قضايا وأراء
- Details
- قضايا وأراء
تبذل روتانا جهداً رائعاً لإعادة الحياة من جديد في جسد الأغنية السعودية عبر حفلاتها التي نظمتها -وستنظمها- في عدة مدن سعودية، وآخرها الحفلة الكبيرة المنتظرة التي ستجمع محمد عبده براشد الماجد في مدينة الرياض. لكن هذا الجهد ليس كافياً بالنسبة لبلد مترامي الأطراف مثل المملكة، ومهما سعت روتانا فإنها لن تتمكن من تغطية جميع المدن وسيقتصر نشاطها على المدن الكبيرة فقط، وبقائمة محدودة من المطربين المرتبطين معها بعقود احتكار.
ماذا عن بقية المدن؟، وماذا عن بقية النجوم المغيبين عن المشهد العام رغم مكانتهم الفنية المعتبرة وجماهيريتهم العالية؟. تملك المملكة تنوعاً جميلاً في موروثها وفنونها ومع ذلك لا نجد سوى طيف واحد هو المسيطر على المشهد العام وهو الذي تصدر واجهة الحفلات الغنائية التي تنظم هذه الأيام، هو طيف محمد عبده ورابح صقر وراشد الماجد، فيما بقية النجوم بتنوع اتجاهاتهم مازالوا غائبين عن المشهد -أو مُغيبين-، وكأن الحفلات الغنائية التي فرح السعوديون بعودتها بعد غياب طويل، ستكون امتداداً لحال القنوات الموسيقية التي لا تسمح إلا بظهور ذلك الطيف الواحد، في عملية توجيه قسري للذوق العام.
لو ذهبت إلى مدينة مثل حائل فستجد شبابها يتمنون لقاء نجمهم الأول فهد عبدالمحسن أكثر من لقاء محمد عبده، ولو ذهبت لنجران فستجد الشعبية الأولى لفنانها "الفتي"، فيما يحتل عزازي الصدارة في مسقط رأسه بريدة، ولو انتقلت باتجاه الساحل الغربي فستجد لأبي سراج وأبي هلال وكمال حمدي مكانة مُقدّرة، وكذا الحال في بقية مدن المملكة؛ ستجد لكل مدينة فنانها الخاص ومزاجها الخاص الذي لا تقبل تغييره.
وفي الوضع الحالي لمسار الحفلات الغنائية وتواجدها الحصري في الرياض وجدة، فإن الذي يسكن مدينة أبها مثلاً لن يجد في قائمة نجوم الصف الأول من يعبر عن مزاجه الخاص، وحتى لو أراد حضور الحفلات الغنائية اضطراراً لعدم وجود البديل، فإن عليه السفر لمسافات بعيدة، باتجاه الرياض أو جدة، بينما دبي أقرب له وأقل تكلفة وأكثر خيارات ترفيهية.
إذا أردنا تطوير صناعة الأغنية ومعها اقتصاديات الفنون والسياحة، وتحسين جودة الحياة، فلابد من وضع لائحة تسمح لأي متعهد في أي مدينة سعودية بتنظيم حفلاته الخاصة الملائمة لمزاج أهل مدينته، في الأغنية وبقية الفنون، وإلا فستستمر سيطرة الطيف الواحد على الفضاء العام، وسيظل بقية النجوم الكبار عاطلون عن العمل داخل بلدهم، لا يجدون التقدير إلا في المهرجانات الخليجية.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
في الآونة الأخيرة بدأ البعض يُطالب بزيادة إنتاج البترول وتحويل إيراداته إلى ما يسمونه الصناديق السيادية بحجة أن العالم سيستغني عن البترول ويستشهدون بالاستغناء عن الفحم. آخر هذه الاستشهادات وأكثرها إثارة للجدل تصريح معالي وزير التجارة في غرفة تجارة جدة قائلا بالنص: "من كان يتوقع سابقا أن يستغنى العالم عن الفحم" (عكاظ الأحد 12 فبراير/2017).
هذه العبارة من معاليه عن الفحم تدل دلالة قاطعة أن معاليه لديه معلومات ناقصة (مبتورة) عن تفاصيل التطورات التي تحدث في أسواق الطاقة.
سندخل مباشرة في الصفحة السادسة من آخر تقرير صادر عن وكالة الطاقة الدولية (IEA) بعنوان (Key WEI لعام 2016) حيث يقول التقرير: إن نسبة استخدام الفحم في إجمالي الطاقة كانت عام 1973 (قبل 44 سنة) تساوي 24.5 % (أي ربع) إجمالي الطاقة المستخدمة في العالم وزادت هذه النسبة تدريجيا إلى أن أصبحت 28.6 % في عام 2014.
بمعنى أن الفحم عام 2014 هو المصدر الثاني للطاقة بعد البترول الذي تبلغ نسبته 31.3 % بينما الغاز الثالث ونسبته 21.2 %. ثم تأتي المصادر الأخرى كالتالي: الوقود الأحيائي 10.3 %، والنووية 4.8 %، والمائية 2.4 %، والمتنوعة 1.4 %.
لكن الشيء الأهم هو أن الفحم ستزداد أهميته مستقبلا حيث سيلجأ العالم إلى تسييله عندما ترتفع تكاليف استخراج المتبقي من البترول التقليدي بعد عام 2020 (المرجع الصفحة 22 من رسالتي للدكتوراه عام 1988) سيقول القارىء رسالتك قبل 30 سنة والأوضاع تغيرت الآن.
الحق مع القارىء لذا سأترك الجواب لإدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA) في تقريرها الأخير بتاريخ 12/ مايو/ 2016 عن توقعاتها حتى عام 2040، يقول التقرير: سينمو استهلاك الفحم بمعدل 0.6 % سنويا إلى عام 2040 حيث سيكون الفحم ثالث أكبر المصادر للطاقة الأساسية وسيكون نصيبه 20.85 % (بعد البترول 30.6 % والغاز 27 %).
قد يكون معاليه متأثرا بما نشرته صحيفة النيويورك تايمز مؤخرا بتاريخ 10/يونيو/ 2016 عن انخفاض مستوى استهلاك الفحم مؤقتا (أكرر مؤقتا) في أميركا إلى مستويات لم تحدث منذ 35 سنة.
سأختم بملاحظة:
منذ بدء الخليقة بدأ الإنسان البدائي باستخدام الخشب (الحطب بمعناه الواسع) كمصدر للطاقة وحرارة الشمس ومجاري المياه وهبوب الرياح، ولم يستخدم الإنسان الفحم الحجري إلا في بداية عصر الصناعة. ثم استخدم الإنسان البترول والغاز والنووية، وإلى يومنا هذا لازال يستخدم الإنسان نفس المصادر جميعها لم يستغني عن أي مصدر من مصادر الطاقة كالحطب والمخلفات.. فكيف يبلغ بنا التفكير بأنه سيأتي يوم يستغني الإنسان عن البترول أنبل مصادر الطاقة والوحيد الذي تتنوع مُنتجاته التي لا تُعد ولا تُحصى.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
يوسف المحيميد
حينما أرسل الفنان الفرنسي مارسيل دوشامب عمله الفني «المبوله» في عام 1917، إلى جمعية الفنانين المستقلين ليشارك به في معرض الجمعية الفني، وتم رفضه من قبل الجمعية كونه مجرد مبوله جاهزة الصنع من البورسلين، ما جعل دوشامب يستقيل من الجمعية احتجاجًا على موقفها، لم يكن يتوقع أنه دخل بالعالم إلى مرحلة فنية جديدة، بعدما أزاح التركيز من على العمل الفني نفسه كمادة، إلى ما يمثله العمل من أفكار ومفاهيم، لتظهر فيما بعد تجربة الفن المفاهيمي، الذي تم تكريسه في الستينيات من القرن الماضي في الغرب، وانتقل إلى العالم العربي بشكل أسرع من انتقال المدارس الفنية الأكثر قدمًا، حيث استغرق عشرين عامًا فقط، ليظهر في المنطقة نهاية الثمانينيات من القرن الماضي من خلال بعض الفنانين العرب الذين تلقوا دراساتهم الأكاديمية في الخارج.
ورغم الفارق الكبير في الرؤى وكسر المعتاد والمألوف الذي خلقه دوشامب والأجيال اللاحقة في الغرب، إلا أنني تذكرت ذلك حينما قمت بجولة في معرض (تراثنا حبنا) في دورته الثالثة، ورأيت بعض الأعمال الشبابية المجتهدة في المجال المفاهيمي، ومعظمها بسيطة ومتواضعة القيمة، لأن هذا الفن حتى وإن اعتمد على الفكرة والمفهوم، فهو يبحث دومًا عن التفرد والتميز والاختلاف، بل والمفاجأة في تقديم الفكرة، لكن البساطة في سهولة تحويل كل شيء إلى فن، سمحت للجميع بالمبادرة في التقاط الأفكار المرمية على الطريق، الأفكار الجاهزة والعادية، وتمثيلها في أعمال فنية!
أقول ذلك، لأنني أتساءل حول معنى أن يرسل أحدهم «تمرة» للمشاركة في هذا المعرض، ويسمى عمله هذا «جوهرة سعودية»؟ هكذا ببساطة مجرد تمرة، يقوم المشرفون على المعرض بقبولها ووضعها على قماش مخملي، داخل صندوق زجاجي مغلق، وتُقدم باسم الفنان جاسم الضامن، كعمل فني جديد؟
لقد تجاوب المنظمون مع هذه الفكرة، وتساهلوا كثيرًا بقبولها، كما لم يفعل الفنانون الفرنسيون في جمعيتهم برفض عمل مارسيل دوشامب، وهذا سيشجع شباب وشابات كثر بتقديم أي فكرة بسيطة وسطحية في الأعوام القادمة، فلا يكفي الفن المفاهيمي أنه منح لقب فنان لمجرد مفكر، أو صاحب فكرة فقط، ومن غير موهبة، وبمنفذين حرفيين آخرين، وإنما فتح الباب على مصراعيه لتقديم أي فكرة مهما كانت بسيطة وساذجة، ليطلق مرحلة من الفن التسطيحي!
- Details
- Details
- قضايا وأراء
د.عبدالعزيز الجار الله
شهد عام 1428هـ بعض التغيرات في أعضاء هيئة التدريس في الجامعات، بانتقال كليات المعلمين والمعلمات من ملاك وتبعية وزارة التربية والتعليم إلى وزارة التعليم العالي ثم انتقال التبعية إلى الجامعات، وفِي أثناء الانتقال كانت الجامعات السعودية قد أجرت تعديلات كبيرة على ميزات التعليم الجامعي لوقف التسرب من الجامعات، وأعلنت البدلات:
بدل تدريس.
بدل حاسب آلي.
بدل جامعات ناشئة.
بدل ندرة.
فكانت عامل جذب لمعظم الأكاديميين أما في البقاء في الجامعات أو الانتقال من قطاعات عدة وأبرزها وزارة التعليم التي تحتضن الآلاف من الأكاديميين العاملين في وزارة التعليم، هذا الانتقال الجماعي أثر على عمل وعطاء الوكالات وعلى إدارات العموم والإرشاد والتوجيه والإشراف والتخطيط والتطوير خاصة أن هذه الطاقات قد ابتعثتها الوزارة للعديد من لجامعات العالمية بهدف تطوير التعليم والمناهج والخطط الدراسية.
تعرضت وزارة التعليم خلال السنوات العشر الماضية إلى هجرة جماعية من الأكاديميين بحثًا عن فرص وظيفية وتحسين أوضاع، وبعد أن انقضت السنوات العشر استيقظ معظم من هجر وزارة التعليم إلى الجامعات وبخاصة من انتقل إلى الجامعات الناشئة والجديدة أنهم راهنوا رهانًا خاسرًا بعد وقف البدلات: الحاسب، والناشئة، والندرة، وعادت رواتبهم إلى بداية الدخول في وظائف الجامعات، وبالمقابل تحصلت الهيئة التدريسية في وزارة التعليم على التأمين الطبي لهم ولأسرهم وعائلاتهم، مع ضم المدارس النائية داخل المراكز الكبيرة والمدن، أيضًا تحسنت البيئة المدرسية بصورة ملحوظة للجميع.
إذن ليس الاقتصاد لوحده الذي يمر بدورات، فالتعليم العام دخل مثل هذه الدورات، والآن يمر بحالة التشافي عبر تحسين البيئة المدرسية، والتأمين الطبي، ويقابله تراجع في الجامعات من حيث الأوضاع المالية، والإسكان، والعلاج الطبي، وخدمات الصالات الرياضية، والمرافق الاجتماعية وغيرها، وهنا لا بد من تدخل وحلول للمحافظة على أعضاء هيئة التدريس وبقائهم بالجامعات وبخاصة التخصصات الاستراتيجية التي يحتاج إليها سوق العمل مثل الطبية والهندسية والحاسب والطبية التطبيقية وغيرها، التي تذكر الإحصاءات مدى النقص الشديد والحاجة إليها.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
د. أحمد الفراج
عندما ترشح دونالد ترمب للرئاسة، دشّن حملته الانتخابية بالهجوم على اللاتينيين، واتهمهم بأنهم مدمنو مخدرات يرتكبون الجرائم، ووعد ببناء جدار عازل، بين أمريكا والمكسيك، وجدير بالذكر أن الحدود الأمريكية- المكسيكية طويلة، وبالتالي تتسلل مجموعات كبيرة من المكسيكيين لأمريكا، طلباً للعيش الكريم، إذ هناك فارق هائل في مستوى المعيشة بين الجارتين، ويوجد في أمريكا ملايين المكسيكيين، ممن يقيمون بطرق غير شرعية، ولم يكتف ترمب بذلك، إذ وعد بمنع دخول المسلمين إلى أمريكا، وهو وعد صارخ، يتنافى مع القيم الأمريكية التاريخية، ومع طبيعة الولايات المتحدة، ذات الدستور المتسامح، إذ أن أمريكا بذاتها هي عبارة عن تجمع من المهاجرين القادمين من كل مكان في الكرة الأرضية، وإن كان معظمهم قدموا من أوروبا القديمة.
لأجل كل ذلك توقع المعلقون أن لا تنجح حملة ترمب، وخصوصاً أنه سبق أن ترشح بعض المحافظين للرئاسة، وللكونجرس، ولمناصب فيدرالية ومحلية، بأجندات تشبه أجندة ترمب، وسقطوا سريعاً، ولكن ترمب وحده، كان يعلم ما لا يعلم الجميع، فهو لم يترشح، وينفق الجهد والمال عبثاً، وهو التاجر الذكي، ولا شك أنه كان يسير وفق استشارات، مبنية على تحليل علمي دقيق، إذ اتضح أنه كان يدرك حجم الغضب الذي وصلت له شرائح واسعة من المواطنين الأمريكيين، الذين يئسوا من ساسة واشنطن، ووصلوا لقناعة بأن واشنطن تخدم النخب، ولا تقيم وزناً للمواطن العادي، وهذه الشرائح تعتقد بأن مشاكلها الاقتصادية هي بسبب المهاجرين، الذين حازوا على الوظائف، كما أنه تم إقناع هذه الشرائح الغاضبة بخطورة الإرهاب الإسلامي، كما يسميه الإعلام الأمريكي المحافظ في أدبياته.
ترمب ومستشاروه كانوا على علم كامل بحجم الغضب الشعبي على واشنطن، وهذا كان سبب تدشين ترمب لحملته الانتخابية بالهجوم على المهاجرين والمسلمين، ومن ثم مواصلة ذات الخطاب، رغم كل الاعتراضات، لأن ترمب كان يخاطب شرائح محددة، ارتبطت به روحياً، منذ ترشحه للرئاسة، ورأت فيه المنقذ لها من أزماتها الطاحنة، وأنه سيكون السياسي المختلف، الذي لن يخضع للنخب ولوبيات المصالح، وسيعمل لصالح الشعب فقط، ومن يتابع خطابات ترمب في تجمعات أنصاره يلحظ هذا الترابط الكبير بينهما، فقد أصبح القائد الملهم، الذي سيفعل المعجزات، ومن الممكن أن نتخذ ما سبق مدخلاً لفهم معظم تصرفات الرئيس ترمب، لا ضد خصومه وحسب، بل ضد حتى حلفاء أمريكا التاريخيين، وهذا سيكون موضوع مقالي القادم!
- Details
- Details
- قضايا وأراء
سعد الدوسري
منذ أجهزة الصرف الآلي التي بدأت كتطبيقات بنكية منذ حوالي ثلاثين عاماً، لم تطور البنوك خدماتها الآلية أكثر من ذلك، وصارت جهودهم منصبة على كيف يمكن حماية تلك الأجهزة من المخربين واللصوص والهاكرز. ويبدو أن الوقت الذي يضيعونه على الحماية، أنساهم أن المصارف العالمية تطور منتجاتها الخدماتية بسرعة قياسية، وأنساهم أيضاً كيف يستفيدون من هذه المنتجات.
لا يختلف اثنان أن بنوكنا تستفيد من عملائها أكثر مما تفيدهم، وأن عميل البنك في المملكة يعاني معاناة كبيرة في سبيل الحصول على الخدمات التي يستحقها، مقابل إيداعه أمواله في خزينته. والمشكلة أن ما يكتب في هذا الشأن في الصحف الورقية والالكترونية، أو في وسائل التواصل الاجتماعي، لا يعتد به ولا يلقى بالاً من قبل مؤسسة النقد. أي أن نشاط البنوك السعودية يأخذ ولا يعطي، لا من ناحية العملاء أنفسهم، ولا من ناحية الوطن بشموله. ويفترض أن استثمارات فلكية مثل الاستثمارات التي تديرها هذه المؤسسات تنعكس على أرض الواقع في استثمار الموهوبين والمبدعين والمميزين من الشباب والشابات، سواءً في تأهيلهم أو تدريبهم أو ابتعاثهم. في خدمات المجتمع والمسؤوليات الاجتماعية المستدامة، وليست الاستهلاكية الموسمية. في تعزيز وتطوير الثقافة المجتمعية الايجابية في إدارة المال المحدود واستثماره. في كل ما يمكن أن يجعل المستفيدين من البنوك، يشعرون بأن بنكهم جزءٌ منهم، وليس نبتاً طفيلياً يمتص أموالهم.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
د. حمزة السالم
الجاسوس بطل قومه وفخرهم إذا كان تجسسه لهم. وهو أخس وأحقر الخلق إن كان تجسسه على قومه وبلاده. وكذلك هو الانتصار والدفاع عن هذه البلاد ورموزها، أمام الغرباء. والدفاع عن رموز البلاد والانتصار لهم، ليس لشخصهم، بل لمواقعهم التي تمثل رمز البلاد وأهلها.
والعظيم مُستهدف من الحاسد والمُغرض والمحبط. وبلادنا بلاد عظيمة في قدرها ومكانتها ولذا فهي من البلاد المستهدفة بالشتيمة والطعن والإرجاف من الحاسد والمغرض. والحاسد والمغرض والمخرب لا طب يجدي معه، إنما المصيبة التي قد تُستدرك بطب أو كي هي مصيبة القوم في الأحمق والناعق بما يسمع ، الراكض مع قطيع البهائم. فعندما تُشتم أو تتهم بلادنا بتهم السوء من الخيانة والمؤامرة أو يوجه هذا القذف لرمز من رموزها في الخارج على منابر المتحدثين في الإعلام الخارجي أو في مساجد الغرب أو في استراحات المؤتمرات والندوات العالمية العامة، ثم لا ينتصر السعودي لبلاده بالحكمة وبالقول الصارم بما هو قادر عليه، فهذه خيانة وطنية وجبن وضعف ونكران وخسة. فالشريف لا يقبل أن ينال الغريب من أهله وقومه، مهما اختلف معهم أو حسدهم إلا إن يكون قد تبرأ صراحة منهم وأعلن أمام الملأ الحرب ضدهم.
الحلم وسط بين الجبروت والعجز. والكرم وسط بين البخل والتبذير، وهكذا هي غالب مكارم الأخلاق. إلا أن هذه الصفات الحميدة لا يُحمد صاحبها إن أنزلها في غير منازلها. فكما إن إكرام اللئيم أو الحلم عنه يضره ويضر غيره، فكذلك هو إخفاء إحسان المحسن، ما هو إلا من اللؤم والجحود، وأما ذم المحسن بعد إحسانه فهو خسة ودناءة. «وقيدت نفسي في ذراك محبة... ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا».
ومن الناس من لا يحرك ساكنا إمام فحيح المغرضين والمتربصين من الخارج والداخل. إما لبلاده طُبع عليها، وإما خوفا من ألسنة سفهاء الشارع. وغالب هؤلاء السفهاء لا يدرك سوء عمله، فقد اختلط عليه الحسد مع الخلاف في الرأي مع بعض ما يجد من تقصير بلاده لبعض حقوقه أحيانا، ليخلق خليطا من مشاعر الغضب والتسخط يستغله الخبثاء والخونة فيسبكونه في قالب خطابي أو جدالي لنشر الفتنة وتمزيق العلائق الوطنية بين أفراد الشعب وبين رموز البلاد. فيستخفون به السفهاء وقاصري النظر ليجندونهم على الوطن وقادته ورموزه.
ومما يضلل الشارع والسفهاء، بعض المحسوبين على أنهم من رجالات هذه البلاد. الذين يحيدون بلاده إما بالسكوت وإما بإجابات ضبابية تخلق مناخ الإشاعات والأكاذيب. فهذه المواقف التخاذلية هي التي أشعلت اليوم بعضا من هذا الهجوم على هذه البلاد من الأطراف المخالفة والمعادية. وهذا والله هو أقبح الفعل، فما جعل فلانا ذو ذكر بعد كان خاملا إلا هذه البلاد ثم ها هو يعين عليها بصمته، أو بحماقته، فالسكوت إقرار بالمسكوت عنه، فإلى الله المشتكى.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
للروايات أيضا أقدار، فبعضها ينجح وبعضها لا ينجح رغم جودته، وبعضها ينتشر دون ضجيج، والبعض الآخر يولد في الضجيج ويعيش فيه، فيما القليل يحاكم ويلاحق ويمنع من نعمة بلوغ شواطئ الأمان فيبتر حظه مع حبله السري لحظة ولادته، ويذكر أنّ البعض الآخر يبعث بقدرة القادر من المقابر حيا، بعد عشرات وأحيانا مئات السنين من موت مؤلفيها.
أمّا حظ روايات الزيواني فلا أعرف تحديدا كيف يكون، لكن من غرابة أقدارها أني لا أقرأها إلا فوق الغيوم، على ارتفاع آلاف الأميال فوق سطح الأرض.
فقد شاءت الصدف أن أقرأ له روايتين في الأجواء. قرأت روايته "مملكة الزيوان" وأنا عائدة من الجزائر إلى بيروت، حين أهدانيها في اللحظات الأخيرة قبل مغادرتي فندق الشيراتون بالعاصمة، والذي استضاف عددا كبيرا من الكتاب والشعراء على هامش الصالون الدولي للكتاب. كان حديثنا المقتضب ذا نكهة لا توصف وهو يعرّفني بنفسه كأكاديمي يشغل منصب أستاذ في جامعة أدرار في عمق الصحراء الجزائرية ويختصر محتوى روايته بإيجاز بليغ.
حين حلّقت بي الطائرة، فتحت الرواية ودخلت المملكة السّاحرة التي أسس لها الزيواني الأسمر بمتانة وإتقان، وزيّنها بكل عناصر الإدهاش بدءا باللغة الفائقة الجمال، إلى الشخصيات البديعة التي تسكن الصحاري ونحن أهل الشمال نجهلها تماما.
خلال أربع ساعات من الطيران قرأت نصف الرواية ونبتت لي أجنحة فأصبح من الصعب أن أحط على الأرض. حلّقت في أجوائها حتى أنهيتها فجر اليوم التالي وعشت تفاصيل شغف عجيب شدني إليها كلما تقدمت نحو النهاية. كان هذا قبل سنتين، وقد شاءت الأقدار أن أعيش شيئا مشابها مع روايته الثانية "كاماراد" (والكلمة تعني بالفرنسية الرّفيق) بحثت عنها حين زرت الجزائر مؤخرا، ولأني لم أوفق في إيجادها، أوصيت صديقي الكاتب نور الدين لعراجي ليحضرها لي، ولم يتمكن من فعل ذلك إلا قبل أن تطير طائرتي نحو القاهرة بنصف ساعة، ركض وهو يحمل الرواية ويتوسل رجال الأمن والجمارك لإيصال الرواية لي، سلّمها لي أمام البوابة رقم 25 قبل صعودي الطائرة وهو يتصبب عرقا وقد انقطعت أنفاسه.. سامحني الله على فعلتي هذه..!
الغرابة أتت فيما بعد حين تكرر السيناريو نفسه، ففتحت عوالم الزيواني وأنا فوق الغيم، وكأن تلك العوالم لا يمكن بلوغها إلا بأجنحة، ولا يمكن إدراكها إلاّ حين تعلو الذات القارئة عن قفار تبتلعنا بخوائها، وتسمو بالنّفس عاليا حيث تكتمل الرؤى من فوق فتتوضّح أهوالنا ومآزقنا ودروب متاهة عيشنا.
وكلّما اقشعرّ بدني إثر قراءتي لتوصيفاته البارعة وفضاءاته الروائية البديعة أدعو له بمزيد من النجاح والتألق متأمّلة أن يقبل دعائي وأنا بين السماء والأرض.
رحلة الحيف والضياع في روايته "كاماراد" تنطلق بنا من النّيجر وهو فضاء مكاني منسي لدى الكتاب باللغة العربية، لكن الزيواني أبلج بقلمه على تلك الرقعة المنزلقة من خارطة العالم، ومن هناك جعلنا نعيش رحلة الهروب من وهج الشمس إلى ضفاف الجنّة الأوروبية..
هل يمكنكم تخيل نهاية تلك الرحلة؟
وحدها الرواية تجيب، في 363 صفحة، وبنهاية لا يمكن توقعها، أبدع مؤلفها "الصِّدِّيق حاج أحمد" في نسج تفاصيلها؛ فقط للتذكير الرواية صادرة عن دار فضاءات بالأردن.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
المجلات القضائية والقانونية والفقهية هي الميدان الأمثل والساحة التي تجمع الباحثين من الأكاديميين غير الممارسين للقضاء والمحاماة، بالقضاة والمحامين من غير الأكاديميين، فيفيد كلٌ منهما من الآخر، ويمدّ أحدهما الآخر بما نقصه، إذ غالباً ينقص الأكاديمي الجوانب التطبيقية، وينقص الممارس الجوانب التأصيلية النظرية..
تعتبر المجلة العلمية التي تعنى بنشر الأبحاث المتخصصة في مجال من مجالات العلم بعد أن تمرّ هذه الأبحاث والمقالات بعملية تحكيم من قبل المتخصصين في نفس المجال، رافداً من أهم الروافد التي يعتني الباحثون والمتخصصون في مجالات العلوم المختلفة بمتابعتها واقتنائها والمشاركة في أبحاثها.
ولما لهذه المجلات العلمية من أهمية كبرى فإنها تكون محل عناية خاصة للجامعات والمجاميع العلمية والمنظمات والهيئات، إصداراً، وتنظيماً، وجمعاً لأعدادها في مجلدات تزود بها المكتبات ويسعى لاقتنائها المهتمون بها. وفي دول الغرب تجد هذه المجلات عناية أكبر بكثير من عالمنا العربي الذي لا يجد البحث العلمي فيه عناية واهتماماً كما هو عليه في الغرب.
وفي مجال القضاء والقانون والشريعة فإن لمثل هذه المجلات أهميتها الخاصة التي قد لا يشابهها غيرها من فروع العلم والمعرفة، ولعل من أبرز أسباب ذلك ما يلي:
أولاً: أن هذه المجلات -خاصة في دولة مثل المملكة التي تعتمد الشريعة الإسلامية مصدراً وحيداً للقضاء والفتوى- من أفضل الوسائل لتوفير الرأي العلمي المتخصص في المسائل المستجدة التي تكون البحوث الفقهية والشرعية فيها أسبق من الفتوى الرسمية، ومن جهود التأليف العادي، في تناول أحكام النوازل والمستجدات، وإمداد القضاة والقانونيين بالتصور الأولي والأساسي الذي يعينهم على فهم وإدراك طبيعة المسألة المستجدة، والتكييف الشرعي الأليق بها.
ثانياً: أن المجلات القضائية والقانونية والفقهية هي الميدان الأمثل والساحة التي تجمع الباحثين من الأكاديميين غير الممارسين للقضاء والمحاماة، بالقضاة والمحامين من غير الأكاديميين، فيفيد كلٌ منهما من الآخر، ويمدّ أحدهما الآخر بما نقصه، إذ غالباً ينقص الأكاديمي الجوانب التطبيقية، وينقص الممارس الجوانب التأصيلية النظرية. وبالتقاء هؤلاء في مجلة واحدة تضيق الهوة بين ميدان التطبيق وميدان التنظير.
ثالثاً: أن هذه المجلات المتخصصة طالما أسعفت القضاة على وجه الخصوص في توفير مصدر موثوق يمكنهم النهل منه فيما يواجههم من قضايا تحتاج وقتاً لبحث مسائلها، دون أن يكون لديهم الوقت الكافي لهذا البحث، ولا الأعوان المؤهلون للقيام به، ولا المصادر المتوفرة بطريقة يسهل الوصول إليها.
وفوائد المجلات العلمية لا تقتصر على ذلك؛ إنما هي من أهم المصادر التي توفر للباحثين ما يحتاجون إليه من مواضيع البحث العلمي في ميدان القضاء والفقه الإسلامي والقانون الوضعي، إذ كثيراً ما يجد الباحث مواضيع جرى تناولها في المجلات القضائية والقانونية المتخصصة، لم تصل إليها بعد جهود المؤلفين ولا الرسائل العلمية في الجامعات.
كما أن هذه المجلات تكاد أن تكون هي الميدان الوحيد الأمثل الذي يجري فيه دراسة الأحكام والاجتهاد القضائية ونقدها وتحليلها، ونشر الوعي الحقوقي في صفوف الناس.
وكثيراً ما نجد إحدى الجامعات أو الوزارات في الوطن العربي عامة تعتبر من مفاخرها ومصدر اعتزازها أنها أتحفت المكتبة العلمية بمجلة علمية محكّمة دأبت على إصدارها عقوداً من الزمان، يصل في بعضها إلى مئات السنين.
وإن مما يؤسف له أننا بعد أن استبشرنا بقيام وزارة العدل في المملكة على إصدار مجلتين من أهم وأقوى المجلات المتخصصة في القضاء والقانون، هما مجلة (العدل) ومجلة (القضائية) وتلقفها المتخصصون بفرح وحرصوا على المساهمة فيها واقتنائها، نفاجأ مؤخراً باحتجاب هاتين المجلتين وتباطؤ الوزارة في إصدارها، الأمر الذي أزعج القضاة والمتخصصين في الفقه والقانون جميعاً، وحرمهم رافداً من أهم روافد المعرفة والبحث في مجالهم، خاصة مع خلو الساحة في المملكة من مجلات مماثلة يمكن لها أن تسدّ هذا الفراغ الكبير.
وما زال لدينا أملٌ كبيرٌ أن تعود هاتان المجلتان لسابق عهدهما من التألق والاهتمام بهما، واستقطاب خيرة الباحثين الذين تزخر بهم الساحة في المملكة، وتحتاج إلى نتاجهم العلمي حاجة ماسة.
والحمد لله أولاً وآخراً.
- محامٍ وقاضٍ سابق بديوان المظالم
- Details