل الأفريقي إلى أندونيسيا. والجهود الإنسانية التي نبذلها لا ترمي إلى إزالة الأعراض فحسب، بل تهدف إلى معالجة هذا المرض أيضاً. وهذه المقاربة المتكاملة تشمل المساعدات الإنسانية والدعم التنموي على حد سواء، وتهدف إلى معالجة الأسباب والعوامل الرئيسية التي أدت إلى اندلاع الأزمات الإنسانية. وترتكز هذه المقاربة إلى الطلب، بحيث يمكن ملاحظتها بشكل واضح وجلي في دول الساحل الأفريقي والصومال التي تتبع فيها تركيا سياسة متكاملة ومتعددة الأبعاد. وتقوم المساعدات الرسمية بالجمع بين أوساط الأعمال والمجتمع المدني، وتحقق النجاح في تحسين الكثير من أوجه الحياة إلى حد كبير جداً.
وتكتسب الجهود الفردية أيضاً أهمية بقدر الأهمية التي تكتسبها الجهود التركية، إلا أن المنظومة الإنسانية الدولية تبقى محرومة من الصناديق القائمة، وتبدأ عقارب الساعة بالدوران في غير مصلحة الأشخاص المتأثرين من الكثير من الأزمات التي نشهدها على صعيد العالم. وبعبارة أخرى، هناك أعداد كبيرة من الناس الذين تتهدد الأخطار حياتهم، وعدم الاكتراث بهم والصمت تجاههم لا يعتبر خياراً.
وفي هذه اللحظة الحرجة، ستستضيف إسطنبول يومي 23-24 أيار/مايو 2016 القمة الإنسانية العالمية التي تنظمها الأمم المتحدة. واختيار تركيا لاستضافة هذه القمة لم يكن من قبيل الصدفة بتاتاً، إنما يشكل اعترافاً في الوقت المناسب بالديبلوماسية الإنسانية الناجحة التي نتبعها.
ستؤمن القمة الإنسانية العالمية منصة مهمة جداً لتناول التحديات التي تواجهها المنظومة الإنسانية. كما ستتناول هذه القمة المواضيع العاجلة كالتمويل الإنساني المستدام والموثوق، إضافة إلى المواضيع المتعلقة بالبحث عن حلول للأزمات المتكررة والطويلة الأمد، وموجات النزوح. كما ستبحث القمة الوسائل المبتكرة التي يجب اتباعها، وكيفية تشجيع الأعمال الإنسانية المحلية بواسطة اتباع مقاربات خاصة بالاحتياجات، وموضوع الوثوقية والأمان بالأعمال الإنسانية.
ستكون القمة الإنسانية العالمية مناسبة لدفع المجتمع الدولي وقادة الدول إلى التحرك في وقت تقف فيه الملايين من البشر على حافة الموت. وعندما رأيت صورة أيلان لأول مرة، عانيت الكثير من الهموم التي جثمت على كاهلي وأنا أتذكر الأبرياء العزل والأطفال الذين بدؤوا للتو بالمشي. أريد أن أصدق أننا تعلمنا شيئاً ما من هذه الصورة، وأننا لسنا بحاجة إلى رؤية المزيد من الصور المشابهة لكي نبدأ بالعمل.
كلنا مسؤولون عما يواجهه هؤلاء الناس العزل الذين ينظرون إلينا طلباً للمساعدة. وقمة إسطنبول ستشكل فرصة للتحرك وتحمل هذه المسؤولية. ونوجه دعوة لجميع القادة في العالم إلى المشاركة في القمة الإنسانية العالمية التي ستعقدها الأمم المتحدة في إسطنبول، وإلى العمل المشترك من أجل إيجاد حل لأؤلئك الناس العاجزين والمحتاجين للمساعدات الإنسانية.
*وزير خارجية تركيا
- Details
- Details
- قضايا وأراء
ما آلت إليه مدينة الفلوجة من سيطرة «داعش» عليها هي مسؤولية الحكومة العراقية وليست مسؤولية أهالي الفلوجة الذين عانوا من الحكومة يوم فرّطت في أمنهم ويوم أطبقت حصاراً عليهم لإخراج العدو من الداخل، ومهما كان العذر الذي يُنفذ باسمه هذا الحصار ومهما كانت الخطط التي أعدها العراقيون والأميركيون الذين يعرفون الفلوجة جيداً وترتبط في ذهنهم بحوادث مأساوية يجدر ألا تكون عملية القضاء على «داعش» عبر بوابة تجويع أهالي المدينة الذين يعيشون مجاعة رهيبة وسط صمت دولي مخيف.
فالصمت يوحي إما بالموافقة أو العجز، وكلا الأمرين يتنافسان في المأساوية ويعبران بأسى عما غدا عليه حال العراق ومسؤوليه الذين يكرسون بتلك التصرفات حالة من النقمة الشديدة في نفوس أهالي المدينة، والذين سيتذكر الأحياء منهم كيف فارق أهلهم الحياة أمام أنظارهم بسبب حصار الدولة عليهم.
تاريخ الفلوجة يخبرنا أن لهذه المدينة صولات عدة مع «القاعدة» والأميركيين والمسلحين منذ سقوط العراق عام 2003، وهذه المدينة كانت دائماً تعاني مرتين، واليوم من الضروري ألا نكرر أخطاء الماضي بجعل هذه المدينة تدفع ثمناً مضاعفاً، وإن على الولايات المتحدة أن تسهم في فك هذا الحصار وهي التي تشارك في مهمات استشارية وتدريبية للقضاء على «التنظيم» الإرهابي.
إن على المجتمع الدولي أن يتحرك اليوم لإنقاذ المدنيين الذين تنكل بهم «داعش» في الداخل ويحاصرون من الحشد الشعبي ومن يدور في فلكه من الخارج دون وجود ممرات آمنة تسمح بخروج المواطنين بسلام، وإن تواتر الروايات عن تراجع «الحشد» عن الحصار بسبب ارتباك وتأجيل عمليات الحسم والتدخل لا يعني شيئاً ولا يخفف من الأزمة الحالية التي تعكس واقعاً إنسانياً مؤلماً للعراقيين، وهو واقع حدث يوم أعلى السياسيون في العراق مصالح الفئة على مصالح الوطن.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
لماذا يُفجِّر مَن ينتمون إلى الإسلام
في بلد يحترم الإسلام كدين،
ويُوفِّر المعلمين لأبناء المسلمين،
ويُؤهِّل الأئمة ويدفع رواتبهم
مثل بلجيكا...؟
* وتعجُّب هؤلاء المتسائلين مردُّه
- Details
- Details
- قضايا وأراء
- Details
- Details
- قضايا وأراء
- Details
- Details
- قضايا وأراء
أَحيَانًا أُصَاب بِمَا يُسمَّى التَّرَف المَعرفي، وهو عَفشٌ زَائِد في دَاخل جُمجمة الإنسَان، حِين تَكون هَذه الجُمجمة مُتْخَمَة بالمَعرفة، ومُشبعَة بالزّيوت اللُّغويّة، والدّهون الفِكريّة، والشّحوم الثَّقافيّة..!
هَذا التَّرَف كَان أَيضًا
- Details