قضايا وأراء
- Details
- قضايا وأراء
محمد آل الشيخ
من يقرأ في أدلة قتل المرتد فلن تخطئ عينه ملاحظة أن جميع أدلة الفقهاء الذين قالوا بالقتل اعتمدوا على حديث (من بدل دينه فاقتلوه) وتجاوزوا الآيات القرآنية المحكمة التي ترفض أن يُكره الناس على الإسلام؛ ولم يُفرق المشرع جل وعلا بين من دخله ابتداء وارتد عنه، ومن لم يدخله أصلا كما يبررون.
يقول جل وعلا: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } (256) سورة البقرة ويقول {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا } (29) سورة الكهف ولم يذكر للمرتد الذي ارتد بمشيئته عن الإسلام عقوبة دنيوية إنما اكتفى بعقوبة الآخرة.
من قالوا بقتل المرتد وتجاوزوا آية{لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} عللوا تجاوزهم بالقول إن الآية محصورة فقط في إكراه الناس على الدخول في الإسلام ابتداء، أما المرتد عن الإسلام فلا تشمله هذه الآية. ولم أجد لحصرها في تلك الصورة دليلا واضحا جليا يسوغ القتل؛ فالأصل في التعامل مع مدلول الآيات القرآنية أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ما يجعل منطق العموم ينسحب على مدلول هذه الآية. بل هناك أدلة حديثية، وصحيحة السند، تؤكد أن الرسول لم يقتل أحدا ممن ارتدوا عن دينهم؛ مثل ما جاء في حديث صحيح رواه جابر بن عبدالله في صحيح مسلم أن أعرابيا قال للرسول: (يا محمد أقلني بيعتي) أي أنه عاد عن بيعته للرسول، فأبى رسول الله، وألح فلم يجبه لإلحاحه، فخرج من المدينة وغادرها، فعلّق الرسول على الحادثة بقوله: (إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها)، واكتفى بذلك، ولم يرسل في طلبه ليقتله؛ فلو كان الرجوع عن الإسلام جريمة ذات عقوبة دنيوية لاستحق العقوبة وأرسل في طلبه وقتله، كما فعل بالعُرينيين الذين سرقوا إبل الصدقة.
كذلك هناك روايات عن عمر بن الخطاب تشير إلى أنه لا يرى قتل المرتد وإنما تعزيره. إضافة إلى أن فقيهين من كبار فقهاء التابعين، هما الثوري والنخعي قالا بسجن المرتد وليس قتله.
أما حادثة ردة أهل اليمامة، فلها ملابسات أخرى، تستدعي عدم الاستدلال بها، والقياس عليها؛ حيث أنها وإن سُمّيت ردة فهي في حقيقتها بمنطق اليوم انشقاق سياسي على الدولة؛ بمعنى أنها كانت تفلتا جماعيا على السلطة الحاكمة، لها تبعات محض سياسية وانعكاسات اقتصادية، جسّدها قول أبي بكر: (والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم دونه), الأمر الذي يؤكد أنها كانت تمردا على دفع المستحقات الريعية للدولة المركزية في المدينة، كمن يتمرد على دفع الضرائب اليوم.
كل هذه الأدلة تؤكد أن أدلة الفقهاء لإيقاع القتل بمن ارتد عن الإسلام، ونكص عنه بعد إيمانه، أدلة محض اجتهادية، لا ترقى إلى درجة الإحكام، ويجوز مخالفتها لعدم تظافر الأدلة على قطعيتها.
إلى اللقاء
- Details
- Details
- قضايا وأراء
سعد الدوسري
يعاني ثلث أطفالنا تقريباً من السمنة أو من زيادة في الوزن، وتزداد هذه النسبة لتصل إلى النصف، حسب إحصاءات طرحها بعض استشاريي الغدد في مستشفياتنا المحلية. كالعادة، ليست هناك نسبة دقيقة، ولكنها مجرد اجتهادات، نفترض فيها الصدق، حسب ما نراه بأم أعيننا، فالسمنة غدت هي الملمح الواضح لأطفالنا الذين فشلنا في خلق انضباطية غذائية لهم، وفي تقنين علاقتهم بالأجهزة الذكية التي تلتهم أوقاتهم، وفي تحبيبهم بالرياضة البدنية.
بعد ذلك كله هل تنفع المبادرات التي ستبادر بها وزارتا الصحة والتعليم؟!
لقد أطلقت الوزارتان مبادرة «رشاقة» لخفض معدلات السمنة لدى الطلاب والطالبات في المدارس، تزامنًا مع انطلاقة العام الدراسي الثاني. وسيتم تنفيذ هذه المباردة - كمرحلة أولى - من خلال (1.000) مدرسة من مدارس التعليم العام في 6 مناطق، وهي: الرياض، وجدة، ونجران، والجوف، والمنطقة الشرقية، ومكة المكرمة.
وتسعى هذه المبادرة لحشد الموارد والجهود المشتركة للجهات المعنية على المستوى الوطني لتخفيف عبء السمنة على المواطن والمجتمع، كما أنه ستتم تغطية 20% من مدارس المملكة خلال الخمسة أعوام المقبلة لتعزيز نمط الحياة الصحية، من خلال تحسين السلوك الغذائي وزيادة النشاط البدني للطلاب والطالبات.
إن الأهم من هذه المبادرة هو تأسيس ثقافة صحية غذائية لدى الطلبة والطالبات ابتداءً من المرحلة الابتدائية، وأن تطبق المقاصف المدرسية هذه الثقافة، لكيلا نعلم من جهة، ونهدم من جهة.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
شكل سكان المدينة اللاحقون والسابقون مجتمعاً نقياً متماسكاَ، تخلى عن ضلالات الجاهلية، وسلك طريقاً حضارياً مدنياً، يتوافق تماماً مع تركيبة المجتمع المدني، الذي وجد في المدينة نقطة الانطلاق إلى حياة إنسانية مستقرة، يقودها «الطيب» صلى الله عليه وآله في «طيبة الطيبة»..
أقيم الاحتفال بالمدينة المنورة عاصمة للسياحة الإسلامية، وحق لها أن تكون"عاصمة"، فإن للمدينة المنورة موقعًا خاصًا في قلوب المسلمين قبل أي موقع أو لقبٍ، قد تصنف فيه، تعظيمًا وتقديرًا، وتذكيرًا بمكانتها المستحقة بين سائر المدن والعواصم الإسلامية بل والعالمية، كيف لا؟! وهي البقعة التي قصدها خير رسل الله صلى الله عليه وآله هو وأصحابه، وجعلوها وجهة رحلتهم الشاقة، التي رصدها القرآن الكريم، وصور تفاصيلها في آياتٍ لا يألو قارئها جهدًا في تخيل تلك المواقف التي واجهت رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه أثناء هجرتهم إلى هذه المدينة التاريخية!
وبعد أن حطوا رحالهم في المدينة وكانت تسمى "يثرب"، بدأ التاريخ يتحول فكان في المقدمة إلباسها اسمًا يليق بها عاصمةً للمسلمين، والذي كان اسمًا مختارًا من قبله صلى الله عليه وآله، ثم ينزل القرآن مثبتّا لهذه التسمية (المدينة) في عدة مواضع.
بدأت قصة المدينة بتوافد المهاجرين والقاصدين لها من كل أرجاء الأرض، ليشكل سكانها؛ اللاحقون والسابقون (المهاجرون والأنصار) مجتمعًا نقيًا متماسكًا، تخلى عن ضلالات الجاهلية، وسلك طريقًا حضاريًا مدنيًا، يتوافق تمامًا مع تركيبة المجتمع المدني، الذي وجد في المدينة نقطة الانطلاق إلى حياة إنسانية مستقرة، يقودها "الطيب" صلى الله عليه وآله في "طيبة الطيبة".
وقد يكون حديثي هنا مزدوجًا، ومستوعبًا -قدر الاستطاعة- للمكان والحدث، فالحدث هو السياحة في الإسلام عمومًا، وقد تطرقنا لذلك في مقال سابق، ونعني بها غير تلك السياحة في عرف الجاهلية، والتي ترتكز على تعذيب النفس في الأسفار والرحلات كعبادة مقصودة لذاتها، وإنما نعني سياحة من جنس التفكر في الأرض، وطلب المعرفة، والوقوف على آثار تُشوّق زائريها لتلك الحقبة التي كانت فيها تلك الآثار مَعلمًا حيًّا، وملتقىً فعّالاً ونشطًا، دونت فيه الأحداث، كنقاط تحول في تاريخ البشرية، وفي قول الله: "التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ" قال القاسم: "هم السائرون الذاهبون في الديار لأجل الوقوف على الآثار، توصلا للعظة بها والاعتبار ولغيرها من الفوائد".
وأحق ما ينبغي لنا التعرف عليه، والوقوف على آثاره، هي تلك البقع والأماكن التي وقف فيها رسول الله صلى الله عليه وآله ناصرًا للإسلام داعيًا إلى الفضيلة.
ففي المدينة "أحد" قال فيه صلى الله عليه وآله "يحبنا ونحبه".
وفي المدينة "المسجد النبوي" وهو عماد نيتنا في شد الرحال إلى المدينة، ففي الحديث (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد...) وذكر منها مسجده صلى الله عليه وآله، وفي المسجد معالم وآثار تسجم العيون دموعها لحظة التفكر فيها، ففيه الحجرات، وفيه الروضة، وبين تلك وهذه تردد صلى الله عليه وآله سنين عددا.
وفي المدينة مسجد "قباء" كان يرتاده كل سبت، فالصلاة فيه إن قصدها المتطهر كان كأجر عمرة.
وفي المدينة "مسجد القبلتين" يجد الناظر فيه تأويلًا حيّا لقول الله تعالى "فول وجهك شطر المسجد الحرام".
ومهما يكن الحديث عن تلك البقاع والأماكن فلن يوفيها حقها، فقد بقيت راسخة وثابتة مع تعاقب الأجيال وتغير المجتمعات، إلا أن ذلك المجتمع الذي كان له السبق في تأسيس هذا المَعْلَم، يبقى المجتمع الأمثل في تاريخ الأمة، وتبقى مقبرة البقيع التي ضم ترابها أكثر الصحابة، شاهدة على حبهم وصدق انتمائهم لهذا الدين.
وفي المدينة يرقد أبوبكر وعمر رضي الله عنهما رقدة المؤمن البرزخية بجوار خير الخلق صلى الله عليه وآله، في قبور جاورت المسجد، وأدخلت في بنائه، وتصاحبت كصحبتهم في الدنيا، ولهذا وغير ذلك مما فات الخاطر، يحق للسائح إلى المدينة أن يتمثل ساجمًا دموعه:
أتيتك زائرًا وودت أنّي
جعلت سواد عيني أمتطيهِ
ومالي لا أسير على المآقي
إلى بلدٍ رسول الله فيهِ
- Details
- Details
- قضايا وأراء
حمّاد السالمي
* توقفت مليًّا عند الكلمة التي ألقاها الدكتور (عادل الجبير)؛ وزير الخارجية السعودي أمام مؤتمر الأمن في ميونخ بألمانيا قبل أسبوع، وتحديدًا عند قوله: (إن إيران تريد من الشيعة في جميع أنحاء العالم؛ أن يكونوا تابعين لها وليس لدولهم).
* تمنيت لو أن هذه الإلماحة الذكية؛ أو الرسالة المهمة التي أطلقها وزير خارجية المملكة في محفل دولي كبير؛ تصل لكافة إخوتنا العرب من طائفة الشيعة؛ من أولئك الذين يتعاطفون مع حكومة الملالي في طهران؛ وينساقون بمشاعر دينية خلف بكائياتها ودعاياتها الخبيثة المتلبسة بالدين، وما يعكسه إعلامها المزيف؛ من حرص على مصالحهم ومنافعهم، وهو في حقيقته تكريس للوصاية على الشيعة العرب لتفريسهم إن أمكن؛ أو الثأر والانتقام، وتذويب القومية العربية في مشروعهم الصفوي الكبير الذي يستهدف كل المنطقة العربية.
* ولأن مثل هذا الأمر الخطير؛ يهمني كأي عربي غيور على قوميته العربية المستباحة في منطقة عربية مشتعلة طائفيًا؛ فإني أتساءل بكل تجرد: إلى متى يظل (بعض) العرب الشيعة في أكثر من قطر عربي؛ ضحايا المد الصفوي بلباس مذهبي، وأدوات طيّعة لتصفيات سياسية وطائفية تقف وراءها إيران الفارسية..؟ ومتى يستيقظ الشعور العربي الشيعي؛ ويدرك أنه منذ زمن بعيد؛ وهو خاضع لمشروع تفريس صفوي ممنهج، وأنه يُستخدم طائفيًا في حروب إقليمية هدفها تقويض الدول العربية القطرية، وتهريس البنية الاجتماعية لكل دولة عربية على حدة، كما هو الحال في العراق وسورية ولبنان واليمن، وما تتعرض له مملكة البحرين؛ وهذا كله جزء من المخطط الصفوي الفارسي الكبير الذي لا يستثني العرب الشيعة أينما كانوا..؟
* لم يعد خافيًا على أحد؛ أن المشروع الصفوي الفارسي في عهد الملالي الخمينيين؛ مشروع قائم على العدوان ورعاية الإرهاب وتوجيهه لصالح مخططاتهم. فإيران الخمينية- كما حدّد وزير الخارجية السعودي- التي لم تتعرض حتى اليوم ولا لعملية إرهابية واحدة، لا من داعش ولا من القاعدة؛ (تشكل أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم، فهي تهاجم السفارات الأجنبية في طهران، وتزرع الخلايا الإرهابية النائمة في دول الجوار والعالم، وتعمل على تغيير الأنظمة بدول الشرق الأوسط، وتؤوي إرهابيي القاعدة، وتثير القلق في الشرق الأوسط، وتصدر الثورة، وليس لديها مفهوم واضح للمواطنة، وتسعى جاهدة للسيطرة على الشيعة في كل العالم، وتتدخل في شؤون عدد من البلدان، ولا تحترم القانون الدولي، وتمول الحوثيين في اليمن بالأسلحة).
* إن من يقرأ تاريخ العلاقة بين الفرس والعرب منذ مئات السنين؛ لا يجد أكثر من كراهية الفرس للعرب، وحقدهم وعدائهم الذي ظل يلازمهم حتى بعد دخول بلاد فارس في الإسلام، وخضوعها للحكم العربي الذي امتد لفترة طويلة. العداء كان قائمًا، والاحتراب كان دائمًا، ويأتي هذا كله تحت راية مذهبية ضدية بين السنة والشيعة، يستغلها الصفويون لفرض الهيمنة. فهم يخططون للتخريب والتدمير؛ وأهل الأرض من (بعض) الشيعة العرب؛ ينفذون مخططاتهم بكل غباء وبله، ولو اقتصر الخلاف الضدي المذهبي بين سنة وشيعة عرب في بلدانهم دون تدخل صفوي فارسي؛ لما وصل الحال بنا إلى ما هو قائم، من فتن وقتل وتدمير وتفتيت للبنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ليس له مثيل من قبل.
* قد يقول قائل: وماذا عن الطرف الضدي الآخر في المعادلة المذهبية القائمة في المجتمعات العربية المشتعلة..؟
* ليس من المنطق ولا من العقل؛ تبرئة الضدية السنية هي الأخرى مما يجري على الساحة العربية، وخاصة القريبة والمحادة لإيران، فهناك غلاة ضديون في السنة العرب كما هو الحال في الشيعة العرب، ولكن المنطق يقول: بأن كلا الفريقين هما أهل وإخوة تجمعهم المواطنة إذا فرقتهم المذهبية، وخلافات الأهل والإخوة لا تستلزم تدخل الغرباء من خارج البيت. إيران تستغل خلافات أهل البيت العربي الواحد؛ لكي تحشر نفسها مع طرف ضد آخر، وبهذا تصب المزيد من الوقود على نار خلافاتهم المذهبية القديمة الجديدة، التي تتشعب تبعًا لذلك إلى صراعات سياسية ومناطقية وعرقية. هذا ما حدث من قبل ويحدث اليوم، وكلا الضدين العربيين الشيعي والسني؛ يستجيب بكل حماقة مع الأسف؛ للتدخلات الإيرانية، بتأجيج الخلافات، وتوسيع الصراعات، ما يؤدي إلى (الاصطفاف الطائفي)، والارتماء أكثر في أحضان الفرس من قبل (بعض) الشيعة العرب، والانحياز أكثر من قبل (بعض) السنة لجماعات متطرفة؛ تشعر أن وجودها في أرضها؛ مهدد من قبل مليشيات وحشود شيعية دموية، تمولها وترعاها إيران على أراضٍ عربية بحتة.
* وفي ظل المتغيرات السياسية الجديدة في الشرق الأوسط، التي تقودها الولايات المتحدة في عهد الرئيس (دونالد ترامب)؛ حيث أصبحت إيران في أوضاع حرجة مع المجتمع الدولي؛ فهناك فرصة عظيمة اليوم أمام المرجعيات الدينية لكلا الطائفتين العربيتين الشيعية والسنية؛ للمراجعة، وفهم الموقف على حقيقته، برفض التبعية لإيران؛ وإعلان التمرد على مشروعها الصفوي الخبيث، ونبذ التطرف والعنف، ومحاربة الإرهاب بشتى صوره وألوانه، حتى لو كانت إيران هي الراعية والداعمة له في أشخاص ودمى شيعية وسنية عربية، تعبث بالأمن العربي، وتهدد الوجود العربي، وتكرس وصايتها، وتدعم مشروعها الصفوي لتفريس العرب أو تهريسهم على أرضهم.
* انتبهوا يا بني يعرب.. خذوا حذركم. قبل أن تفرّسوا أو تهرّسوا.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
يوسف المحيميد
انتظر المعلمون والمعلمات تطبيق التأمين الطبي في قطاع التعليم نحو ربع قرن، وحين تم الإعلان عنه جاء مخيبًا لآمال معظم العاملين في حقل التعليم، لأسباب عديدة، من بينها أنه اختياري وليس إلزاميًا، بحيث إن الوزارة مجرد وسيط بين المعلم وشركة التأمين الطبي، وحين لا تكون الوزارة طرفًا ثالثًا في العقد، فهذا يعني أن يصبح المعلم المواطن وجهًا لوجه مع شركة التأمين، بحيث تتنصل الوزارة من الالتزامات المادية والقانونية، بل حتى ضمان حسن تنفيذ العقد وعدم الإخلال بشروطه.
فما جدوى التأمين إذا كان المعلم سيُصبِح في مواجهة مباشرة مع شركة التأمين؟ هل الجدوى في مثل هذه الاتفاقيات ضمان الإعداد الكبيرة من عملاء جهة واحدة، بحيث تضمن الوزارة عشرات الآلاف من العملاء؟ وهل ضمان المزيد من المعلمين والمعلمات الذين سيوافقون على التأمين يعني نجاح الوزارة كمندوب مبيعات؟ وما معنى أن يشجع المتحدث الرسمي للوزارة المبادرة للتأمين، بأن من يسجّل خلال الأشهر الثلاثة الأولى سيضمن المنافع الطبية للتأمين ضد جميع الأمراض المزمنة والمستعصية، وبدون حاجة لبيان إفصاح طبي، بمعنى أن من يسجل فيما بعد سيُحرم هذه الميزة، وسيكون في عقده الاستثناءات والإعفاءات عن بعض الأمراض المزمنة والمستعصية!
كنا نتمنى أن تبادر الوزارة كشريك في العقود، وتتولى المسؤولية كاملة في التعامل مع شركة التأمين حتى لو كانت تقتطع قيمة التأمين من دخل المعلم، لكن أن تتركه في العراء أمام شركة تأمين متمرسة، تعرف كيف تلوي النصوص وتفرض الاستثناءات من كثير من الأمراض والاحتياجات الطبية، التي لا تدخل في التأمين، فهو لم يكن مناسبًا لها ولدورها في خدمة أفراد القطاع التعليمي.
كل ما أخشاه أن تكون نسبة المخاطرة عالية في هذه العقود، تمامًا كما هي الرسوم المفروضة على المعلم، فمن الواضح أن الوزارة كجهة حكومية لم تكن مفاوضًا جيدًا، ولم تُدر هذا الملف بطريقة احترافية، تولي المعلم فيها الأهمية والمكانة التي تليق به.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
سعد الدوسري
قبل ظهور التشدد الديني على السطح، كان الدين بالنسبة لآبائنا ولنا هو النبراس والمقياس والمنهج والسلوك، ولم نكن في الغالب بحاجة إلى من يرشدنا إلى سلوك أفضل. كانت المعاملات بين الناس، تتم بمودة وتراحم، دون تشنج أو تطرف أو مبالغة. كان لكبار السن مكانتهم التي لا يمسها من هم أصغر سناً، حتى ولو كانوا أكثر قرباً من العلوم الشرعية. كانت الهيبة محفوظة للجميع، لا يتجاوز أحد أحداً، ولا يمس أحد مشاعر أحد، ولا يترفع باسم الدين أحد على أحد.
بعد موجات التشدد، وعلى الرغم من كل ويلاتها، صار ذلك الشاب الذي يبدو بهيئة الملتزم دينياً، يحظى بالأولوية في الدخول والخروج والجلوس والحديث. بوجوده، تنتفي الهيبة عن كبار السن، وتغدو الهيبة كلها له، والأنظار كلها إليه. ولو مكثنا نفكر بالأمر قليلاً، لاكتشفنا أن السبب يكمن في عدم قدرة أولئك الذين يهابون الشكليات الدينية، على دراسة الدين دراسةً تجعلهم قادرين على التحاور مع المتشددين في أمور دينهم. ولأنهم كذلك، لا يقرأون ولا يحفظون، فإن بإمكان أي فتى، مع بعض المحفوظات البسيطة، أن يحرج رجلاً في عمر أبيه، وقد يحرج أباه نفسه!
يجب ألا ننكر أننا تمادينا في جعل الدين أداةً في يد أصحاب الهوى والأجندات، يوجهون المدارس والجامعات والوزارات والأسواق والمرافق العامة، على أمزجتهم، إلى أن صار صعباً علينا اليوم اقتلاعهم منها.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
محمد آل الشيخ
الانفتاح، ونبذ التشدد، ليس خياراً اليوم، وإنما ضرورة أمنية واقتصادية ملحَّة؛ فقد أثبتت أحداث العقود الأربعة المنصرمة من تاريخ المملكة، الارتباط الوثيق بين الانغلاق والتشدد من جهة وبين الإرهاب من جهة أخرى. المسألة لا تحتمل المكابرة ولا المغالطة، بقدر ما هناك من الشواهد والأدلة والمؤشرات الموضوعية التي تثبت ذلك إلى درجة القطع وليس الاحتمال. صحيح أن ليس كل متشدد هو إرهابي بالضرورة، ولكن الصحيح أيضاً أن كل الإرهابيين قاطبة كانوا متشددين متزمتين في البداية، ومن ثم أصبحوا إرهابيين متأسلمين قتلة دمويين. كما أن فشل الدول التنموي بالمعنى الشامل للتنمية، هو عنصر مساعد يجعل من الدول كيانات هشة ضعيفة، عندما تعصف بها رياح الثورات والاضطرابات تسقطها بسهولة، كما كان وضع الدول العربية المهترئة تنموياً التي عصفت بها رياح ما يُسمى الربيع العربي الدموي المشؤوم.
ومن يقرأ ويتعمَّق في ظاهرة الربيع العربي التي عصفت ببعض الكيانات الهشة، والأخرى التي عجزت عن الإطاحة بها، يجد بوضوح أن العامل المشترك بين الدول المنهارة كان ضعف التنمية الشاملة عموماً، والتنمية الاقتصادية والخدماتية بشكل خاص. ومن أهم محفزات النمو الشامل الانفتاح الاجتماعي والتواصل مع العالم المتفوق حضارياً، وتهميش الفكر المتزمت المنغلق، وبالذات الذي يقوده وينادي به الحركيون المتأسلمون المسيسون. فهذه الفئة الانتهازية تعلم يقيناً أن الانغلاق، والتشدد، يصب في مصلحتها، ويُهيئ السُّبل لأضعاف الكيان اقتصادياً واجتماعياً، وتقل بالتالي موارد المواطنين المعيشية بسبب الانغلاق فتتفاقم البطالة، وتكثر الأزمات والاحتقانات والتوترات التي من شأنها دفع الساسة المتأسلمين إلى السطح كمخلِّصين، وتدفع كذلك بأفكارهم وما يطرحون إلى التألق. لذلك كله يقف المتأخونة السعوديون - مثلاً - ضد الترفيه والغناء والمعازف، في حين أن كبار الإخوان، كالقرضاوي، والغزالي والهالك حسن البنا يصرحون على رؤوس الأشهاد أن الغناء والموسيقى فعاليات مباحة لا يحرمها الإسلام. والسؤال هنا: هل هذا تناقض بين إخوان الداخل السعودي وبين زعمائهم وكبار منظريهم في الخارج؟.. الإجابة ببساطة: (لا)، فلدى الحركيين المتأسلمين مبدأ ثابت فحواه: العبرة بالمصلحة السياسية العليا للجماعة لا بالحلال والحرام، بالشكل الذي يمكّنها من الوصول إلى كرسي السلطة، وهذا الثابت يدور مع المصلحة حيث دارت. فجماعة الإخوان المتأسلمين في مصر - مثلاً - كانوا قبل أن يتسلّموا مقاليد الحكم يشنِّعون بإباحة بيع الخمور في بعض الدول العربية، لكنهم حينما تمكنوا من السلطة في مصر، أبقوا تراخيص محلات بيعها كما كانت. فالمزايدة على التحريم كانت لأسباب سياسية وليس عن عقيدة، وحينما وصلوا للسلطة أصبحت الخمور مباحة لأنهم يعلمون أن منع بيعها سيضرب القطاع السياحي. تحريم بيع الخمور قبل الوصول إلى السلطة، ثم إباحتها بعد الوصول إليها، يكشف بشكل واضح وفاضح أن القضية لديهم ليست قضية حلال وحرام، وإنما الهدف الوصول إلى السلطة، والغاية تبرر الوسيلة.
أعرف أن هناك أناساً يؤمنون بحرمة الغناء والمعازف والترفيه بصدق وليس رياءً وتأسلُّماً، إلا أن الحركيين المؤدلجين يرفعون شعار التحريم لإيهام الدهماء من العوام أن المملكة لا تُحرم ما حرم الله، رغم أن قضية الغناء والمعازف من أشهر مسائل الخلاف الفقهية، ومن قال إنها تحظى بالإجماع فقد طفف وافترى.
إلى اللقاء.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
لا توجد ظاهرة خطيرة، تسببت ومازالت في تدمير الحضارة البشرية في العصر الحديث كظاهرة الإرهاب، والتي تُعدّ سرطاناً فتّاكاً ينخر في جسد العالم، كل العالم.
الإرهاب، غول العصر وتسونامي الكراهية ومعول الخراب، يُمثل ظاهرة أممية تتمدد وتنتشر في كل الاتجاهات والمساحات والسماوات، ظاهرة خبيثة تقودها جماعات، ومنظمات، ودول خارجة عن كل القيم، والأعراف الإنسانية، والأخلاقية، والدينية، بل والمنطقية. الإرهاب بكل صوره وأشكاله ومشتقاته، يُمثل انتكاسة أخلاقية في ضمير الإنسانية، بل وردّة حضارية أعادت البشرية لعصور الظلام والعنف والتوحش.. الإرهاب، حالة معقدة، ومتقدمة، ومختلطة من الكراهية، والتطرف، والتوحش، والانحراف، والجنون.
الإرهاب الذي يتمدد بكثافة، ويتوزع بسرعة في الكثير من بقاع العالم، يُشكّل اعتداءً صارخاً على كل القيم والمبادئ، والمفاهيم، والثقافات، والممارسات، والسلوكيات التي أطّرت وعززت العلاقات الإنسانية بكل تنوعها وتعددها. تلك القيم، والمبادئ، والثقافات النبيلة التي نسجتها، ورسختها فطرة البشر التي تعشق الحياة بكل ألقها، وبهجتها، ودهشتها، كالسلام، والتسامح، والتآخي، والقبول، والانفتاح، والعيش المشترك، وسيادة القانون، تتعرض -أي تلك القيم النبيلة- لهجمة شرسة من الإرهاب بكل صوره وأشكاله وتحولاته.
ولا يمكن الاقتراب من هذا الداء الخبيث الذي يُمثل التحدي الأكبر، والأخطر في تاريخ البشرية، دون التطرق لحواضنه، وأسبابه، ودوافعه، وتداعياته، وهي تفاصيل كثيرة وكبيرة، لا يمكن تتبعها في هذه المساحة المحدودة. فقط، يمكن المرور بعجالة على نقطتين مهمتين لهما علاقة وطيدة بظاهرة الإرهاب..
الأولى: أن الإرهاب ظاهرة كونية تُخطّط، وتُصنّع، وتُدار بأصابع مشبوهة من جماعات، ومنظمات، وكيانات، ودول ترعى وتمول وتوجه الإرهاب وفق سياسات، وأجندات ومصالح، وليس لدواعٍ إنسانية وأخلاقية ودينية ومذهبية، كما تُردد في شعاراتها وعناوينها، وبشيء من الاختصار الشديد، يُعتبر الإرهاب وسيلة ابتزاز لفرض واقع سياسي.
الثانية: وهي أسباب جذرية/ منطقية لظاهرة الإرهاب، كتصاعد خطاب الكراهية، واستدعاء التراث الفكري والثقافي والديني بكل إشكالاته وجدلياته، وتغوّل الإعلام الجديد بمختلف منصاته وشبكاته الطائفية البغيضة، وظهور رموز وشخصيات ثقافية ودعوية تُحرّض على الإقصاء، والتعصب والتمييز. وبشيء من الاختصار الشديد أيضاً، تلك التفاصيل وغيرها، تُشكل محاضن، وبيئات خصبة لنشوء وترعرع الإرهاب، وتجفيفها هي البداية الحقيقية لمحاربة الإرهاب.
وقد مر وطننا العزيز بتجربة مريرة مع الإرهاب، ونجح بفضل من الله ثم بتضافر كل مؤسسات، ومكونات هذا الوطن العزيز بمواجهته، ومكافحته.
وجهود المملكة في محاربة الإرهاب، داخلياً وخارجياً، تُعدّ من العلامات الفارقة، والبارزة، والرائدة التي تحظى بإعجاب، وتقدير المجتمع الدولي. لقد تصدت المملكة بكل حزم، وقوة للإرهاب بكل أشكاله وصوره، وحاربته محلياً، وشجبته وأدانته عالمياً.
- Details