قضايا وأراء
- Details
- قضايا وأراء
د. جاسر الحربش
المرأة السعودية تتحول من تفاحة الدنيا إلى قرعة لا طعم لها بعد النفخ والشد والشفط والترقيع. البوتوكس والسيليكون والصنفرة والتقشير تحولها إلى كائن مثير للشفقة وأحيانا ً مخيف. لماذا تهرب المرأة من رموش الغزلان العربية التي وهبها الله لها إلى أجنحة الفراش ومن السواد في العيون الكحيلة إلى ألوان الزعفران والجرجير والزجاج الملون؟. لماذا تستبدل التقاسيم الطبيعية في قوام المرأة العربية بتعاريج سباق الفورميولا واحد بالحقن هنا والشفط هناك؟. لماذا تتحول الشفاه الصحراوية المزمومة إلى براطم بقرية تزيح الخدود إلى ما تحت الأذنين ويتحول شعر المهار الفاحم إلى بسطة خضار والجدائل العربية إلى نفافيش معدنية لا حياة فيها ولا رائحة سوى الكيميائيات المبخوخة والمعجونة والملطوخة على جماجم كانت مليحة في عصر ما قبل الأصباغ والمساحيق؟.
ليس لأحد حق الإنكار على المرأة حقها في البحث عن الجمال، لكنني هنا أستجدي فقط الاستفادة من الطبيعي الموجود والتركيز على العناية به وليس التخلص منه لجعله أكثر إشراقا ً وجمالا ً بدون الدخول في تقاليع الحفلات التنكرية. يزعجني أن أرى في عيادتي فتاة سعودية ذات بشرة حنطية أو برونزية أو كاكاوية قد ألصقت فوق القرنية عدسة ملونة حولتها إلى هجين أنثى عربية بعيون اسكندنافية.
آنستي سيدتي ألست أنتي أول من يسخر من رجل يتصابى بالشد والحقن والشفط، ومن شاب يستأنث بتشقير شعره لأنه فقد الثقة بجاذبيته الرجولية فحول نفسه إلى مسخرة ليست ذكرا ً ولا أنثى؟.
بالحقائق الطبية قد تتحمل بشرة المرأة وشعرها عصف الأصباغ والمساحيق والعجائن لبضع سنوات قليلة، ثم ما تلبث أن تتحول إلى بقايا بشرة تشبه كيس الخيش وبقايا شعر كليف الحبال، والشفتان إلى بقايا بالون تطرطر وتهدل من كثرة ما نفخ بالبوتوكس. سرطان الثدي وضمور الغدد اللبنية بعض من نتائج التكبير بحقن السيليكون ومشتقاته. الفتاة التي تبحث مبكرا ً عن الجاذبية في الصناعات التجميلية تجف وتشيخ باكرا ً، أما الأربعينية وما بعدها فتحولها الكيمياء إلى كائن من تماثيل مدام توسو في متحف الشمع.
حسن الحضارة مجلوب بتطرية
وفي البداوة حسن غير مجلوب
أين المعيز من الآرام ناظرة
وغير ناظرة في الحسن والطيب
تطرية الحضارة الحالية هي الكيمياء، أما الحسن غير المجلوب فيتطلب النظافة فقط والقليل من الرائحة الزكية التي لا تتعدى حدود المرأة إلى محيطها الجغرافي، وهذا ما أظن الرجال الحقيقيين يرونه من كمال الحسن والجمال الأنثوي.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
في الأمسية المقامة مؤخراً في جامعة الفيصل بالرياض فبراير 2017، أشع البدر بين قصائده وأغانيه ورسوماته ولوحاته.
لأكثر من خمسين عاماً تراكمت ذاكرة شعرية بمحمولاتها الثقافية والاجتماعية عبرت عن تاريخ الحرف وجغرافيا الأحاسيس. تمثلت في البدر نبرة حداثة حين اخترق العمارة الشعرية في طروقها وموازينها. كان من الصعب توقع ذلك البدء والحضور الذي تجلى في مرات متمرداً وناعماً عبر الحرف ومساحات معانية وأشكاله الجديدة، وعلو وانخفاض الحناجر الحاملة لرنينه وأفكاره. محاولة تلو المحاولة، ربما تملكت النفس الهواجس عن تلك المغامرة التي غدت تجربة مكرسة وربما تطاولتها الأشواك والتنمرات غير أن أذن البدر أخلصت في إنصاتها إلى داعي الموهبة ودهشة المغامرات..
ليس الحرف معنى، فهو صوت معبر يحمل التراث في معنويه وماديه، ويعيد تشكيل عناصره في لغة وبناء. يقول الحاضر. يقول المستقبل.
زخرف الشعراء النبطيون القصائد بالموضوعات مؤنسة الذات. موضوعات الحس الجمعي الغزل والرحيل، الشكوى والفخر، التوبة والعذاب..
ثمة دفقات وموجات حركت السواكن، حيث يلجأ الشعر النبطي بطروقه وأوزانه، يتوسل صوت الجموع ونغم الألحان وحركة الإيقاع.
دفقات طلعت منذ شعراء الملاحم والسير الشعبية الرواة صانعي سرديات الهجرة وشعريات البطولة، ومنذ حنجرة صاحب النبطية الأولى أبو حمزة العامري وسيد نبط الخصيم ودعاواه حميدان الشويعر، وانعطافة غذت الشكل والطعم عند محسن الهزاني وانقلاب الخافق الكبير محمد بن لعبون الذي وزع كنوزه على أفئدة الخليج العربي والسيف النبطي لم تطوعه الفرسان محمد العبدالله العوني.. سلالات نبطية عدة، حملت ثالوث النحس في أجوافها وحناجرها يزهر ويندى على صخور خرساء مرة ومرات على رمال هاربة.
جاء البدر بلغة تحكي تلك الموضوعات الإنسانية بحروف القرن العشرين تجاه قيم الوجود والخلود. الصراع المر مع الزمان في لحظات الانتظار والرحيل والوداع والنزاع العصي مع المكان وزوايا الحضور والغياب والصمت..
النصوص تمتلئ بتلك الكنوز التي لا تحصى..
"الله.. وش قبل الجفا غير الجفا
غير الوفا لك والحنين"
"سألت الرَّيح ودروب القوافل..
سألت الغيم.. عن لون السنابل..
سألت النَّاس عن وجهك حبيبي..
وعن الشَّمس.. ومِتى تِشرق مساءً"
"بترك ملامح صورتك تحت الغبار
وأترك شوارع ديرتك لأرض النهار"
يعلق البدر الأسئلة لهباً مرة وشموعاً مرات. يرطب المسافات بياض الحكمة، ويلون الرياح أمل اللحظة الأخيرة..
البدر سمى الحواس بأحرف من بركان، يوهمنا بأن الحمم راقدة. الحمم بضميرها نابضة.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
أصبح الإنسان مع صخب الحياة يزيد اهتمامه بنفسه، ويقل تجاه حقوق الآخرين، وتجاه الكوكب الذي يعيش فيه. مرت دول العالم على فترات زمنية مختلفة بدورة الحياة الطبيعية من ازدهار وتقشف وجوع. وعندما يكون المجتمع في دورة الازدهار ينسى تماما معاناة جيله السابقة. ومع بدايات التقشف الحالية وتردي الوضع الاقتصادي عالميا، إلا أن جيل الازدهار الحالي لا يتذكر مآسي الجوع التي عاشها غيره. فالطعام المهدر سنويا في أمريكا حسب إفصاح منظمة Natural Resources Defense Council يعادل ١٦٥ مليار دولار سنويا، وهذا الطعام المهدر خلال عام واحد يكفي لملء ٧٣٠ استادًا رياضيًّا! وفي ذات الوقت حسب إحصائيات ٢٠١٣م فإن ٥٠ مليون أمريكي لم يجدوا وجبة طعام يأكلونها خلال فترة من فترات السنة. أما عالميًّا فحسب إفصاح منظمة Food and Agriculture Organization يُرمى ثلث الطعام المُنتج في القمامة سنويا، وهو ما يعادل مليار و ٣٠٠ مليون طن. وللتقريب لو أن أحد المتسوقين خرج من السوبرماركت يحمل ٣ أكياس مليئة بالطعام، وسقط كيس واحد منه فإنه لا يعود لحمله ولا أحد ممن حوله يكترث لهذا الموقف. أما في أمريكا اللاتينية، فيكفي الطعام المهدر فيها لإطعام ٣٠٠ مليون شخص. وكذلك في الدول الصناعية، فإن مجموع الطعام المهدر فيها سنويا يعادل ما قيمته ٦٨٠ مليار دولار، وهو ما يعادل ميزانية السعودية الأخيرة لمدة ٣ سنوات تقريبا! أما في أوروبا، يُهدر الشخص الواحد ما يقارب ١١٥ كيلوغرامًا من الطعام سنويا.
غياب المجتمع الخليجي عن القائمة السابقة لا يعني سلامته من مرض الهدر الغذائي، وإنما لضعف وجود التقارير الرسمية التي تغطي مثل هذه المواضيع. ولا يغيب عن الذهن سلسلة الهدر الغذائي المتكررة بعد المناسبات الخليجية تحت غطاء الكرم الخليجي. إذا كان العالم يواجه خطر الأسلحة النووية والتلوث الجوي والاحتباس الحراري، وكلها أمور تهدد سلامة الشعوب، فإن الأمن الغذائي يجب أن ينتقل من مرحلة الاستنكار والتحذير عبر تقارير من منظمات دولية، إلى إقرار قوانين دولية تحفظ مستقبل الآخرين على هذا الكوكب، فالعالم ليس بحاجة لضخ مزيد من المشاريع الغذائية لتأمين لقمة العيش مع تزايد العدد السكاني، وإنما يحتاج لضبط هذا الهدر واكتفاء الفرد بحاجته الفعلية من الطعام. أخيرا حسب نسبة النمو في الهدر الغذائي للفرد الأمريكي خلال الفترة ما بين ١٩٧٤م وحتى ٢٠١٤م والتي بلغت ٥٠٪ من حاجته الفعلية فإن هذا يعني بحسب نسبة النمو أن الفرد الأمريكي في عام ٢٠٥٤م عندما يطلب بيتزا على سبيل المثال فإنه سيطلب من عامل التوصيل رميها في القمامة مباشرة لأنه لا يحتاجها فعليا.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
نيوكولا تسلا مهندس أميركي صربي اخترع المحول الكهربائي، والمحرك الحثي، والسيارة الكهربائية، وبفضل إصراره على استخدام التيار الترددي أصبحت الكهرباء تصل لبيوتنا من مسافات بعيدة..
عمل لفترة مع توماس أديسون (أشهر مخترع أميركي) ثم انفصل عنه بسبب إصرار أديسون على استخدام التيار المستمر في توزيع الكهرباء داخل نيويورك.. له العديد من الاختراعات والفرضيات المجنونة مثل محاولة نقل الأجساد عبر الأثير، وتوزيع الكهرباء لاسلكياً، وابتكار صفائح مضادة للجاذبية..
وفي عام 1900 ادعى قدرته على صنع الزلازل بحقن الأرض بتيارات كهربائية متضادة.. بدا كلامه معقولاً كونه حاول قبل ذلك نقل التيارات الكهربائية عبر تربة الأرض السطحية.. وحين سمع الجيش الأميركي بادعائه الأخير استولى على مختبره ومازال يحتفظ بأرشيفه الخاص حتى اليوم..
واليوم هناك من يدعي امتلاك الحكومة الأميركية سلاحاً سرياً لخلق الزلازل اعتماداً على أفكار تسلا.. ويستشهدون بمشروع هيرب في "ولاية ألاسكا" الذي يشغل أربعة هكتارات ويتضمن 360 برجاً كهربائياً متراصة بشكل هندسي لا يعرف هدفها بالضبط!!
وادعاء تسلا بخصوص الزلازل يمكن أخذه كأنموذج لاكتشافات سبقت عصرها، أو أنموذجاً لفرضيات مجنونة يستحيل تنفيذها (لا في الماضي ولا الحاضر ولا المستقبل)..
وسواء كانت مجنونة أم رائدة، يصعب التفريق بينها حتى تظهر بنفسها..
فكثير من الفرضيات الخارقة في الماضي (والتي وصفت حينها بالاستحالة) أمكن تطبيقها في عصرنا الحاضر.. مثلاً، حين سمعت مجلة "أميركاساينتيفك" بنجاح الأخوين رايت في الطيران كذبت الخبر وقالت "يستحيل علمياً طيران أي جسم أثقل من الهواء".. وفي عام 1902 أصدرت جمعية المهندسين الألمان بيانا تستنكر فيه ادعاء زيبلن بإمكانية تصميم بالون يحمل البضائع لأميركا (وما هي إلا سنوات قليلة حتى كان زيبلن يسير رحلات منتظمة عبر المحيط الأطلسي).. وحين أخبر أديسون مكتب براءات الاختراع أنه يعمل على اختراع مصباح يحول الليل إلى نهار نصحه المكتب بالتوقف وقال في رده "إنها فكرة حمقاء".. وفي عام 1899 اتضح من هو الأحمق الحقيقي حيث طالب مدير مكتب براءات الاختراع في واشنطن بإغلاق المكتب لأنه -حسب رأيه- لم يبق في الدنيا شيء لم يخترع بعد..
وفي المقابل؛ هناك فرضيات واختراعات معقولة ومع هذا لم تظهر حتى الآن (رغم التنبؤ بها منذ وقت طويل).. خذ كمثال السيارة الطائرة، وتغيير الطقس، واستنساخ الإنسان، واستعمار المريخ، وزراعة البحر، والاختفاء عن الأبصار، والسفر لكواكب بعيدة، وبناء مدن تحت البحر.. جميعها أفكار قديمة لم ننجح في تطبيقها حتى اليوم (رغم ورودها في قصص الخيال العلمي منذ مئة عام)..
حين تراجع تاريخ التكنولوجيا تكتشف أنه يزخر بمحاولات معلقة أو غير مكتملة لإلغاء الجاذبية، وتحويل الرصاص لذهب، واستخراج طاقة الهيدروجين من البحار، واندماج ذرات الهليوم (التي تحدث في الشمس) داخل المختبر.. تتعجب لماذا لم يهتم أحد -حتى اليوم- بإكمال مشروع تسلا في توزيع الكهرباء لاسلكياً، أو نقل الجسيمات عبر الأثير، أو تجميع طاقة الكون التي تقصف الأرض بكميات هائلة.. "عبقري" أم "مجنون" لقب يقرره نجاح أو فشل الفكرة الجديدة..
- Details
- Details
- قضايا وأراء
نعلم أن هناك أطرافاً وأشخاصاً داخل العراق لا يميلون للتقارب السعودي - العراقي ولا يحبذونه، وبوسعهم وضع العراقيل لتعطيله، كونهم يعتقدون أن هذا التقارب قد يمثل تهديداً للمصالح الإيرانية في العراق..
في أول زيارة لمسؤول سعودي رفيع المستوى منذ أن غزا صدام دولة الكويت -أي ما يزيد على 27 عاما- جاءت زيارة وزير الخارجية عادل الجبير لبغداد لتفتح صفحة جديدة بإعادة التقارب ما بين البلدين بعد فترة فتور وجفاء.
هناك من يرى أنها مبادرة سعودية خالصة، في حين أن البعض الآخر يراها دعوة عراقية/ إيرانية، وهذه قراءة من ضمن قراءات سياسية عديدة ليست بالضرورة صحيحة.. ليس مهما البحث عن تلك الخلفيات والأسباب بقدر ما أن المهم هو كيفية الاستفادة من هكذا زيارة والبناء عليها لخدمة مصالح البلدين والشعبين؟ شكلت الزيارة انفراجة وتطورا إيجابيا على صعيد العلاقات، وتأتي كخطوة مهمة لتجاوز الماضي، بدليل أن الرياض أسمت سفيرها الجديد في بغداد.
اتفق الطرفان على أن الإرهاب عدو مشترك للبلدين، وهو ما يتطلب التعاون والتنسيق وتبادل المعلومات، ليس فقط في المواجهة مع تنظيم داعش، بل لمواجهة خطر الإرهاب بشموليته. السعودية والعراق ترتبطان بحدود طويلة تصل إلى 900 كلم، وهو ما يستدعي الحاجة إلى التعاون والمراقبة الدائمة لمنع أي نشاطات إجرامية، كعصابات وشبكات تهريب الأسلحة والمخدرات ناهيك عن أجندة الجماعات المتطرفة، ولذا التعاون ما بين الرياض وبغداد في تقديري هو مطلب حتمي، وتعافي العراق ضرورة استراتيجية لاستقرار الإقليم.
السعودية أشادت "بالانتصارات العسكرية على العصابات الإرهابية، مؤكدة دعمها للعراق في محاربة الإرهاب واستعدادها بإعادة الاستقرار في المناطق المحررة". هناك رغبة مشتركة في فتح معبر جميمة وزيادة حجم التبادل التجاري والاستثمار بين البلدين وتشغيل الخطوط الجوية المباشرة بين البلدين.
القراءة السياسية ترى أجواء من التفاؤل والارتياح، وقد تكون إرهاصات ربما لقرارات سياسية أكبر في المستقبل، فلن تقتصر فقط على التعاون الثنائي. ويبدو أن السياسة التي انتهجها العبادي بدأت تثمر عن نتائج بدليل إذابة الجليد ما بين البلدين، السعودية لن تألو جهدا في المساهمة بأي دور بناء وإيجابي يدفع باتجاه تعزيز المصالحة الوطنية. الزيارة تكمن أهميتها في إعادة ترميم ما أصاب العلاقة، وبمقدورهما تجاوز الأزمات متى ما توفرت الإرادة السياسية، ومع ذلك نقول إنه من حق بغداد أن تكون لها علاقات جيدة مع أي دولة، وهو حق مشروع وسيادي، لكن لا يجب أن يتم على حساب العلاقة مع دول الخليج. نعلم أن هناك أطرافا وأشخاصا داخل العراق لا يميلون للتقارب السعودي - العراقي ولا يحبذونه وبوسعهم وضع العراقيل لتعطيله، كونهم يعتقدون أن هذا التقارب قد يمثل تهديدا للمصالح الإيرانية في العراق.
عندما يقول الجبير إن السعودية تقف على مسافة واحدة من الجميع فإن هذه رسالة سياسية إيجابية وبامتياز، ولكن هذا لا يعني أن الرياض تقبل بتهميش أي مكون من المكونات السياسية وفي مقدمتهم السنة ما يعني حاجة البلدين إلى تجاوز نقاط الاختلاف وبناء الثقة.
العراق عانى ما بعد الانسحاب الأميركي؛ حيث لم تضع واشنطن آنذاك رؤية لعراق ما بعد صدام حيث استغلت بعض القوى ذلك الفراغ ما فتح الباب لتدخل قوى إقليمية لصالح أحزاب مدعومة منها. هذه القوى قامت بإخراج العراق من حضنه العربي؛ بل وعرقلت أي تقدم في علاقاته مع دول الخليج. ليس للمملكة مصلحة في العراق سوى استقراره وتحقيق تطلعات شعبه.
الآمال معقودة على حكومة العبادي وبالعمل المؤسساتي في أن يصار إلى إلغاء سياسة الإقصاء الطائفي وعدم السماح لإيران من الهيمنة على القرار السياسي والتوقف عن دعم الأسد وترسيخ نظام سياسي غير طائفي وإلغاء الميليشيات فضلا عن ترسيخ تشكيل الجيش على أساس عقيدة وطنية جامعة. هذه نقاط رسوخ لمستقبل دولة تملك من المقومات ما يجعلها في الصدارة.
دقة المرحلة تقتضي من العراقيين أن يُغلبوا مصلحة العراق على المصالح الفئوية، وأن يكون قراره مستقلا وليس مرهونا لأحد، وهو ما يعني الانفكاك من فلك المحور السوري الإيراني وتغيير اتجاه البوصلة باتجاه العرب.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
العلاقات السعودية الماليزية علاقات ثنائية تاريخية دولية وثيقة، وودية رائدة للغاية، بدأت من الستينيات في خط أفقي وعمودي نحو التوأمة والشراكة في التجربة والفائدة، والعمل لبناء أمة بحضارة حديثة نحو عطاءات الأوطان.. وتأتي زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -يحفظه الله- لماليزيا إضافةً حقيقية لعمق العلاقة وقوتها النوعية والمتميزة على أشدها بين البلدين وأكثر عمقاً وتوسعاً مع رؤية المملكة 2030، ونهج قيادي بين البلدين يعكس التوافق القوي في وجهات النظر حول العديد من القضايا الإسلامية والدولية لنكون "ساتو" بمعنى الرقم واحد بالماليزي!
سفير خادم الحرمين الشريفين في ماليزيا فهد الرشيد، الذي -وللأمانة- صنع حضوراً دبلوماسياً رائعاً في ماليزيا، سألته إبان تشرفي بالعمل معه في ماليزيا قبل 3 سنوات حول كيف نكون "ساتو سعودي ماليزيا"؟، أجابني: "نحن كذلك، فالسعودية تحظى باحترام قدير لدى كافة الأوساط الرسمية والشعبية والتجمعات الإسلامية في ماليزيا، فهي بالنسبة لهم تشكل وحدة العقيدة الدينية والروابط الروحية، وماليزيا تتقارب وتلتقي كثيراً في عدة اتجاهات، بدءاً من العادات والثقافات.. وتمثل لنا دولة إسلامية صديقة نفخر ونعتز بها وعلاقتنا بها متميزة بكل ثقة ومتانة وتميز في المجالات الاقتصادية والعسكرية والعلمية والأصعدة الأخرى بفضل من الله".
وللمتابع اليوم، يجد أن الاستقبال المهيب من الحكومة الماليزية وشعبها وإعلامها وجامعاتها والرأي العام كافة للملك سلمان يلامس مدى العلاقة وكينونتها المستقبلية، وللمتابع كذلك يجد أن الحكومتين حرصتا على بذل كافة الجهود للحفاظ على التميز في العلاقات والعمل والشراكات ودفعها إلى الأمام من خلال وضع آليات متجددة على كافة الأصعدة.
وليس آخرها التعاون العسكري القائم بدرجة عالية، ومشاركة ماليزيا في قوات التحالف "عاصفة الحزم"، وانضمامها لـ"التحالف الإسلامي" العسكري لمحاربة الإرهاب، ومشاركتها كذلك في تمرين "رعد الشمال" للقوات العسكرية الإسلامية، وكذلك في تمرين "رماح الشمال 2016" في المنطقة الشمالية الغربية التابعة للقوات البرية السعودية، وفي العلاقات التجارية والاقتصادية تتضح العلاقات المتينة من تعدد الاتفاقيات لتعزيز الاستثمارات وحمايتها، وخير دليل حجم التبادل التجاري لعام 2015 المتخطي الـ(15) مليار ريال.
أما في الجانب العلمي والثقافي، فتبرز لمسات وعطاءات الملحق الثقافي السعودي البروفسور زايد الحارثي المتميزة والرائدة نحو خارطة طريق للعلاقات الأكاديمية والثقافية؛ فاليوم تعد الملحقية الثقافية بعد تملكها المبنى وسط كوالالمبور والذي افتتحه وزير التعليم أحمد العيسى من الملحقيات الثقافية الكبرى، مع إنجازات أخرى نحو تخصيص الجامعات الماليزية للطلبة السعوديين 100 مقعد لدراسة الطب و100 مقعد لدراسة التمريض، وإشراف متميز على ما يقارب 1500 طالب سعودي ليشكلوا جسراً تواصلياً حضارياً ثقافياً بين البلدين في أعرق الجامعات الماليزية تتقدمها جامعة ملايا "UM" والجامعة الإسلامية العالمية "IIUM" وجامعتا بوترا البحثية "UPM" ويو اس ام "USM" وغيرها، مما قدم فيها طلابنا الكثير من مشروعات تخرج مميزة نافسوا بها في مسابقات على مستويات مختلفة وسجلوا براءات اختراع مهمة وحصدوا جوائز ومراتب مشرفة، ومنه انطلقت الملحقية نحو برنامج التحول الوطني وملامح القوة الاقتصادية ضمن رؤية 2030، لتؤكد في الجامعات الماليزية رؤية شاملة لتطوير وتعزيز مكانة المملكة في المحافل الدولية، بخطط للمتابعة المباشرة للبرامج والأنشطة التي تهدف إلى الارتقاء بالعملية التعليمية والاستفادة من التجربة الماليزية بما يدفع عجلة التعليم والبحث العلمي في المملكة.
ويبقى تقدير الماليزيين يتضح في تقديرهم لخادم الحرمين الشريفين ولجهود السعودية في الاهتمام بالإسلام والمسلمين، وبالحرمين الشريفين والأراضي المقدسة، وخدمة الحجاج والمعتمرين والزائرين، مع إيمان متأصل كون زيارته -يحفظه الله- ستكون محورية مؤثرة في مسار علاقات متجددة في مختلف المجالات للوصول إلى "ساتو سعودي ماليزيا".
- Details
- Details
- قضايا وأراء
أستعير عنوان هذا المقال من عنوان كتاب (الكاتب وأشباحه) للروائي الأرجنتيني إرنستو ساباتو، وأتحدّث فيه بإيجاز عن ظاهرة ملحوظة في سِيَرِ كثيرٍ من الشعراء في جميع العصور، وهي ظاهرة تسرُّب أحداث غير حقيقية إلى سيرة الشاعر، وشيوع أشعار ومقولات كثيرة تُنسب إليه وهي ليست كذلك، لكنها تؤثر بشكل واضح في عملية تلقي الناس لإنتاجه الشعري. هذه الظاهرة لا يقتصر وجودها على سِيَر الشعراء فقط، بل تتضح بقوة في كثرة المؤلفات والدراسات التي كُتبت تحت عنوان: "فُلان المفترى عليه"، أو تُكتب بعناوين أخرى بهدف تخليص شخصيات تاريخية –قد تبدو لنا حياتها واضحة ومعروفة-مما علق بها من أخطاء وأوهام نظنّها من الحقائق.
في الأيام الماضية حدث تفاعل كبير من كثير من الشعراء والإعلاميين والمتابعين مع إعلان لقناة MBC يُنسب فيه بيت معروف للشاعر حمد الأسعدي خطأً للشاعر سعد بن جدلان رحمه الله، وما أكثر ما يُنسب لابن جدلان من الأبيات والقصائد التي تبرأ من بعضها وما زال كثير منها يُنسب إليه. هذه الحادثة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة التي يُنسب فيها إلى الشاعر أو إلى سيرته ما ليس فيها، ولا أبالغ إن قلت بأن سيرة أي شاعر مشهور لا تخلو من زيادات وأوهام وضعها الرواة سواء في حياته أو بعد وفاته وأصبح الناس يتناقلونها بوصفها حقائق مُسلَّماً بها، وقد اشتكى أبو العلاء المعري (ت449هـ) في رسالة وجّهها إلى معز الدولة ثمال بن صالح من وجود أشخاص يؤلبون عليه وينسبونه إلى الكفر والإلحاد ويتعمدون تحريف أبيات من ديوانه (لزوم ما لا يلزم) لإثبات التهمة عليه، وينصح المعري بالرجوع إلى النسخ الموثوقة من ديوانه فيقول: "وفي حلب حماها الله نسخ من هذا الكتاب بخطوط قوم ثقات يعرفون بني أبي هاشم، أحرار نسكة، أيديهم بحبل الورع متمسكة، جرت عادتهم أن ينسخوا ما أمليه، وإن أُحضرت ظهرت الحجة بما قلت فيه".
الكسل عن البحث والتدقيق والرجوع إلى مصادر موثوقة عامل أساسي في وجود إنتاج شعري غير صحيح يُنسب للشاعر، وفي وجود تضارب كبير في سيرته وفي جوانب كثيرة من حياته، فأصبح لكل شاعر "شبح" يحمل اسمه وينظم القصائد على لسانه، ويقوم بأعمال غريبة تُنسب للشاعر ويتقبّلها المتلقي لأنه لا يجد الباحث الذي ينفي صحتها أو يشكّك فيها، وقد أشار الباحث روكس العزيزي في كتابه (نمر العدوان شاعر الحب والوفاء) إلى ما وصفه بأسلوب "الهذر والهذيان" الذي يستخدمه بعض المؤلفين ويُحوّل الشاعر إلى "أسطورة سخيفة ومضحكة"، ويذكر العديد من الشواهد من بينها ما كتبه أحد الباحثين في مجلة معروفة وذكر فيه أن نمر بن عدوان تزوج بعد "وضحا" بتسعين امرأة كل واحدة منهن اسمها "وضحا"!.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
يوسف المحيميد
لقد تغير كل شيء!
تغير المجتمع السعودي تمامًا، وهذه سنة الحياة، فلا بقاء لشيء على حاله، الطبيعة تتغير، والمكان يتغير، والإنسان بدوره يتغير، ومن يريد معرفة هذا التغيير، يكتب كلمة «الترفيه» ويبحث عن أي «هاشتاق» في تويتر مثلاً، سواء مع هيئة الترفيه أو حتى ضدها، سيجد كثيرًا من المواطنين والمواطنات، الشباب والشابات، يكتبون برؤية مختلفة ومتجاوزة وشجاعة، لم يعد هذا الجيل يأبه لأحد، فهو يسير وراء أحلامه، يسير بثقة نحو ما يُريد، لا ما يُرَاد له، يضع رؤيته وقناعاته على المحك، ويبحث عن كينونته بإصرار وعزيمة، متسلحًا بالعلم والمعرفة والثقافة بشكل عام.
لم تعد تنطلي على هؤلاء الألاعيب القديمة، ولم يعد يقنعهم أن الترفيه لا يجوز، والضحك يميت القلب، والسعادة والمرح أمر مكروه، وأن علينا ألا نعيش، بل ننتظر الموت. هذا الجيل يحمل رؤيته على كتفه ويمضي، لا ينتظر أحدًا، ولا ينظر إلى تعليمات أحد ووصاياه، حتى ممن هم في مثل سنهم من المتنطعين، لا يقدمون ولا يؤخرون في إرادة هذا الجيل الذي سيخلده التاريخ مثلما خلد أجيالاً ظهرت في أمم أخرى، ففي الغرب يمكن أن نجد تركة جيل «البيت» في كثير من المتاحف العالمية، لأنهم أوجدوا آدابهم وفنونهم التي تمثل رؤيتهم تجاه الإنسان والحياة، ولا يعني ذلك أن شبابنا هم كهؤلاء، لا ليسوا كذلك، وإنما سيغيرون مجتمعهم، وسيتركون بصمتهم الخاصة جدًا، في مجتمع يهمِّش الفنون والآداب، وربما ينكرها ويرفضها في بعض الحالات والأزمان السابقة.
من يظن أن الترفيه هو الحفلات الغنائية فحسب فهو مخالف للواقع، ومن يعتقد أن السينما تسلية فقط فهو لم يدرك التجارب الإنسانية، ومن يرى في المسرح رقصًا وتهريجًا فهو لم يطلع على الثقافات والحضارات المتنوعة، فالترفيه ليس تزجية للوقت، بل هو تعليم ومعرفة وثقافة، هو ما يؤنسن الإنسان، ويهذِّب خُلقه، ويرفع معدل وعيه، فلا يمكن لأمة التقدم في مجالات العلوم والمعارف بشكل عام، ما لم تحترم الآداب والثقافات وتكرس الفنون في شتى مجالات الحياة، وهذا ما تنبه له هذا الجيل الشاب في المملكة، مدعومًا برؤية 2030، ومحظوظًا بها، وقد جاءت في وقت مناسب لطموح هؤلاء، وسعيهم نحو الثقافة الجادة.
على هؤلاء الذين يقاتلون ضد هيئة الترفيه أن يكفوا عن ذلك، فمن لا تعجبه فعالياتهم المختلفة فليقاطعها، ولكن ليس من حق أحد الوصاية على غيره، وعلى ذائقته ورغبته واهتمامه، وماذا يفعل، وما لا يفعل، هذه المرحلة انتهت تمامًا، ونحن نسير نحو مرحلة الإبداع والتجديد.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
ناصر الصِرامي
بحسب منظمة الشفافية الدولية -والتي تشتهر عالمياً بتقريرها السنوي مؤشر الفساد، وهو قائمة مقارنة للدول من حيث انتشار الفساد حول العالم. وتنطق من برلين، ألمانيا، بحسب تقريرها الأخير- فإن «الفساد المتفشي في العديد من الدول، يغذي ويشجع جهود منظمات إرهابية مثل داعش في تجنيد مجموعات من الساخطين على هذه الأوضاع، مشيرة إلى أن هذا الفساد يؤدي أيضا، في جانب آخر إلى إضعاف مؤسسات الدولة، بما يجعلها غير قادرة على مواجهة التنظيمات والجماعات المتطرفة».
وهو ربط عام في تصوري من منظمة دولية معتبرة، صحيح ان «الفساد» امر كارثي جدا، وهو سبب لتخلف الامم مهما حاولت التقدم، إلا أن اشارة التقرير الصريحة إلى أنه «لن يكون ممكن أبداً هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ما لم يتم التعامل مع الظروف الفاسدة التي تساعد التنظيم على النمو والتمدد». هو أيضاً يمنح التطرف سبباً للوجود، يختلف عن السبب الايدلوجي الاساس لهذه الجماعات.
يتهم التقرير حكومات الدول الغربية، بما فيها المملكة المتحدة وأمريكا، بتجاهل الفساد كمحفز رئيسي يؤدي إلى انتشار الإرهاب، وخاصة في الشرق الأوسط. ويدعو هذه الحكومات إلى الضغط بدرجة أقوى من أجل ضمان المحاسبة فيما يتعلق بالميزانيات العسكرية.
وهذه الدعوة لا تتجاوز الجانب النظري وحسب. لم يعبر التخاذل الغربي لدحر داعش، او يجعله سببا اكثر من كاف لتمدد التنظيم، الذي يعمل دون تهديد حقيقي من القوى الدولية عينها التي اشار اليها التقرير.
تقرير منظمة الشفافية الدولية، والذي يحمل اسم «المحفز الكبير»، يرى أن (داعش) استغل الفساد لنشر التطرف والتجنيد، مقدما نفسه على أنه العلاج للفساد، بينما يغرق هو نفسه في ممارسات فاسدة، لكنه -التقرير- نسي عن عمد ربما وضع الدول الفاشلة التي ينشط فيها التنظيم..!
وينقل التقرير عن «كاثرين ديكسون»، مديرة برنامج الدفاع والأمن في منظمة الشفافية الدولية قولها إن الفساد هو الصرخة التي يجمع بها التنظيم المؤيدين وتدعو الى إعادة التفكير في العلاقات مع أمثال مبارك (في مصر)، والقذافي (في ليبيا)، والمالكي (في العراق) الذين سوف يظهرون في المستقبل. وتشدد» الفساد تهديد أمني حقيقي، وأكثر من مجرد وسيلة تتبعها الصفوة لملء جيوبها»، وتضيف «إن الحكومات الفاسدة، في النهاية، تسهم في تأجيج غضب الناس وتقويض مؤسسات الدولة».
لكن مهم صراحة التقرير عند الحديث عن وضع الدول العربية-التي داهمها ما سمي بالربيع العربي- فقد توصلت دراسة -مثلا- «الى ان حالة للوضع في ليبيا ما بعد الثورة، إلى أن المرحلة التي أعقبت الثورة والتي شهدت تزايدا في عدد الجماعات المسلحة، لم تشهد انخفاضا في معدلات الفساد، وضمن 150 مقاتلا سابقا وحاليا في صفوف الجماعات المسلحة استطلعت المنظمة آراءهم، قالت نسبة الثلثين إنهم لا يرون اختلافا في معدلات الفساد، بين مرحلة ما بعد الثورة وعهد القذافي».
الا ان التقرير يشير الى ان» أعضاء الجماعات المسلحة أنفسهم، يستخدمون الفساد في تحقيق أغراضهم، عبر عمليات تهريب للمخدرات والأسلحة، وتقديم الرشاوى للمسؤولين في ليبيا ومصر، بهدف تسهيل هذه العمليات، في حين يعيش قادة تلك الجماعات حياة بذخ ويركبون السيارات الفارهة».
نعرف اليوم انه وبرغم من كل «لعنات الفساد»، لكنه-ايضا- ليس السبب الوحيد الذي توظفه الجماعات الارهابية الاسلامية في تحقيق أهدافها، بل ان استخدامه اليوم لتجنيد وعمل الارهابيين والتمويل يحوي كل انواع الفساد، الا الفساد المالي والاداري الذي يعنيه التقرير... لكن بالتاكيد لا يمكن تجاهله مقدماً.
- Details