قضايا وأراء
- Details
- قضايا وأراء
من خدم هذا الوطن بنبل وإخلاص له حق علينا ان نقدمه رمزا وطنيا نفاخر به ونتباهى امام الاجيال الشابة والصغيرة على وجه العموم، وان نتباهى به كرمز وطني في الخارج..
ويبقى للعسكريين حق خاص فهم بالأمس واليوم يشكلون نموذجا متميزا لحماية حدودنا كعسكريين اثبتت الأيام أنهم حماة الوطن وكرجال أمن يحققون للمجتمع أعلى درجات الحماية وتحقيق الاستقرار في الداخل.. بعد تسمية حي الشهداء ننتظر وضع أسمائهم على طرقنا ومدارسنا..
هذه البداية تأتي في سياق قبول عتب قراء كرام تساءلوا عن عدم طرحي للعسكريين كنموذج للرموز الوطنية التي علينا الاعتزاز بها..، فإشارتي لبعض القطاعات في مقالي السابق كان أمثلة ونماذج فقط ولا يعني هذا الحصر، بل الهدف اعم وأشمل..
من لا يباهي بهم وهم يقفون اليوم بقوة لحماية حدنا الجنوبي، ومن يستطيع أن ينسى بطولاتهم في حرب الخليج حيث كانت لهم اليد الطولى في تحرير دولة الكويت الشقيقة وخاصة أبطال القطاع الجوي حيث كان حضورهم العسكري متميزا ومرتكزا على مهارات وإمكانات عسكرية أبهرت طيارين من دول متقدمة..
اليوم وهم يقفون على حدنا الجنوبي يثبتون أنهم مصدر أمن وحماية للوطن..
وأخوتهم في القطاعات الأمنية الأخرى وهم يقفون جدار صد أمام عصابات تريد خلخلة أمننا تارة بالإرهاب وقتل الأهل وترويع المصلين، وتارة بالمخدرات..
ما قصدته في تقدير الرموز هو أن نراهم جزءا من المشهد التعليمي والإعلامي والتثقيفي وتخليد أسمائهم وأعمالهم باعتزاز وتقدير وطني مجتمعي ومؤسسي..
لو رأينا هؤلاء المتميزين يتداخلون بفكرهم المستنير وحسهم الوطني الناضج مع طلبة التعليم العام والعالي هل سنرى حالة الاحباط بين بعض الشباب أو الاحساس بعدم القدرة على النجاح لأبسط معوق؟ لو أن شابا لم يجد فرصة العمل التي يطمح لها ثم سمع قصة رجل اعمال عصامي واجه الحاجة والتعب الى أن وصل رصيده ملايين هل سيتذمر من عدم وجود وظيفة بخمسة آلاف ريال..؟
لو أن أبطال الأسطول الجوي السعودي تواصلوا مباشرة وبحوار إنساني مع طلبة المرحلة الثانوية كيف سيكون تأثيرهم..؟ أو أن طبيبا متميزا تواصل مع طلبة المرحلة المتوسطة او الجامعية كيف سيكون تأثيره في فكرهم واتجاهاتهم نحو العمل والوطن والانسان..؟
لو أن وزيرا تناول تجربته في ممارسة عمل بسيط اثناء دراسته خارج المملكة او في بدايات حياته العملية الى أن اصبح يشار له بالبنان..
مثل هذه التجارب تكرس في وجدان الشباب من الجنسين ثقافة الحياة، ثقافة العمل، ثقافة الاجتهاد، ثقافة العطاء للإنسان وللمجتمع وتعطي قيمة عالية لهذه الرموز في المجتمع عموما وبين الشباب على وجه الخصوص..
تقدير كافة المؤسسات للرموز الوطنية من الجنسين فيه بعد وطني وانساني فنحن بذلك نستلهم من تجاربهم ونؤصل لوجودهم بيننا سواء في حياتهم أو بعد مماتهم، ولعل أيضا المقررات ذات البعد التاريخي تتضمن معلومات عنهم وعن انجازاتهم خاصة في التخصصات العلمية المرتبطة بمجال انجازهم..
تحية خاصة لكل من يقفون على منصات حمايتنا على حدودنا وفي داخل بلادنا من حماة الوطن والأمن.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
من الواضح لمن يتعامل مع المحاكم في الوقت الراهن، أن هناك العديد من السلبيات القائمة حاليا، مما لا يتطلب معالجتها إلا بعض الجد والعزيمة، ولا أظنها تتطلب تعديل أنظمة ولا توفير اعتمادات مالية
من أسوأ ما يواجه المتخصص في المشاركات الإعلامية التي يدعى إليها، أن يطرح عليه سؤال كبير في موضوع متشعب وواسع، ولا يتاح له من الوقت ما يكفي للتعبير عن رأيه وتوضيح وجهة نظره. وهذا بالضبط ما حدث لي قبل مدة حين دعتني إحدى القنوات الإخبارية للحديث عن رؤية وزارة العدل التي أعلنتها ضمن برنامج التحول الوطني الطموح. إذ ما أن بدأت الحديث عن هذا الموضوع وما زلت في المقدمة حتى اعتذرت المذيعة لضيق الوقت وأنهت المشاركة.
وقد أوقعني ذلك في حرج كبير إذ تلقى المشاهدون فكرتي من خلال كلمات يسيرة كنت أتيت بها مقدمة للفكرة وليست هي الفكرة.
ولأهمية هذا الموضوع فإنه لابد من إيضاح الفكرة كاملة وتناولها بما يخدم الموضوع ويعضد ما لدى وزارة العدل من توجهات طموحة كلنا أمل أن ترى النور قريبا – بإذن الله -.
فقد أعلنت وزارة العدل عن المشاركة بـ 14 مبادرة لتحقيق سبعة أهداف استراتيجية، تستهدف تقديم خدمات عدلية رائدة بأعلى كفاءة وشفافية وبأقل وقت.
وقد تناولت كل وسائل الإعلام المحلية تفاصيل هذه المبادرات والأهداف مما لا داعي معه لإعادة سردها هنا، لذا سأكتفي باستعراض أبرز المعوقات التي أخشى أن تؤثر في استكمال تحقيق هذه المبادرات والأهداف، وبعض المقترحات لمعالجة هذه العوائق وذلك على النحو التالي:
أولا: حين نتحدث عن المبادرات والأهداف التي أعلنت عنها وزارة العدل، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن مسألة مدى امتلاك الوزارة للوسائل والأدوات التي تستطيع من خلالها تحقيق هذه المبادرات، ذلك أنه بنظرة على ما تضمنه نظام القضاء من اختصاصات وصلاحيات وزارة العدل، نجد أنها مقارنة بما أعلنته من مبادرات وأهداف، تعتبر محدودة جدا، وأن كثيرا من هذه الأهداف والمبادرات لا يمكن استقلال وزارة العدل بتحقيقها ما لم تضمن التعاون التام والكامل من الجهات الأخرى ذات العلاقة، والتي قد تملك أكثر مما تملكه وزارة العدل من صلاحيات ووسائل لتحقيق هذه الأهداف.
ولعل أهم جهتين لابد أن تضمن وزارة العدل تعاونهما معها لتحقيق هذه الأهداف هما (المجلس الأعلى للقضاء)، و(وزارة المالية) فالمجلس الأعلى للقضاء هو صاحب السلطة على القضاة فيما يتعلق بتنظيم إجراءات التقاضي، وتوجيه القضاة في كل ما يتعلق بالأعمال القضائية، وسلطة التفتيش على أعمالهم، ومحاسبة المقصر منهم.
أما وزارة المالية فهي الجهة الوحيدة التي يمكنها أن تمدّ وزارة العدل بالوظائف اللازمة والاعتمادات المالية الضرورية لإنفاذ ما طرحته وزارة العدل من برامج وأهداف، ولا أدل على ذلك من تعثر مطالبة وزارة العدل بدعم المحاكم بعدد كاف من الباحثين في علم الاجتماع والنفس للاستعانة بهم في قضايا العنف الأسري والأحوال الشخصية، بسبب رفض وزارة المالية لذلك ما حدا بهيئة الخبراء إلى التوصية بإلزام وزارة المالية بتوفير هذا الدعم.
كما أن مبادرات مثل (رفع مستوى الخدمات العدلية والقضائية)، و(الحدّ من تدفق الدعاوى إلى المحاكم)، و(رفع مستوى القضاء وإبرازه محليا وعالميا)، و(رفع تصنيف المملكة عالميا في مؤشر إنفاذ العقود).. كل ذلك من الصعب تحقيقه في ظل عدم تقنين أحكام القضاء، والإلزام بمبادئ موحدة تحكم أبرز المسائل التي تعرض على المحاكم. ونحن نرى الآن عدم إقرار مدونة الأحكام التي سبق أن صدر الأمر السامي الكريم بإعدادها.
ثانيا: لا يشك من يطلع على هذه المبادرات والأهداف الطموحة، أنه لا يمكن تحقيقها دون مشاركة فاعلة من منسوبي المحاكم من القضاة وأعوان القضاة، إذ هم في المقام الأول من يناط بهم تحقيق هذه الأهداف وتنفيذها فعليا على أرض الواقع، فيجب أن تضمن وزارة العدل اشتراكهم معها في نفس الرؤية والطموح والجدّ.
وهذا يدعونا إلى التذكير بما سبق طرحه إعلاميا وفي أكثر من مناسبة، من ضرورة إعادة النظر في الحقوق الوظيفية للقضاة وأعوان القضاة، وأن هذه المرحلة تتطلب ضرورة إقرار، ولو القدر الضروري من هذه الحقوق، بما يكفل الحفاظ على الكفاءات المؤهلة منهم، وضمان عدم تسربهم، واستمرار تفاعلهم وتحفيزهم لتحقيق هذه المنجزات، ومن أهم ذلك حقوق السكن والعلاج وبدلات ومكافآت التميز.
ثالثا: من الواضح لمن يتعامل مع المحاكم في الوقت الراهن، أن هناك العديد من السلبيات القائمة حاليا، مما لا يتطلب معالجتها إلا بعض الجد والعزيمة، ولا أظنها تتطلب تعديل أنظمة ولا توفير اعتمادات مالية، وهذه السلبيات مزعجة جدا ومعطّلة للحقوق، وأتمنى على الوزارة الالتفات إليها ببعض الحزم والعزم، وهي كثيرة لا يسع المقام لحصرها؛ لكن على سبيل المثال:
- تباعد مواعيد الجلسات. والبطء الكبير في الإنجاز، حتى صار رفع القضية من المحكمة العامة في الرياض إلى محكمة الاستئناف يستغرق أحيانا شهرا كاملا، وكذلك الحال في عودة القضية من الاستئناف إلى المحكمة العامة وهما في مدينة واحدة!.
ومن ذلك الوقت الذي يستغرقه وصول الإفادة من كتابة العدل إلى المحكمة عند الاستفسار عن حالة صك عقار، ويتوقف على ذلك الحكم في الدعوى.
الوقت الطويل الذي تستغرقه قضايا من طبيعتها الاستعجال مثل دعاوى ملاك العقارات للمطالبة بإخلائها من المستأجرين الممتنعين عن السداد أو عن إخلاء العقار بعد نهاية العقد؛ فتكون مدة إيجار العقار سنة، بينما قد تستغرق مدة إخلائه أو سداد أجرته سنتين أو أكثر!!.
كثرة الدعاوى التي يتعطل النظر في موضوعها مددا طويلة قد تصل لسنة أو سنتين لمجرد تحديد المحكمة المختصة، وبعض هذه القضايا لها أثر كبير وواضح على اقتصاد المملكة وهي نزاعات المقاولات العقارية الكبرى إذا كان أحد طرفي الدعوى هو مالك العقار، إذ ما زالت مئات القضايا تتوالى على المحاكم من سنوات وفي كل قضية يضطر المدعي إلى الحصول على حكمين بعدم الاختصاص من المحاكم العامة ومن ديوان المظالم، ليصل إلى لجنة تنازع الاختصاص في مجلس القضاء وتقرر المحكمة المختصة، وكلما رفعت دعوى مماثلة احتاجت إلى نفس الاجراءات ونفس الوقت لتحديد الاختصاص!. بينما كان يكفي إصدار تعميم من مجلس القضاء إلى المحاكم بما استقرت عليه قرارات لجنة تنازع الاختصاص، ليتم العمل بموجبها ويوفر على الناس الجهد والوقت المهدر دون جدوى.
هذه مجرد أمثلة ومثلها مئات الأمثلة على أن أداء المحاكم يحتاج إلى التفاتة جادة ومعالجة شاملة. ومتى ما تم ذلك فإنه يمكننا أن نأمل بتحقيق مستويات أعلى من الطموحات والتطوير.
والحمد لله أولا وآخرا.
*محام وقاض سابق بديوان المظالم
- Details
- Details
- قضايا وأراء
شاهدت قبل أيام ــ على قناة ديسكفري ــ قصة حقيقية لرجل سقطت طائرته الصغيرة في منطقة غابات كـثيفة في غرب كندا.. وفي حين مات أصدقاؤه الخمسة نجا هو وبقي منتظرا فرق الإسعاف لفترة طويلة كاد خلالها أن يموت من البرد والجوع.. وأخيرا؛ عثرت عليه طائرة الهليكوبتر وتم رفعه إليها.. غير أن طائرة الإسعاف نفسها ارتطمت لاحقا ببعض الأشجار فسقطت على بعد مئتي متر من الحادث الأول - ومات أفراد طاقمها الخمسة باستثناء الناجي الوحيد من الحادثة الأولى..
وبهـذين الحادثين يكون الموت قـد فاته بخطوتين وحقق رقما قياسيا في النجاة من حادثين جويين (خلال 24 ساعة)..
والعجيب في حوادث الطيران أن المحققين يبحثون دائما عما يسمى الناجي السعـيد في الحادث.. صحيح أن معظم حوادث السقوط لا ينجو منها أحد ــ وآسف لقول هذا ــ ولكن يظل هناك راكب سعيد إما أنه تخلف عن الرحلة أو ألغى حجزه في آخر لحظة، وبالتالي يهمهم معـرفة السبب.. خذ كمثال رجل الأعمال الهولندي دافيد فاندههام الذي يتحرك كثيرا بين أمستردام وكولالمبور.. فقد تأخر على رحلة الطائرة الماليزية التي فقدت فوق البحر في مارس 2014 ثم ألغى حجزه في آخر لحظة على رحلة الطائرة الماليزية (التي سقطت بصاروخ فوق أوكرانيا في يوليو 2014)..
وكنت قد تعرضت في مقال سابق لقصة المواطن الياباني تسوتومي ياماكاشي الذي نجــا من الموت حين ألقت الطائرات الأميركية أول قنبلة ذرية على مدينة هيروشيما (في السادس من أغسطس 1945). وبسبب الحروق التي طالت جسده سافـر إلى نجازاكي للعـيش مع والدته فألقت الطائرات الأميركية القنبلة الثانية على نجازاكي (بعد ثلاثة أيام) فـنجا من الموت للمرة الثانية في حين ماتت والدته وعائلته بأكملها ـــ ومات قبل سنة فقط عن عمر يقارب المئة عام!
غير أن هؤلاء الناجين لا يقارنون بأشخاص آخرين يفوتهم الموت بخطوة قبل أن يلقاهم في الخطوة التالية.. فهناك قصص حقيقية من هذا النوع تذكرنا بفيلم الوجهة الأخيرة أو فاينال ديستنيشن حيث النجاة من موت محقق تقود إلى موت مؤكـد..
خذ كمثال الفتاة الصينية مينج يان الناجي الوحيد من حادث تحكم طائرة آسيانا التي تحطمت فوق مطار سان فرانسيسكو في السادس من يوليو 2013. فـبطريقة ما نجت من حادث السقوط وخرجت من بين ألسنة اللهـب وابتعدت عن موقع الحادث لأكثر من ثلاثين مترا قبل أن تصدمها شاحنة الإطفاء المنطلقة نحو الطائرة المحترقة فتقتلها على الفور..
وكانت هيلدا مايول من المجموعة المحظوظة التي نجت من حادث تفجير مبنى التجارة الدولي في نيويورك (سبتمبر2011).. فرغم أنها تعمل في الطابق الرابع والخمسين نصحتها صديقتها بتناول الإفطار معها في الطابق الأرضي. ولهذا السبب تمكنت من الهرب بسهولة حين ارتطمت الطائرة بالأدوار العلوية حيث تعمل. غير أن حظها لم يستمر لأكثر من شهرين كونها قتلت مع 260 راكبا في تحطم الطائرة الذي وقع فوق نيويورك في شهر نوفمبر من نفس العام!
.. والآن؛ دعونا نعد لظاهرة الراكب السعيد..
في عام 1989 أصبح الشاب الأميركي ديفيد بووث مشهورا جدا لسبب غريب جدا.. ففي أكثر من مرة شاهد في منامه حادث سقوط طائرة ركاب في مطار شيكاغو الدولي.. ورغم تحذيره لسلطات المطار بقرب وقوع حادث ما (ورغم تواصله مع مركز الأبحاث النفسية في جامعة سينسناتي بخصوص تكرار هذا الحلم) فشلت جهوده في إقناع أحد.. وفي 25 مايو 1989 سقطت طائرة ركاب تابعة لشركة أميركان بنفس الطريقة التي وصفها ديفيد ومات من ركابها مئتان وثلاثة وسبعون.. بعد ذلك الحادث اتضح أن 43 شخصا سعيدا حلموا بهذه الكارثة فـألغوا حجوزاتهم، ولكن بووث كان الوحيد الذي امتلك الشجاعة للتحذير منها!
- Details
- Details
- قضايا وأراء
د. أحمد الفراج
تشبه علاقة المرشح الجمهوري، دونالد ترمب، بأقطاب الحزب الجمهوري، في كثير من الوجوه، علاقة الأخ الأكبر بإخوته، والتي عرضها مسلسل سيلفي الرمضاني، قبل أيام، فمثلما أن الإخوة كانوا لا يطيقون أخاهم «الغثيث»، ولكنهم، ولأسباب اجتماعية، وعلى رأسها البر بوالدتهم، كانوا مجبرين على تحمل مصائبه، فالأخ الأكبر كان كذابا، وأنانيا وانتهازيا، وإخوته يعلمون ذلك، ولكنهم تحملوا، حتى وصلت الأمور إلى نقطة الصفر، فهجموا عليه مع والدتهم، ولقنوه درسا لن ينساه، وهكذا هي علاقة رئيس مجلس النواب، الجمهوري بول راين، وكبار قيادات الحزب الجمهوري مع مرشح حزبهم، دونالد ترمب، فهناك أخطاء يمكن تحملها، بل والدفاع عنها، أما أخطاء ترمب فهي كارثية، وبعضها يتعارض مع الدستور الأمريكي، والقيم الأمريكية، والتي كان لها الفضل في قيادة الولايات المتحدة للعالم أجمع.
في عام، 1992، كشف الغطاء عن فضائح المرشح الديمقراطي حينها، بيل كلينتون، والتي كان من ضمنها استخدامه لشرطة ولاية اركانسا في استدراج بعض الفتيات، حيث كان حينها حاكما لهذه الولاية الزراعية، ومع كل ذلك، فقد استطاع الحزب دمدمة الأمر، وانتهى المطاف بكلينتون رئيسا لأمريكا، وقبل ذلك حصل ذات الشيء مع المرشح الديمقراطي للرئاسة لعام 1988، مايكل دوكاكيس، ومع المرشح الجمهوري للرئاسة لانتخابات عام 2012، ميت رومني، حيث اتهم بالتلاعب بالضرائب، واستثمار أمواله خارج أمريكا، ولكنه نجا من ذلك بفضل جهود الحزب، وهذه فقط عينة من فضائح المرشحين، والتي استطاعت الأحزاب تغطيتها والدفاع عنها، أما دونالد ترمب فهو حكاية مختلفة، فالأمر لا يتعلق بعلاقات نسائية، أو فساد مالي، بل بمرشح ثري وأحمق، لا يملك خبرة سياسية على الإطلاق، وارتكب موبقات لا يمكن التهاون معها، خصوصا من قبل كبار رجالات الحزب، ومعظمهم حكام ولايات، وأعضاء في الكونجرس، ويعرفون تماما معنى التهاون بقيم العدالة والحرية، والتي يفخر بها كل مواطن أمريكي.
دونالد ترمب، طالب ببناء جدار فصل عنصري، بين الولايات المتحدة والمكسيك، واتهم المكسيكيين بأنهم لصوص وتجار مخدرات، وغني عن القول إن الأمريكيين من أصل مكسيكي شريحة لا يستهان بها في المجتمع الأمريكي، ولم يكد الحزب يفيق من صدمته من جراء ذلك، حتى جاءت الطامة، عندما طالب ترمب بمنع دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة، وهي المطالبة التي لا يزال الجدل حولها مشتعلا، إذ كررها، بعد حادثة اورلاندو، والتي كان بطلها أمريكي مسلم، من أصول أفغانية، قبل حتى أن يعرف أن عمر متين أمريكيا، وليس أفغانيا مهاجرا، وهذا غيض من فيض زلات ترمب الكارثية، ومع أن بعض كبار رجالات الحزب لا زالوا يلتزمون الصمت، إلا أنهم ينظرون لترمب على أنه مثل الأخ الأكبر في مسلسل سيلفي، أي تورطوا به بسبب الناخبين، والناخبين هنا هم الأم في سيلفي، رغم علمهم بأنه غير مؤهل، وكاذب، وانتهازي، وسيدمر سمعة الحزب لمدة طويلة، وهنا نتساءل عما إن كان أقطاب الحزب الجمهوري سيتعاملون مع الموقف كما تعامل الإخوة مع أخيهم في سيلفي، وذلك في مؤتمر الحزب الجمهوري، أي سينقلبون عليه، ويختارون مرشحا آخر، أم أن الوقت لن يسعفهم للقيام بذلك، كما يرى بعض المراقبون، وسنعرف كل ذلك خلال أقل من شهر من الآن.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
سعد الدوسري
يظن الكثيرون أن عمل الخير يجب أن يكون في الدائرة التي يعيشون فيها. ولذلك، انتشرت في بلادنا ظاهرةُ بناء أكثر من مسجد في حيٍّ واحد، يخلو من حديقة أو من مكتبة أطفال.
هناك من يفكر، خيرياً، خارج الصندوق. ويذهب إلى الأبعد، لكي يقترب إلى الله أكثر، وليضمن أن عمله يفيد أناساً، هم بأمس الحاجة إليه. وكمثال على ذلك، ارتحل الدكتور حسين قستي، إلى أقصى الدائرة القطبية، حيث متاهات الجليد والحرارة تهبط إلى 40 تحت الصفر، وقام ببناء أول مسجد في مدينة ايكالويت عاصمة ولاية «نونافوت» في كندا، والتي يبلغ سكانها 8 آلاف نسة، معظمهم من الاسكيمو الأصليين. قدرت تكاليف البناء ب 750 ألف دولار، وبلغت مساحته 343 متراً مربعاً، ليكون ثاني أبعد مسجد في شمال القارة الأميركية، في أبعد منطقة مأهولة في شمال العالم، والتي لا يوجد فيها إلا مسلم واحد.
أثناء فترة بناء المسجد، كان الدكتور حسين قستي، يقيم مع زوجته الدكتورة سوزان غزالي وابنه وابنته، في مدينة «وينيبغ» عاصمة مقاطعة «مانيتوبا» في الوسط الكندي، وكان يشرف هو وزوجته على مراحل البناء. ولأنه من مواليد مكة المكرمة، فلقد كان حلمه أن يتوجه المسلمون من أقصى بقاع الأرض، إلى المسجد الحرام.
إنها رحلة ملهمة لكل فاعلي الخير، فليس صحيحاً أن يتبع كل منهم خطى الآخر. الأفضل أن يتوجه كل منهم باتجاه، ليتحقق الخير للمساحة كلها.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
يوسف المحيميد
لم تكن الزيارة قصيرة، وعلى المستوى السياسي فحسب، وإنما هي تحمل عدة وجوه مهمة، سياسية واقتصادية وإنسانية، فيها كل شيء، لقاءات متعددة من الرئيس الأمريكي، وحتى مؤسس ومالك موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» وما بينهما من خطوات شابة وثابة تشعر المتابع أن ثمة عمل دؤوب وجاد وطموح، وأن ما قرأنا عنه من طموحات وخطط سواء على المدى القصير في برنامج التحول الوطني 2020، أو على المدى الطويل في رؤية المملكة 2030، التي لفتت الانتباه في مختلف دول العالم.
فليس سهلا، ولا عاديا أبدًا، أن يصرح مسؤول دولة نفطية، بانتهاء عصر النفط، ويراهن على أننا قادرون على العيش والتقدم والتطور من غير النفط، فكيف إذا كان هذا الرجل هو الرجل الثالث في سلم الحكم، وهو لا يقول ذلك جزافا، بل يسير بخطوات محددة، يؤسس لاقتصاد جديد، اقتصاد إنتاجي، وليس اقتصادا ريعيا، اقتصاد المعرفة والصناعة، خاصة وقد حملت الأيام الماضية عدة خطوات لافتة في زيارة ولي ولي العهد إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
لن أتطرق إلى لقاءاته بالرئيس الأمريكي، ووزير خارجيته، ووزير الدفاع، ورئيس المخابرات المركزية، وغيرهم، ولا بما تحمله من علاقات نوعية متميزة بين البلدين، وإنما سأشير إلى خطوات اقتصادية مهمة، كالترخيص لشركة «داو كيميكال» بالاستثمار في المملكة بملكية أجنبية كاملة 100 في المائة، وفايزر العالمية، و3 إم، ثم شراء حصة من شركة أوبر، ثم الترخيص لشركة «6 فلاقز» المالكة لمدن الألعاب الشهيرة، من أجل إقامة مدن ترفيهية، وفي الطريق كبريات الشركات الأمريكية العالمية، من بينها الشركة العملاقة أبل.
كما شملت الزيارة وادي السيليكون الذي يضم أكثر شركات التقنية العالمية شهرة في العالم، وبدخل يزيد على ثلاثة تريليونات دولار، من أجل عقد المزيد من الصفقات ومنح التراخيص، التي ستكون مفيدة للطرفين، فهي داعم للاقتصاد السعودي، سواء من حيث فرص المنافسة والسوق المفتوح، الذي سيوفر سلعا ذات جودة عالية وبأسعار منافسة، أو من حيث فرص التوظيف المتوقعة، وهي بالضرورة بالغة الأهمية للاقتصاد الأمريكي، لكون السوق السعودي يمثل فرصة استثمارية لعديد من الشركات في الغرب والشرق على حد سواء.
ربما ما اختلف خلال هذا العام هو أننا أصبحنا نركض بشكل أسرع مما تحتمله أقدامنا، نسابق الزمن بشعور من تنبه أخيرًا، وأصبح يراهن على إمكاناته الاقتصادية والطبيعية والعلمية، وطاقاته البشرية، وعلى حيوية مجتمعه وشبابه، وثقته بأنه يستطيع تحقيق أعظم المنجزات، بأقصر الطرق، وبأقل الأوقات الممكنة. ولكن يبقى الاقتصاد أمرًا معقدًا، يصعب التنبؤ بنجاحه أو فشله - لا سمح الله- خاصة حينما تراهن على اقتصاد حر وسوق مفتوح، في مجتمع ليس كذلك، إلا في حال تقدم المجتمع - وهو ما نؤمن به - بشكل مواز للتقدم والنمو الاقتصادي!
- Details
- Details
- قضايا وأراء
د.عبدالعزيز الجار الله
ما كانت تحذر منه السعودية ودول الخليج من أن الربيع العربي الذي تحول إلى جحيم عربي أن هذا الجحيم سيأكل أطراف وأصابع أوروبا، وقد أعلن هذا الموقف صراحة الملك عبدالله يرحمه الله، وبالفعل انتقل الإرهاب إلى أوروبا وضرب بقوة في فرنسا وبلجيكا وحتى في أمريكا عبر أسلوب الذئاب المنفردة والخلايا الطرفية.
الخطر القائم للاتحاد الأوروبي بقيت بريطانيا أو انفصلت، صوت شعبها على بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي أو الخروج، الخطر الأهم للبريطانيين الأمن وتوقف سيل المهاجرين، في حين أن روسيا تزيد من أزمة اللاجئين، تقصف المدن السورية بالقنابل العنقودية، وإيران تدفع بالحشد الشعبي والمنظمات المتطرفة في سوريا والعراق واليمن، تعمل روسيا وإيران وحكومات العراق وسوريا على إغراق أوروبا والوطن العربي وتركيا باللاجئين، تهجير جماعي وقصري إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط لكسر فكرة الاتحاد الأوروبي الذي تراه روسيا كماشة يطبق على حدودها.
المهاجرون يندفعون من ثلاثة محاور باتجاه غرب وشمال البحر المتوسط، فمحاور المهاجرين واللاجئين وبقع انطلاقتها هي:
أولا: الوطن العربي، سوريا، العراق، ليبيا.
ثانيا: القارة الإفريقية وسط وشرقي إفريقيا.
ثالثا: شرق وجنوب آسيا، من أفغانستان وباكستان.
بريطانيا داخل الاتحاد أو خارجه تخشى من المهاجرين واللاجئين، من المهاجرين الاقتصاديين الذي يأتون إلى بريطانيا بدافع الاقتصاد، ومن يأتي بدافع الإرهاب، ومن يأتي بدافع الجريمة العالمية الجنس والمخدرات وغسيل الأموال تحت مظلة اللاجئين مستفيدين من حرية التنقل داخل دول الاتحاد ثم الدخول إلى بريطانيا عبر التأشيرات من غير دول الاتحاد، كما تخشى بريطانيا وهي مخاوف أوروبا جميعها، تخشى من الاختلال في التركيبة السكانية لصالح الأصول غير الأوروبية، وأيضاً الانتشار غير المسيطر عليه، الانتشار الإسلامي واتساعه في المدن الأوروبية، هذه المخاوف قد تفكك الاتحاد الأوروبي الذي تعتقد دوله حتى لو تفككت أنظمة الاتحاد ستبقى الروابط الأمنية والبوليسية متينة.
الربيع العربي الذي فشل الغرب في تقديره، وداعش والجماعات الإرهابية المنفردة، ثم روسيا وإيران والحرب السورية العراقية غيرت من البناء الاتحادي في أوروبا من العملة الموحدة والتنقل الحر والاقتصاد المفتوح لتتحول العناصر الإيجابية وتنقلب إلى عناصر سلبية تجبر الغرب على الانكفاء، وإغلاق حدوده وطلب التأشيرات والضمانات المالية، هذه الإجراءات ستنفذها أوروبا إذا استمرت موجات الهجرات البشرية.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
التعبير عن المواقف والقضايا بالشعر ينصب في الغالب الأغلب على الأحداث التي تمس الأمة، فيكون التفاعل وتصوير الأحاسيس الموجهة إلى الصواب، أو الصد والتصدي وبث روح الحماس والتفاؤل والأمل، والحديث حول مشاركة الشاعر في الشؤون العامة لا يغيب عن الوسائل الإعلامية، والصحافة هي الواجهة، حيث ما أن يطرأ السؤال: حول دور الشعر ومدى مشاركته في الأحداث التي مرت بالعالم العربي وقضاياه، أو المحلي وما عبر عنه المواطن بالوسيلة التي تمكنه من أن يشارك، تجيء الإجابات وكلها تشير إلى (الشعر) المحسوس والمشاهد على صفحات الجرائد قصائد تحمل المشاعر الوطنية تجابه أعداء الوطن وتفضحهم.
ففي مؤازرة عاصفة الحزم، والتحالف العربي/ الإسلامي في ردع العدوان الحوثي على الشرعية في اليمن، والتحرش بالحدود المتاخمة للوطن، والتصدي له من قبل القادة والجنود البواسل من كل القطاعات الذين هم العين والسلاح في الكفاح عن الأرض الغالية، وما قدموا من تضحيات قوبلت عند المواطنين، وغير المواطنين بكل تقدير واحترام وتعاطف يعلي من الروح ويشد أزر المدافع الذي يعلم أنه يضحّي بنفسه من أجل الوطن.
كان الشعر لسانا يعبر ويسجل لجنودنا البواسل كل الحب، وكل التشجيع مشاركة وجدانية وهي تجسد العملية لأنه السلاح الذي يملكه الشاعر، فنشر الكثير، ومازالت القصائد تتوالى وتتفاعل مع الحدث، وتنصهر القصائد مع الكلمات، فالحدث اتخذ مسارات عديدة، فشارك الشعراء، والنقاد، والمهتمون بالشؤون الاجتماعية كلهم اتجهوا مع الكثافة الشعرية، وصار الشعر قصائد من العربي الفصيح، والشعبي الصريح، كلها تحمل المشاعر، وكلّ أعطى حسب ملكاته وقدراته، فالتفاعل تمثل بمشاركة الشعر بأنواعه، وكانت الكثافة في حضور الشعر الشعبي الذي دخل من بابه الكثرة الكاثرة من المواطنين الذين باستطاعتهم التعبير بواسطته لامتلاكهم القدرة على القول، فسطروا أبياتا بمستويات مختلفة تأتت من قدرة المرسل وتمكنه من إيصال صوته، واختياره الأسلوب المناسب، فهناك من حالفه التوفيق، وآخر استطاع أن يسطر مشاعره بما يحس في ذاته معبرا عن خلجاته.
وقد عمدت الصحف إلى إفساح المجال والترحيب بتلك المشاعر واستقبلتها وقدمتها للمتلقي الذي يزداد ويزيد، ولكونها قصائد تعبير وتشجيع ومساندة، وتعتبر أساسا في بنيتها صورة تلاحم الجبهة الداخلية مؤكدة اللحمة الوطنية، ففي مضمونها حث للهمم وعدم التخاذل والتواني في التعبئة تجاه احتياجات الوطن في الملمات والمواقف التي تتطلب الدفاع والفداء.
من ناحية النظرة الأدبية للمستويات يتحتم ألا نحاكم هذه المشاركات بالمقاييس النقدية والحكم الفني فلها صفتها فهي مشاعر تمليها الذات عند من يدرك أنه يساهم، فالنظرة توجه إليها كمعنى وليس مبنى فالمجال للتقدير وليس للتقنين.
وهذا لا يعني قبول كل شيء ولكن المساعدة والتعديل لما يستحق يجب أن تكون حاضرة، أما الشعر العربي الفصيح فيتوجب أن يقنن بالمقاييس السهلة وأن ينظر إلى الموضوع، مثلما قلت عن مراعاة التغاضي في الشعر الشعبي، فإننا لاندعو إلى القسوة مادام الموضوع تفاعلا في الإنارة وتسليطا وتوجيه السهام على المعتدي، فالمجال واسع للجميع وبإمكان من يملك القدرة أن يساهم، وفي الأوقات اللاحقة يمكن الفرز، وسيقوم بذلك الزمن، أما اليوم فالحضور والمشاركة يحملان لواء الإشعاع والإنارة في الطريق الى تقويض وردم وهدم جحور المتحرش والمعتدي، فالكل يعبر عن مشاعره.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
د.فوزية أبو خالد
بمناسبة محاضرة عن موضوع كتاب السعودية سيرة دولة ومجتمع - قراءة في تجربة ثلث قرن من التحولات الفكرية والسياسية والتنموية الصادر عام 2010م عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر، سألت نفسي السؤال التالي:
ماذا لو طلب مني كتابة مقدمة أو بالأحرى ما يشبه الملخص لكتاب عبدالعزيز الخضر فيما لا يزيد عن 500 كلمة؟! Abstract
وضعت التحدي المتخيل أمامي وتركته يصاحبني عن يميني وعن يساري أينما يمنت أو «تيسرت» لأكثر من 24 ساعة في يوم رمضاني حافل بالعطش وأطياف كؤوس الماء نهارًا، ومفعم بالعبادات أو مواعيدها وأشواقها ورغائبها المؤجلة ليلاً. ولكن الأنكى أنني لم أكتف بخيفة تخيل السؤال بل إنني حملت الفكرة محمل الجد وسرت في مسراها كما يسير من يقف في متاهة بيداء مترامية الأطراف خلف خيط سراب.
فماذا تراني سأكتب عن سيرة دولة ومجتمع وعند أي المفاصل في كل هذه الفسيفساء من التفاصيل الملساء الناتئة، الشرسة والشفيفية، الغامضة والبينة، الصاحية والنائمة والمتظاهرة بالنوم يمكن أن أقف؟!
ليس بحثًا بالمعنى الميكانيكي
لو أردت أن أدخل إلى هذا العمل كدراسة لتاريخ المملكة العربية السعودية السياسي والاجتماعي فسأبحث في النظرية والمنهج والأدبيات السابقة والمادة الميدانية والعلائق التحليلية بين التنظير والواقع.
غير أن العثور على هذه المحددات المعيارية لعلمية أي عمل بحثي أو نقد أي خلل في عدم الانقياد لها قد يبين الطبيعة المنهجية للعمل إلا أنه لن يكون كافيًا للكشف عن سر تلك الحرارة التي تجري في عروق الكتاب فتجعله وإن لم يخل من التكنيك المنهجي أقرب إلى التصوير الحي الفوار المتموج منه إلى المرايا العاكسة التي عادة ما تقتصر عليها المقاربات العلمية الصارمة. وإن كان لهذا الكتاب قابلية كبيرة لقراءته كدراسة. وربما على عجل أشير في هذا السياق لبعض نقاط تتعلق بسؤال المنهج في هذا الكتاب.
النقطة الأولى ترتبط بأسلوب الأشكلة الذي يطبقه الكاتب ميدانيًا لإخراج العين من كسلها في النظر للواقع كمسلمات وتدريبها للتفرس فيه من جديد بعين النقد والتساؤل لا بعين الرضا والتسليم. النقطة الثانية تتمثل بموقف الموضوعية التي أرى أن الكاتب لم يخضع فيها لنزعة المثالية العلمية التقليدية التي كانت تقول بالحياد البارد في العلوم الإنسانية بل جرب فيها بعض الأساليب المنهجية لتيار ما بعد الحداثة. وربما الميل الواضح لعدم شيطنة الآخر المختلف أحد مخرجات تبني الأفق التنظيري الجديد. النقطة الثالثة يعبر عنها المجاوزة بين الدولة والمجتمع في وحدات تحليلية متكافئة لا تعتمد منهجًا مقارنًا إلحاقيًا ولا تقنع بمعادلة أن المجتمع مجرد متغير تابع للدولة. وتتلخص النقطة الرابعة في الإشارة إلى توظيف إداة الملاحظة بالمعايشة وتحويلها إلى أداة ما يمكن تسميته الملاحظة بالمراقبة والمتابعة لجمع البيانات (مادة الكتاب الميدانية)، وهي ما يبدو أن العمل اعتمدها كواحدة من الأدوات الأساسية لسبر السيرة المزدوجة التي أقدم على محاولة تحليلها - الدولة والمجتمع. وإن كان في ذلك «توظيف بتصرف» خارج الصرامة العلمية المعتادة في تقنين العمل بهذه الأداة، فإنه قد يكون له إشكاليات منهجية إلا أنه ليس هنا مجال الجدل فيها أو المحاسبة عليها.
ليس رواية بالمعنى الاستيهامي
غير أن استبعاد تناول الكتاب كدراسة أو بحث علمي لا يعني إلا استمرار مطاردتي بتحدٍ كيف يمكن أن أتناول كتاب «السعودية سيرة دولة ومجتمع».
لو أردت التطرق لهذا العمل كرواية ليس بالمعنى الفني الخالص ولكن بالمعنى السيسيولوجي للسرد الإثنوجرفي، فإن هذا لن يقتضي فقط البحث عن مدخل وحبكة وعقدة وحل للعمل بل سيفضي إلى تتبع الحكاية وتخيل متوازياتها ونقائضها، حيث لكل دولة ومجتمع حكاية، بل أكثر من حكاية، فهناك الحكاية الرسمية وهناك الحكاية المتخيلة وهناك الحكاية المعاشة الخ... كما أن لكل حكاية أكثر من صوت للراوي كل حسب تجربته وموقعه وأدواره وعلائقه بمسرح الحكاية وأحداثها ولحظتها التاريخية وشخوصها الأخرى من أبطال وكمبارس. وفي رأيي أن هذا الكتاب فيه من الممازجة بين الحيادية والموضوعية وبين التورط والانغماس الشغفي ما يرشحه لأن يكون رواية شخصية لعدد متنوع ومتشابك من الأطياف الجمعية وليكون في الوقت نفسه وثيقة مكتوبة لواقع شفهي منتزعة بجدارة من فم الغياب التاريخي المريع لتعدد أصوات الرواة. هذا مع ضرورة الإشارة لتلك الجمالية التي تتكشف في حزمة التوترات التي تتخلل السرد وتتناوب على شد وجذب القارئ.
سفر إشكالي
ومرة أخرى إن كنت لا أرى تناول الكتاب لا كبحث ولا كراوية فكيف أواجه تحدي الكتابة عن هذا الكتاب وقد أوشكت على نهاية المقال
لو أصغيت لصوت خبرة القراءة ولنزعة الاكتشاف معًا في تخير الكيفية التي يمكن الدخول بها إلى هذا الكتاب، فإنني وبعد أن قمت بتدريس فصول متعددة منه لطالبات مقرراتي في علم الاجتماع السياسي وعلم اجتماع المعرفة ومجتمع عربي سعودي لعدد من مستويات التعليم الجامعي لعدة سنوات، سأقوم من بين ما تقدم من ترشيحات بانتخاب مقاربته ليس باعتباره دراسة بحثية أو رواية إثنوجرافية بل باعتباره سفرا. كتاب سيرة الدولة والمجتمع هو في رأيي سفر ولكن ليس بالمعنى التوراتي أو القدسي بل على العكس من ذلك تمامًا فهو من وجهة نظري سفر بالمعنى الإشكالي ككل طرح تجريبي أو مجدد. أي أنه سفر معرفي يقدم نفسه كمحاولة وكتجربة وكاجتهاد بذلك الزخم الإشكالي المغاير لفرضية استتباب سلطة الأسس «البراديم» في منطلقات الفكر السياسي والاجتماعي وسلوكه اليومي. وهو عمل على طوله، مثل أغلب الأعمال الحفرية وإن اختلف عمق الحفر ودرجته ومجالاته (كشخصية مصر في عبقرية الزمان والمكان لجمال حمدان، ومتوالية مدن الملح للمنيف، وأجنحة فاطمة مرنيسي في السيسيولوجيا والأدب ونزعات حسين مروة وسوانح حمد الجاسر، ومكاشفات غازي القصيبي في عدد من أعماله ليس عملاً جامعًا ولامتعاليًا على النقد بل يتمتع بطاقة جدلية في تكوينه وفي التفاعل معه. وهو بهذه الطاقة الجدلية وإن كانت له رؤية ورسالة وفيه الكثير من التمثلات والأخيلة إلا أنه شفيف وملتبس، قطعي ومتذبذب، سافر ومقنع مثل كل الأعمال العصية على اليقين التي لا تريد أن تدعي كمالاً أو عصمة، إذ إن ازدهارها في النقصان الاستلهامي وفي الأسئلة للمعنى ولمجرد الأسئلة، كما أن استكمالها في الجدل الإيجابي والإخلاص النقدي
تجربة القيافة بالكتابة
أخيرًا لا بد من مساررتكم بأني أخال أحيانًا سفر السيرة جدارية معقدة تنبسط أمامي بساحلها الغربي بشاطئها الشرقي بسرواتها وسفوحها ووديانها بواحاتها الشحية وقحلها السخي، بحقولها العميقة من الآبار السوداء كما تتكشف للرائي من خلال اندلاعات اللهب وبصمانها ومغاراتها الخفية من المياه الجوفية كما يستدل عليها من قيافة ملمس الرطوبة في الرمل.
أخال سيرة دولة ومجتمع خريطة طريق لم تقتف بعد ولم تطبع عليها آثار أقدام، كأنها طريق الشاعر الأمريكي روبرت فروست البكر التي لم تلطخها الأنفاس ولا الملامسة ولم تفقد رهجة الدهشة الأولى. فجاء عبدالعزيز الخضر ليرسم لخريطة الطريق ملامح ومعالم ولينحت فيها منعطفات حادة ومنحنيات معتدلة وخطوط مستقيمة أو عوجاء، بأشكال متنافرة أو متناسقة من الالتواءات والاستدارة ومن الانفتاح والانغلاق، وبنفس الشغف المعماري والتفكيكي قام بتأثيثها بإشارات مرورية وبجسور وكباري وبشوارع وساحات وبإعطاء أسماء للحواري وعناوين للأزقة (دخنة وحي الربيع، باب مكة، شعب عامر، المناخة، برحة القزاز...)، دون أن يعتم الصورة على عوادي الطريق وقطاعه ومخاطره أو يغفل صراعاته وكبواته أو يزينه بما ليس فيه. وهو إِذ لم ينس خفر الطريق وحراسه وضريبة المخالفات التاريخية لأنظمة المرور وفوضاه معًا، فإنه لم يأل جهدًا في إضاءة كل مسلك يسلكه المارة والعابرون معًا على هذه الطريق ومنها أو إليها. فنرى الجدارية مثل قصيدة محمود درويش عن القاهرة، البساطات على الأرصفة والملكات في خباء مختلف النخب، الزحام والوحشة، التمازج والعزلة، الملوك والصعاليك وما بينهما من حاشية وطبقات نرى جمود القمة وغليان القاع، الوجه والأقنعة، الفقراء والأغنياء ومن بقي من متوسطي الدخل، الجيش والشعب، الملتحي والحليق، الفقيه والمتفاقه، المسيس والسياسي، الشعراء والغاون، الإناث والذكور القوي والضعيف، القرى والمدن، المركز والأطراف المتسبب والمتسيد في تظاهرات اجتماعية عارمة متشابهة كحبات رمل متعددة ومتنوعة كأمواج عاصفة أو غيوم تسابق ريح.
أخال الجدارية أو صفحات الكتاب ممر ضيق من الوقت لإحداث شاسعة وأخالها وقت سرمدي لا تواريخ له ولا منتهى لوقائعه اليومية الصغيرة.
أخال السيرة محاولة لاكتشافنا كتابيًا. أخالها حياة تمثلنا وكأننا كلنا اشتركنا في كتابتها أو كأن علينا جميعًا أن نكملها أو يبدأ كل منا صفحة جديدة.
- Details