قضايا وأراء
- Details
- قضايا وأراء
الشعر برفقة الموهبة هجس وحدس، وشمول يتنامى مع حياة الشاعر الزمنية والفكرية، فالموهبة أساس، والمتابعة والتجريب بناء، وعدم التوقف عن اللهاث وراء التأمل والتصور من سمات الشاعرالقادر، الذي يدرك أنه قد دخل في هذه الدائرة فما عليه إلا أن يستمر معها ويساندها في التوسع بما يملك من زاد ثقافي تأتى إليه بحكم المطالعة والمتابعة، والشغف المستمر بالكشف عما تخبئه له أيامه كلما ازداد ركضه في الحياة مما يمر به وهو يسير في طرقاتها العديدة التي تتعرج وتؤدي به إلى أن يصل إلى شيء يهجس به دوماً، فهو يسير كما تسيره تأملاته وتطلعاته، وما تصوِّره له من أشكال في خياله الذي يقوده إلى أن يرسم الأشكال مثلما تراءت له، وقد يمعن الحك في تجاويف الذاكرة لتعطيه أكثر مما كان ارتسم له، ولكن في أمانة وصدق مع أحاسيسه لكي يكون الرضا عن النفس الذي جسمه في عطائه الفني.
الشعر شعور ولا خلاف في ذلك، ولكن طريقة التعبير، ورسم المسار، وحك وحفر المسارب وتوجيهها لإكمال المبتغى تختلف، من شاعر لآخر، ومن ذلك يكون التباين في المستوى الشعري، واختلاف العطاءات مثلما تختلف البصمات؛ حيث تدل البصمة على صاحبها مثل الأصبع أو الإبهام، فلكل شاعر بصمته الخاصة يمثلها نتاجه الذي عندما يعرض أو يُطرح في الساحة يعرف أنه شعر (فلان) وهذا ما يعني الأصالة النابعة من صدق الشاعر مع شعره، وحرصه على أن يكون هو وليس غيره، ممثلا بواسطة محبرته الخاصة التي صنعها، وقلمه الذي مكث سنوات يصنعه بنفسه، وحافظ على أدواته التي يعبر من خلالها عما يحوي مخزونه المعرفي والفكري الذي يقوده إلى البوح عن المكنونات.
لهذا بقي الشعر هو المعبِّر الحقيقي عما يعتمل في الذات الإنسانية على مر العصور والأزمان، يصور ويقول، ويفتح الآفاق أمام مكونات ووسائل التعبير لتبرر الإعلان عن تواجدها بصفاء ونقاء ووضوح، فمنها الحب بأشكاله لكل شيء يُحب، وحفظ الصور مهما كان قِدَمُها، والتلذذ باللجوء إليها في استعادة وتكرار مطالعة صورة عن مرحلة ما، سواء أكانت عامة أم خاصة، وهي محشوة بالتأمل الغني المُغْني لنشاط الرّوح، وإنعاش الحياة بالتطريب في التصور والتخييل، ورسم الحقائق التاريخية، فكم من الملاحم والمعلقات، والمطولات الشعرية مازالت حية على مر الزمن حتى اليوم، ولكل مرحلة سماتها الدالة عليها كما رسمها مبدعوها.
فالشعر باق وموجود وسيبقى ما بقى الإنسان على وجه البسيطة، والشعراء حسب المواهب والقدرات في ازدياد، ودواوين الشعر تصدر تباعا، وقد لقي كثير ممن كانوا يحتفظون بما لديهم من قصائد، الوسائل التي شجعت وسهلت أمورهم لكي يَخْرجوا إلى الهواء، فكانت الأندية الأدبية التي أخذت تعنى بمن يتقدَّم إليها ممن يحسّون أنهم أحسنوا وقدروا على أن يشاركوا علناً.
وما يشهده معرض الرياض الدولي للكتاب في سنواته الأخيرة، وما شهده معرض جدة - هذا في الداخل - وما تشهد كل المعارض ودور النشر العربية وغيرها من إصدارات شعرية يشير إلى الزيادة والتوسع وإثبات عملي وتاريخي لبقاء الشعر في كل زمن وآن.
ومن الدواوين الشعرية الجديدة الحديثة، وهي كثيرة، كان لي الحظ مع الشاعر حسن محمد الزهراني في ديوانه الطازج (أَعْبُرُ سَمَّ التَّوُجّس) الصادر عن نادي الحدود الشمالية بالمشاركة مع دار الانتشار، وهو الديوان الثاني عشر للشاعر، فشاعر له هذا العدد من الإصدارات لايماري أحداً على أنه يملك تجربة شعرية عريضة مع استمراره في العطاء والتواجد.
وقد كنت في حقيقة الأمر أُسرع في قراءة القصيدة التي أراها منشورة له لكونه في قناعتي لا يتصنع الشعر، ولا يصرخ أو يناقش أو يناور لجلب الأنظار، ولكن ترك ذلك لعمله، وأعماله تشهد بشاعريته الثرة المتنوعة، والمتشكلة بمقاماتها التابعة لها بين المقفى / التفعيلي، ثم إن الموضوعات التي يتطرق إليها هي من الحياة وإليها، ومن المجتمع وإليه، ومن النفس وإليها أيضا، وفي هذا التكامل التنوعي المتأتي في إطار السلاسة والصدق، والتقاط العبارة العامة ووضعها في المكان المناسب، وبعامية بعض الكلمات التي يقوِّسها أرى أنها لا تحتاج لذلك لأنها لو غُيِّرتْ لفقدت العبارة أو الصورة الشعرية التي تضمنتها جماليتها، لأن الجمالية جاءت من تلك الكلمة العامية، وهذا شاعر له وزنه وقيمته، وتناميه ومواكبته مع الأحداث خاصها وعامها، وتواصله هو سر نجاحه، مع صداقته مع الصِّدق الفني الذي يملك ناصيته، ويتمثل في كافة أشعاره :
تحت عنوان (الهاجس المطري) القصيدة المفتتح :
• الشعر:
هذا الهاجس المطري
كيف أتى بنا من غابر اللا وعي
وعيا؟
يمتطي خلجاتنا عبقاً
ويشبع صمتنا شدواً
ويثخن دمعنا غرقاًٍ
وينسانا على أهداب لوعتنا
نفتش في بصيص البوح عنا
***
• ومن قصيدة (فات الوجد):
تتضوعين مودة وعذوبة
وتسافرين على أريج الورد
في رئتي وتنتشرين في ملكوت روحي
كان اللقاء هنا
وكان الوقت من مطر المودة
لايبارح همس قلبينا
وقد أقلّ شذا السفوح
***
• ومن (حين أحياك):
دوزنت عينيك في ثغر المدى طرباً
ومقلتيك في فجر الهوى أدبا
إذا نظرت إلى عينيك أثملني
ذوب الفتور الذي يسقي الدجى شهبا
قصائد جَمَعتْ فأوعت، والخيار صعب، والمكان محدود، ولكن القراءة مع الشاعر الزهراني مستمرة ما دام مجراه الرَّقْراق يعطي، فالمزيد مطلوب.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
تنتهج المملكة اليوم سياسة مفادها إعادة الهيبة للأمة بعد أن قادت تجاذبات الدول الكبرى، وصراع المصالح، والأجندات المشبوهة الوطن العربي والشرق الأوسط إلى حيث نعيش اليوم، أمة متفرقة ممزقة لا يمكن التعويل عليها.
هذه السياسة مبنية على الاستقلالية والوحدة والقوة، لقد عرف الملك سلمان بن عبدالعزيز المستند لإرث وحصيلة سياسية ثرية أن المنطقة تعيش أزمة قيادة، تزامنت مع بلوغ الدول العربية مرحلة ضعفٍ بنيوي جعلت منه جسداً بلا مناعة قابل للاختراق بعد أن أعيته عقود من الأزمات الداخلية والتدخلات الخارجية قادته اليوم إلى حالة من التداعي المخيفة.
لقد وضع الملك سلمان بن عبدالعزيز نصب عينيه شد عرى الأمة العربية والإسلامية وحشدها خلف قرار واحد هو الحفاظ على حدودها وأمنها وسيادتها واستقرارها، فاختبر جهوزيتها السياسية والعسكرية في الدفاع عن عمقها في اليمن، فأنشأ "تحالف الحزم" الذي أعاد التوازن إلى شعوب المنطقة قبل دولها، فقد رأينا كيف أجمع الداخل العربي على هذه الخطوة التي قرأ فيها المواطن العربي على أنها دليل تعافٍ، وحالة اجماع عربي وإسلامي عز مثيلها لاستعادة اليمن الدولة ذات البعد الثقافي الكبير لدى العرب كقومية ولسان، وذلك بعد أن فشلت الأمم المتحدة في قيادة المشروع السياسي الذي تم التوافق عليه يمنياً وعربياً ودولياً. ثم كان التحالف الإسلامي لمكافحة الإرهاب والذي يعد بادرة تاريخية غير مسبوقة بأن تجتمع 40 دولة إسلامية في تحالف عسكري لمحاربة أكثر مهددات الإسلام والمسلمين وهو الإرهاب..
ثم جاء "رعد الشمال" الرسالة التي تحمل دلالات يعيها من يرون فينا أمة في طريقها إلى الاندثار، لقد كشف الملك سلمان من خلال سياسته المبنية على المبادىء الثلاثة؛ الاستقلالية والوحدة والقوة أن احتشاد الأمة العربية والإسلامية خلف قرار واحد وتحالف عسكري واحد ليس مظهر تهور أو عنف بل مظهر قوة يجب أن يكون محل احتفاء خارجي وداخلي في آن لانعكاساته الإيجابية على المنطقة الأكثر أهمية على المستوى الدولي، ومن خلال هذه السياسة النهضوية ستستعيد دول المنطقة توازنها، وإن دلالات نجاح هذا المشروع هو التفاعل والانخراط في تفاصيله من قبل الدول العربية والإسلامية ليس على المستوى العسكري بل على المستوى السياسي، لقد رأينا كيف تجمع دول الجامعة العربية والتعاون الإسلامي على قرار يدين العبث بأمنها واستقرارها وهيبتها، وهذا لا شك أسمع صداه في دوائر القرار الدولي، وسيمنح ويعطي دولنا العربية والإسلامية قدرة كبيرة ووزناً ثقيلاً، فقد كان القرار العربي والإسلامي في المنظمات الدولية الحلقة الأضعف والأسهل تجاوزاً، لكن حاله لن يصبح بعد اليوم كذلك.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
وقفة الملك سلمان في ميدان عرض القوات المشاركة في تمرين رعد الشمال كتبت الأحرف الأولى من رسالة الردع لقوى الشر والتطرف والإرهاب التي تحلم بالمساس بأرض المملكة والخليج، أو تعبث بأمن واستقرار الأمة، وحروف أخرى للسلم العالمي الذي تنشده المملكة بلا عدوان أو تدخل في شؤون الآخرين، والفخر بالرجال الأبطال المشاركين في التمرين وهم على أكمل استعداد للمواجهة، والوقوف صفاً واحداً أمام عدسات العالم بلا «فوضى خلاقة»، أو انقسام، أو تقسيم، حيث كان يريد المغرضون.
الملك سلمان كان ولا يزال رجل المهمات الصعبة، وسيبقى «أبو الحزم والعزم والظفرات»، والرجل الحكيم الذي تلتفت إليه الأعناق حين تشتد الأزمات طلباً للمشورة، والقائد الذي يعرف كيف يدير الصراع، ويكيد الأعداء، ويمضي متوكلاً على الله ثم شعبه في مشروع التصدي لمنجز «عبدالعزيز» الذي يرى فيه خطاً أحمر لا يمس، ولا يقبل المساومة، أو المزايدة، أو حتى التأخر في الدفاع عنه، حيث يرى في جنوده امتداداً لمسيرة من سبقوهم من الآباء والأجداد الذين وقفوا خلف قائدهم «عبدالعزيز» في معارك التوحيد، ولم الشمل، وتوحيد الأرض والإنسان، وهو شرف لنا جميعاً أن نكون جيل اليوم امتدادا لذلك التاريخ، ونمضي خلف قائدنا «سلمان» إلى حيث نكون في عزة وكرامة.
لم تكن وقفة الملك سلمان تعبيراً عن حالة فردية، أو مراسم تشريفية، وإنما كانت تعبيراً عن نهوض أمة يجب أن تقف أمام التحديات بعزيمة وصبر ووحدة، وتأخذ مكانها الذي يليق بها، ولا تتأخر عن واجبها.. نعم وقف «سلمان» ووقف معه شعبه، وحياه، وأخذ الفخر والعزة والهيبة نصيباً من مشاعرهم وقلوبهم، وسكن الأمن والاستقرار بينهم، وحصدوا بعد عام من الحكم الرشيد كثيراً من مكانتهم التي ناضلوا من أجلها، ولا يزالون رهن التضحية في سبيلها.. نعم وقف «سلمان» في ميدان العز والشرف ليمنحنا الأمل، والقدرة، والمقدرة على تجاوز الأحداث، والصمود في مهمة الدفاع عن الوطن، وقطع اليد التي تمتد إليه، أو تعبث فيه، أو تنخر في جسده بعفن الطائفية، وملوثات الفكر الضال.
الملك سلمان في «رعد الشمال» كان استثنائياً بحضوره، وسعيداً بنجاحه، وواثقاً أن الحق ينتصر مهما كانت مخططات الأعداء، وأبواق الناعقين، حيث رأينا فيه مستقبل أمة، وضميراً حياً، ومصيراً واحداً.. رأينا فيه أملاً لا ينقطع، وعزيمة لا تستكين، وإرادة لا تخيفها أطماع الحاسدين.. نعم هو «سلمان» الذي عرفناه، ولا نزال نرى فيه ما يتمناه لنا من أمن واستقرار، والعيش بكرامة، والمضي إلى الأمام في تنمية الوطن، وتلبية احتياجاته، والخروج من أزمات المنطقة ونحن على ذات الصف أكثر وحدة وتلاحماً، وحباً لقيادتنا، وتقديراً لهم..
- Details
- Details
- قضايا وأراء
د.عبدالعزيز الجار الله
عاصفة الحزم هي عاصفة القرار السياسي والعسكري، و هي أيضا عاصفة لحروب ومواجهات اجتماعية وثقافية وإعلامية طويلة، كان المواطن الخليجي ينظر إلى الإرهاصات التي سبقت العاصفة بنوع من الغصة دون أن يقوى على المواجهة أو حتى التعبير تجاهها حتى لا يتهم بالطائفية أو إقصاء الآخر، إيران استغلت (غفلة) دول مجلس التعاون الخليجي وسماحة هذه الدول وربما (تواضعها)، فمكنت كوادر من المتعاطفين مع الموقف الإيراني السياسي والمذهبي والعرقي الفارسي، وهم عرب لهم الميل والهوى والتوجه الإيراني من لبنان وسورية والعراق متشبعون بالولاء الإيراني منذ بداية الثورة في طهران عام 1979م، فمكنتهم في مواقعهم الحيوية، فتغلغلوا في وزارات وهيئات ومؤسسات إعلام دول مجلس التعاون الخليجي، حتى استحوذوا على المناصب والقرار الإداري والفني.
لا أحد يعلن صراحة أنه من كوادر حزب الله، لكنه بالممارسة المهنية يهدم بما يملك من معاول رسمية أي توجه أو ثقافة عروبية، ويوهن كل ميل للتقارب الخليجي بل يعمل بإخلاص لتقطيع روابط الخليج، والمحزن أن جميع مؤسسات الخليج العربي - دول مجلس التعاون الخليجي - فتحت لهم الأبواب تحت غطاء العروبة والإسلام ومقاومة إسرائيل، وتحت مظلة دول الخليج التي تفرق بين الطوائف والمذاهب، فحصلوا على تسهيلات ومنح دراسية للتعليم في أمريكا وأوروبا في المجالات العلمية - العلوم الطبيعية - والطب، ومجالات الإعلام والتسويق والإعلان والإدارة والقانون والمحاسبة، تمت عبر الأجهزة الحكومية رغم أنهم من غير مواطنيها، أو عبر جمعيات ومؤسسات أهلية خليجية وعربية.
عندما اعتبرت دول مجلس التعاون الخليجي (حزب الله) منظمة إرهابية، بدأت تتكشف للمسؤولين في الخليج أنّ إيران قد أغرقت الخليج العربي بفكر وشخصيات وكوادر ليست حزبية عسكرية، بل هي أخطر تعمل على الأيديولوجيا والتربية والثقافة، وتعمل من داخل المؤسسات الفكرية وقاعات الجامعات ومنابر الإعلام، ومن شللية الثقافة، وهي التي عملت ومنذ زمن على (تلميع) صورة إيران وتضخيمها عسكرياً، وإظهار المذهب الشيعي بصورة المقاوم والمناضل ضد الغرب وأطماعه، حتى جاء عام 2003م تبين أنهم باعوا العراق إلى إيران وأسقطوه، ووضحت أجندتهم، بل كشفوا عن وجههم الحقيقي في إغراق الخليج ودول مجلس التعاون بالتشيع والثقافة الفارسية وفرض الهيمنة السياسية الإيرانية، فجعلوا التشيع غطاء لاحتلال الأراضي والقرار الخليجي.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
د. أحمد الفراج
خلال سلسلة المقالات التي كتبتها عن الانتخابات الأمريكية مؤخرا، كان أكثر ما يسأل عنه القراء الكرام يتعلق بكيفية خسارة مرشح ما للرئاسة، رغم فوز ذات المرشح بأغلبية أصوات الشعب، وهو سؤال يتكرر باستمرار، وسبق أن كتبت عنه عدة مقالات، ولكن لا بأس من الكتابة عنه، مرة أخرى، طالما أننا في مرحلة الانتخابات الرئاسية، وغني عن القول: إن الكتابة عن ذلك لا يعني طعنا في الديمقراطية الأمريكية التي أسسها الآباء المؤسسون للولايات المتحدة، قبل أكثر من قرنين، وإنما لتوضيح نقاط هامة عن هذه الديمقراطية الفريدة، ففي أمريكا يحسم فوز الرئيس عن طريق أصوات المندوبين، لا أصوات الشعب، وهناك عدد محدد من المندوبين لكل ولاية، ويبلغ عدد المندوبين حاليا خمسمائة وثمانية وثلاثين (538)، وهو ذات عدد أعضاء الكونجرس (مجلس النواب ومجلس الشيوخ الفيدراليين)، زائد ثلاثة مندوبين لمدينة واشنطن دي سي العاصمة، وجدير بالذكر أن كل ولاية يمثلها عدد من المندوبين بحسب عدد سكانها (نسبة وتناسب)، وبالتالي فإن عدد المندوبين للولايات الكبيرة، مثل كاليفورنيا ونيويورك وتكساس، أكبر بكثير من نظيره لولايات صغيرة، مثل فيرمونت ومين.
كانت فكرة الآباء المؤسسين من ذلك هي أن يكون هناك عدالة بين الولايات الكبيرة والصغيرة، ولكن ثمة مشكلة أخرى في الديمقراطية الأمريكية، فمن الناحية النظرية، يحق لأي مواطن أمريكي أن يترشح للرئاسة، إذا تحققت فيه الشروط والمواصفات المطلوبة لذلك، كما يحق للمواطنين تأسيس الأحزاب السياسية باشتراطات معينة، كما في كل الديمقراطيات. هذا، ولكن التاريخ يشير إلى أنه لم يسبق أن فاز برئاسة أمريكا أي مرشح من خارج الحزبين الرئيسيين، الجمهوري والديمقراطي، رغم وجود عشرات الأحزاب السياسية، والتي تتراوح أيديولوجياتها بين اليمين واليسار والوسط، وهذا الأمر لم يتم فرضه بالقوة، بل أصبح عرفا شائعا، كرسته الدعاية الإعلامية الرهيبة، وقبل به الشعب، واستساغه، بل وتواءم معه، ما يعني أنه لا يمكن أن يحلم أي كان بالفوز بالرئاسة، ما لم يباركه أحد الحزبين الرئيسيين، وغالبا يسقط الإعلام أي مرشح لا تتواءم مواصفاته مع المواصفات المطلوبة، والتي تحددها النخب، ولوبيات المصالح الكبيرة.
وبناء على ما سبق فلا يمكن أن يفوز بالترشح للرئاسة، ناهيك عن الفوز بها، من يقف مع المواطن، وضد مصالح النخب والقوى المتنفذة، سياسياً واقتصادياً، وهذا ما حصل لمرشحين كبار، خلال العقود الماضية، مثل المرشح المستقل، روس بيرو، والديمقراطي، قاري هارت، والجمهوري، رون بول، والآخر بات بوكانن، والذي صرح ذات يوم بأن مبنى الكونجرس الأمريكي هو عبارة عن مستعمرة إسرائيلية، وقد دفع ثمن ذلك غاليا، وسنكمل حديثنا، وبالتفصيل، عن كيفية خسارة مرشح للرئاسة، رغم فوزه بأصوات الشعب في المقال القادم، بإذن الله.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
سعد الدوسري
من المهم، وخاصة على هامش افتتاح معرض الرياض الدولي للكتاب، أن أوضح ما طرحته من وجهة نظر في حسابي على تويتر، بخصوص مبادرة تحدي القراءة العربي، والتي طالبت فيها بالصدق وبتوظيف مَنْ لهم علاقة حقيقية بالقراءة، وبمعرفة قواعد اللغة العربية.
في البدء، سأسأل هذا السؤال:
- لماذا يعتبر البعض أنّ انتقاد المشاريع الثقافية، من المحرّمات؟!
كلنا ندرك حاجتنا الماسة لمبادرة مثل مبادرة تحدي القراءة العربي، وكلنا نحترم من فكّر فيها وعمل على إظهارها بهذا الشكل الرائع. ولكننا في ذات الوقت، نملك كل الحق في أن نشير إلى وجهات نظرنا في المحتوى أو في الشكل الفني للمبادرة، طالما أننا ننتمي للقراءة انتماءً متصلاً.
إنّ ما أشرت إليه لن يؤثر بأي شكل من الأشكال على الروح العامة، فحين يتم الاتفاق مع نجم ما، رياضياً كان أو إعلامياً، رجلاً أو امرأة، فيجب أن نجعله يحب القراءة، بتلقائية وعفوية، لا أن نحمله أكثر مما يحتمل. وعلينا أيضاً حينما يقرأ نصاً ما، أن نجعل المراجع اللغوي يصحح له أخطاءه. هذا كل شيء، ولا أظن أنّ الأخذ بهذه الملاحظة سيؤثر على أحد. كما لا أظن أنّ من سيأتي بهذه الملاحظة، سيكون لديه موقفٌ من نجم بعينه، أو نجمة بعينها.
حين نطرح منتجاً إعلامياً للجمهور، فإنه سيكون أمامنا حشدٌ واسع من الملاحظات، وعلينا أن نتقبلها بصدر رحب، خاصة من أولئك المحبين والغيورين على المنتج.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
د. حمزة السالم
عندما ذكر فريد زكريا رأيا اقتبسه من فكرة كاتب، قامت عليه الدنيا في أمريكا وهو المعروف عندهم بالفكر والإبداع وعاقبوه بالمنع والإبعاد رغم اعتذاره وتأسفه واعترافه. فحماية الملكية الفكرية ليس حماية لحقوق صاحبها، بل هي حماية للفكر نفسه. فالفكرة أوالحل أو الإبداع يولد خديجاً ضعيف المقاومة للتحديات. فصاحبه هو الأقدر على تربيته وتنميته حتى يغدو قوي البنان شديد الأركان، وعقلية صاحبه التي استطاعت ابتكاره هي القادرة على جعل التحديات أمصالاولقاحات تزيد الحل قوة والفكرة إبداعاً، فسرقة فكرة أو إبداع مهما ظن السارق سهولة تطبيقها، لبساطتها ولتخصصه فيها، إلا أن السارق في الحقيقة قد قتل مشروعا ضخما من التطوير والنمو، فصاحب الفكرة يرى في كل تحد طريقة تنمية وفي كل تغيير وسيلة تطوير. وانتشار هذا الخلق البئيس في مجتمع يسبب الإحباط للمبدع ولغيره، وبالتالي فسرقة فكرة خديج واحدة قد تمنع تطور مجتمع بكامله، فمن يستطيع حل معضلة أعصت الخبراء والأجيال، يستطيع حل معاضل كثيرة غيرها، لولا أنه أُحبط أو أهمل أو حورب. أيفلح قوم إذا رأى أحدهم ثمرة لم تنضج بعد على رأس شجرة يافعة واعدة، قام فاقتطع الشجرة ليسرق الثمرة.
عقل الشخص المفكر أو المبدع كطائر يبيض ذهبا، إن حط في مجتمع متحضر حط عند من يعرف قدره، فأصبح سلعة غالية يُتسابق عليها فمن ظفر به اعتنى به وهيأ له مناخا ليبيض كل يوم عشر بيضات بدلا من بيضة واحدة، وليكبر بيضه يوماً بعد يوم ويزداد صفاء ونقاء ذهبه يوما بعد يوم، وأما إن حط في مجتمع متخلف فهو طائر متشيطن، يُستنكر صوته وطيرانه، يظنون بيضه الذهبي روثا من روث الجن. وبعض طُماع السُراق قد يميز بين الروث والذهب، فهم يسرقون البيض المرمي المهمل على حافة الطريق، ولكنهم لا يحسنون العناية به، فإما يفرخ عن مسخ أو جيفة.
فبهذا امتلأت بيوتات المجتمع المتخلف بروث الدجاج وعبقت برائحته القذرة حتى ألفها، فأصبحت عبقه الذي يعشقه ويتنفس به. بينما امتلأت بيوتات المجتمع المتقدم بالذهب والزينة وعبق الطيب وشذى الأزهار.
ولهذا ترى المجتمع المتخلف يتوسل المجتمع المتحضر ليبيعه بعضا من قشور بيض الذهب، فيبيعهم بأغلى الأثمان ما استخدم وعطب، والخديج والفاسد والمعاد صهره حتى ما عاد يقيم نفسه. وقد حط الطائر الذهبي بديارهم فزهدوا به، وشيطنوه، وتركوا البيض الذهبي مهملا نهيبة السُراق.
المبدع في الاختراع أو في إيجاد الحلول لا يمكن تواجده في مجتمع لا يستطيع أن يدرك أن الفكرة الأولى في الاختراع أو للحل، هي أول الطريق لا آخره، فهي وإن بدت اليوم فكرة عظيمة أو حلا مناسبا، ولكن سنة الله في خلقه الدنيا قد اقتضت التطور والتدرج فيه. فما بدا عظيما اليوم سيتطور غدا ليصبح أعظم وأكثر. ورب الشيء هو أعلم به، وأعرف كيف يحل مشاكله. فو الله أن إهمال عقل وطني واحد وكبته ومحاربته وسرقة أفكاره، هي وأد للوطن لا له، فصاحب العقل قد يعيش ثرياً أمداً طويلاً.
والمجتمع المتخلف يشجع على الخيانة. فيصبح معلوما فيه أن الموافق الساكت هو المُقدم الممتدح، ذو الخلق، وأن الأمين هو المشاغب ذو الخلق السيئ. أولا يدرك المجتمع كم من الضغوط وأساليب القهر وأقاويل الكذب التي يمارسها البعض على من لا يرضى بالخيانة ليخيفوا الضعيف ويبعدوا الأمين، والرشوة في كل صورها ثمن الخيانة. فمن يقبل الرشوة خائن خسيس. وكم من رجل رفض الرشوة وآلمته الخيانة، فارتفع صوت ألمها فعاد نباحا وعاد مرتشيه ذئبا، وكم من فطن نبه عن خيانة الغريب، فعاد غريبا وعاد الغريب قريبا.
لا يسلم مجتمع من شذاذ الأخلاق، لكنهم في المجتمعات المتقدمة يستخفون في حجور ذلهم، ينتهزون نعاس عين الرقيب أو غياب الحارس الأمين، ولن تستطيع سلطة مهما بذلت ضبط الشذاذ ما لم يكن المجتمع هو الرقيب والحارس الأمين، والمجتمع إذا اعتاد على ثقافة الاعتداء على الفكر واحترام الخيانة، فلن يخرج من حالته إلا إذا رأى السلطة تفضح كبار السراقين وتخنق كبار الذئاب حتى يرتفع عواؤها، فيسمعها القاصي والداني.
إن للعقل والأمانة جلبة وحركة لها صوت وعواصف، وللسكون دعة وسكينة، فلا تجتمع حركة وسكون، غالبا، إلا في متسلل لغرض خفي في نفس وغد شقي.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
يوسف المحيميد
من السهل تحديد ثمن الكتاب، عند عرضه في المكتبات ومعارض الكتب، لأنه يعتمد على تكلفته، من حيث نوع ورق الطباعة والغلاف وحجمه وعدد صفحاته، أما ما عدا ذلك فلا علاقة له بالسعر، فلا فرق بين كتاب دانتي مثلا، أو سرفانتس، أو خواطر وتغريدات طبعها مؤلفها الشاب على نفقته، فليس ثمة ثمن للقيمة الفكرية التي يحتوي عليها الكتاب، ولا يمكن تمييز الكتاب، وتحديد ثمنه، من خلال مضمونه ومؤلفه، على خلاف اللوحة التشكيلية، فالمقارنة بين لوحة وأخرى ليس بسبب نوع قماش الكانفاس مثلا، أو ماركة الألوان المستخدمة، أو ما شابه ذلك، وإنما باسم الفنان نفسه، وقيمته في سوق الفن التشكيلي، وهذه مسألة فيها اختلاف وجهات نظر متباينة، وأسئلة لا تنتهي، لعل أولها: من الذي يحدد قيمة الفنان؟
أتساءل حول ذلك، وقد حضرت مؤخراً بعض المعارض التشكيلية لفنانين سعوديين، فشعرت بالمبالغة في أسعار لوحاتهم، مما جعلني من باب الفضول أكرر زيارة المعرض في يومه الأخير، لأكتشف أن ما تم بيعه من اللوحات المعروضة لا يتجاوز 10 بالمائة فقط، في أفضل الحالات، مما يعني أن 90 بالمائة من لوحات الفنانين مصيرها مستودعات منزله، التي ستضيق كثيراً يوماً ما، مما يضطره -كما كتب أحد الفنانين منتقدا زملائه- إلى أن يعيد استخدامها من جديد، برسم لوحة جديدة عليها، وهذه حالة غير طبيعية في تاريخ الفن في العالم!
من هنا أتساءل، لماذا يبالغون بأسعار لوحاتهم، وهم يعرفون أنها لن تحقق المبيعات المقبولة؟ ومن الذي يضع هذه الأسعار؟ الفنان نفسه؟ أم الجاليري الذي سيعرض لوحاته؟ وما هي مسوغات هذه الأرقام الكبيرة؟ في الغالب تلعب سيرة الفنان دوراً في ذلك، مدى طول تجربته أو قصرها، الجهات التي اقتنت لوحاته، فمن حظي باقتناء متاحف عالمية للوحاته، سيرفع من قيمة سيرته الفنية، وبالتالي من ثمن لوحاته، رغم الملابسات التي قد تفسر سبب اقتناء لوحة لمتحف أو غيره، من أن الفنان أهداها للمتحف بلا مقابل، فقد يقبلها أو لا يقبلها، ورغم ذلك فإن قبول المتحف لها يعني قيمتها واستحقاقها، وهناك اقتناء فعلي ومدفوع من قبل متحف ما للوحة دون سواها.
وبعيدا عن ذلك، قد يتحكم أحيانا بأسعار اللوحات، لعبة المزادات الفنية التي تنظم في بعض دول العالم، بكل ما فيها من خطط وألاعيب غريبة، ترجعها هذه المزادات لذائقة مقتني اللوحات، مع أن الجميع يدرك أن ذلك غير صحيح، وإنما هي شبكة مصالح ومنافع بين تجار اللوحات في العالم!
لذلك أرى أن من حق الفنان السعي إلى الوصول إلى متاحف عالمية، للاعتراف بقيمته محلياً وعربياً، لكن قبل ذلك، عليه أن يتواضع قليلاً ويسعى إلى إتاحة لوحاته للاقتناء من قبل الجميع، بدلاً من المبالغة في أسعارها، ومن ثم إعادة تدويرها كنفاية، وذلك بالرسم عليها من جديد، فنمو الأسعار وصعودها يأتي تدريجياً، من خلال بناء سيرة فنية جيدة، وليس من أول أو ثاني معرض شخصي للفنان، ودون سبب منطقي لأسعار لوحات مبالغ فيها!
- Details
- Details
- قضايا وأراء
- Details