قضايا وأراء
- Details
- قضايا وأراء
محمد آل الشيخ
لأنه إنسان عصابي تشرب الغلو والتطرف منذ نعومة أظفاره، وتسيطر عليه رغبة جنسية جارفة لا يستطيع أن يتحملها تجاه أنثوية المرأة، فرض هذا العصابي المتطرف على المجتمع فقهاً لا يمكن أن يصدر إلا عن مريض نفسي ينطلق من الشك بالمرأة، وانتقى من الأدلة والشواهد ومقولات بعض الغلاة من الفقهاء ما يتلاءم مع عقده النفسية المرضية، فأصبح وجه المرأة عورة لأن وجهها يثير شهوته الغرائزية، لذا يجب أن تتنقب ولا تبدي وجهها وإن أبت يطلقها، كما أن عطر المرأة يثير غرائزه الجنسية التي لا يستطيع مقاومتها، وزمالة المرأة في العمل مدعاة أكيدة لديه لأن يقيم معها علاقة محرمة، وهو ينظر إلى المرأة أنها أولاً كائن شهواني على غراره، مثلما أنه لا يستطيع كبح سعار جماح شهواته، فهي أيضاً وفي المقابل لا تستطيع أن تكبح جماح شهواتها، فتستسلم لنزواتها الجنسية مثلما يستسلم هو لنزواته وشهواته، فالعزل إذاً هو الحل.
من هذا الطرح الذي ينطلق من أن المرأة والرجل في مجتمعاتنا دونما أخلاق ودونما قيم، وذوو شهوات بهيمية انفعالية، لا يربطهما ببعض إلا رابط الشهوة الجنسية، تمَّ عزل مجتمع الرجال عن النساء في مجتمعنا، وبقيت المرأة -كما يقولون- (جوهرة مكنونة) لكنها محبوسة في صندوق من فولاذ، بمجرد أن تخرج منه فإنها ستغري اللصوص والشهوانيين للسطو عليها ونهبها، والنيل من شرفها.
العالم أصبح اليوم مجتمعاً واحداً، يسعى إلى قيم المساواة ويرفض أن ينال الرجل من حقوق المرأة الإنسانية؛ سيما ونحن على مشارف عصر تتولى فيه المرأة زمام السلطة في مجتمعات الغرب المتفوقة حضارياً, فالمجتمع الألماني تقف على رأس السلطة فيه امرأة، والمجتمع البريطاني كذلك بعد أن اكتسحت تيريزا ماي الرجال، وتولت رئاسة الحكومة، كما أن الولايات المتحدة وهي أقوى قوة على وجه الأرض اقتصادياً وعسكرياً - تقول كل المؤشرات أنها ستكون امرأة، بعد أن أصبحت السيدة هيلاري كلينتون مرشحة الحزب الديمقراطي، وأصبحت كما تقول الأرقام الإحصائية الصادرة عن مؤسسات قياسات ورصد الرأي. هي الأقرب لأن تكون أول امرأة تتولى رئاسة أقوى دولة في العالم؛ بمعنى أن القوى الثلاث الأعظم تتولى فيها المرأة إدارة وتصريف شؤونها؛ ومن يظن أن هذه الإنجازات التي تحققها المرأة على مستوى العالم، خاصة وأن الدول الثلاث حلفاء إستراتيجيين لنا، وأنها لا تعنينا، ولن تنعكس تبعاتها على وضع حقوق المرأة في بلادنا، فهو في رأيي إما جاهل أو مغالط ومكابر؛ فالعالم اليوم أصبح فيه القوي سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، يفرض على الضعيف قيمه الحضارية، خاصة فيما يتعلق بحقوق الإنسان، وحقوق المرأة بالذات، فكيف إذا كانت المرأة ذاتها هي من يتولى السلطة في تلك الدول الثلاث التي تعتبر الأقوى في العالم؟ وإلا أصبحنا كإيران -مثلاً- نعيش في عزلة عالمية أنهكتها وأنهكت قواها في مختلف المجالات؛ ولا أظن أن عاقلاً سيتخذ من النهج الإيراني له قدوة، ويحذو حذوه. لذلك لا بد مما ليس منه بد، وأن نتماهى مع القيم العالمية، ونسعى من الآن للاستعداد لهذه المرحلة المستقبلية، التي سيصبح فيها عزل المرأة وإقصاؤها وتحكم الرجل في حقوقها، شؤوناً لا يمكن أن يتقبلها عالم اليوم.
إلى اللقاء..
- Details
- Details
- قضايا وأراء
سعد الدوسري
كتبت عنها عدد من المجلات النسائية، لكن ما كُتب لا يفي ربما بحجم إنجاز تلك الشابة التي كانت تطمح لدراسة الطب، ولكن شقيقتها «شيهانة» اكتشفت موهبتها الفنية في طفولتها، وقامت باستثمار موهبتها في مجال فن العمارة، فالتحقت بكلية الهندسة في بريطانيا بجامعة مانشستر، وأصبحت مديرة مشاريع منطقة الشرق الأوسط بشركة «رافايل دي لا هوس» في إسبانيا، وهي في عمر الـ 23 عاما.
شهد هي الوسطى بين أخواتها، ترعرعت وسط أسرة محبة للعلم والاطلاع على مختلف الثقافات، واحترام الذات وتقبل الآخر، فقد كان والدها الصحفي والمصور الفوتوغرافي صالح العزاز، رحمه الله، يتنقل بهم من درس الإتيكيت على مائدة الطعام، إلى رحلة ربيع في الصحراء لجمع الفقع ولالتقاط الصور المميزة. وهي لا تفتخر بنفسها بقدر ما تفتخر ببلدها، كونها تمثله في البلد التي تقيم به وفي شركتها التي تعمل بها. ومن وجهة نظرها، فإن المرأة السعودية قادرة على أداء أي عمل وامتهان أية مهنة، وما أثبتته المرأة السعودية وحققته من إنجازات يؤكد أنه ليس هناك فرق بين الرجل والمرأة، إلا بما ينجزه كل منهما بكفاءة، وأن العوائق التي نجدها أمام عمل المرأة هي من صنع البشر، والمرأة السعودية المتعلمة الواعية تستطيع أن تحصل على الكثير من حقوقها، وعلى المجتمع ألا يضع العقبات أمام مسيرتها، وأن يمكّنها من ممارسة حقها في التعليم وحقها في العمل، وهذه أبسط الحقوق الإنسانية، وفي بعض الأمور ينقص المرأة السعودية، حسب شهد، حرية الاختيار.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
د.ثريا العريض
الثقافة ليست مجرد القدرة على القراءة و الكتابة فتلك تقف عند تجاوز الأمية.
الثقافة هي أسلوب حياة . هناك ثقافة جمود, و ثقافة نمو و بناء, و ثقافة حياة و ثقافة تحجر و موت حضاري بطيئ أو سريع. الثقافة البانية للحضارة تتسم غالبا بحرية إضافة الجديد, و استيعاب إضافاته في التراكم المعرفي و البناء المتواصل. وإضافة الجديد لا تقف عند تقليد مستجدات الآخرين, بل تعني أيضا توالد إبداع منبعه الذات و البيئة و مستجداتها.
و الثقافة كأسلوب حياة يتبناه أي مجتمع بشري يحدد العلاقة التبادلية المعرفية و الحراك الفكري بالإبداع و التعبير بكل اللغات التعبيرية التي عرفتها البشرية منذ بدأ إحساس البشر بقدرة التواصل عبر التعبير المقنن .
السؤال ماذا نعني بـ «الثقافة» في مجتمعنا بالضبط, يتبادر إلى الذهن حين نقف لنتأمل مؤسساتنا الثقافية الرسمية تحت مظلة وزارة الإعلام والثقافة و مظلة وزارة التعليم و هيئة السياحة و التراث, و إطار حياتنا العامة , و ما يحكم أو نجح في التحكم في تفاصيلها لتنشيط جوانب منها أو شل مفاصلها في العقود الأخيرة.
حتى عهد قريب كان الأمر واضحا أن الثقافة عندنا نخبوية محدودة عدديا, وشبيهة جدا ببدايات مؤسسات الثقافة الحديثة في الغرب: تسارع التأليف و الترجمة و اهتمام بالمتاحف و التراث و احترام جذور الأصالة و معالمها بالإضافة إلى نشر التعليم.
تحت مظلة وزارة الإعلام والثقافة يقع كل ما يتعلق بالنشاط الثقافي المحلي: الأندية الأدبية و جمعية الثقافة و الفنون و معارض الكتاب. الأندية الأدبية في مدننا الكبرى تكاد تركز على كل ما يتعلق بالكلمة المكتوبة وتشترط أن يكون لأعضائها صلة بالتأليف إبداعا و نقدا ومتابعة للمستجد في العلوم والترجمة. أما جمعية الثقافة والفنون و فروعها في المناطق فهي ساحة أشمل نطاقا و تغطي الفنون التشكيلية كالرسم و النقش و التصوير والنحت و الإبداع الحرفي و التكوينات و المسرح والتصوير الضوئي والسينما, إلى جانب الإبداع اللغوي و التأليف .
ومع توسع وانتشار التعليم وتراجع الأمية لم تعد النخبوية الثقافية محصورة في القارئين والمتعلمين في الخارج. و كل مؤسسات الدولة ساهمت بتبني النشاطات المثرية ثقافيا كالمهرجانات والمعارض, وكذلك بإتاحة فرص المشاركة في الأنشطة و المهرجانات العربية والدولية.
في العقود الأخيرة وبظهور حراك مواز تحت مسمى «الصحوة» تسارعت جهود «حماية هوية المجتمع» تحت مظلة الأسلمة بما في ذلك مؤسساته الثقافية سواء في مؤسسات التعليم أو الثقافة و الإعلام, وبدأت ضغوط توجه متنامٍ لاحتكار التحكم في تفاصيل وروافد النشاطات لمنع روافد الثقافات «الخارجية» من التأثير في التراكم الثقافي المحلي.
باختصار كان توجها لحصر المسموح به من النشاطات في ما يسمح به الطامحون للتحكم غير المعترف به رسميا والمتنامي فعليا في غياب المتابعة و المحاسبة على التجاوزات الفكرية و المغالاة في التراجع من ثقافة « الحياة» إلى ثقافة «الموت».
بدأ التوجس و التخوف من نتائج ثقافة الغلو حين أوصلنا تنامي ممارسة التطرف والإقصاء الى التكفير و شق المجتمع و تهميش الانتماء وحصره فقط في الانتماء الفئوي المذهبي و بتر علاقته بالوطن.
لم تعد الثقافة مجرى مغذيا لتوالد الإبداع, بل بدأت تتراجع الى ركود مستنقع تتوالد فيه الطحالب و الطفيليات و سموم تتضاعف مفعولا حتى أصبح قتل القريب الحميم مفتاحا لولوج جنة ما بعد الاغتيال والانتحار.
من هنا أصبح مصيريا أن يطهر المجتمع ثقافته من سموم شر الغلو, ويحررها للنمو فكريا ومعرفيا و إبداعيا. لا نمو مع التقييد وحجر التجديد.
و سأعود معكم لمتابعة مبادرات التحول ثقافيا, رسميا و مجتمعيا.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
- Details
- Details
- قضايا وأراء
- Details
- Details
- قضايا وأراء
- Details
- Details
- قضايا وأراء
- Details
- Details
- قضايا وأراء
د.عبد الرحمن الحبيب
أثناء مناقشة المحلل لإطلاق النار في دالاس، قاطعه المذيع بخبر مذبحة نيس، فحور موضوعه مرتبكاً، ثم قاطعه مجدداً بمحاولة انقلاب بتركيا، فصار يتخبط.. عالم سريع التغير غير قابل للتوقع وخارج عن تفكيرنا المألوف، والأخطر أنه خارج عن السيطرة المعتادة.
لا تدري هل تتابع الأحداث المتتالية المتلاطمة التي تهز العالم، أم التقلبات السياسية بالدول المستقرة، أم مثل مئات ملايين البشر تلاحق بوكيمون الذي سنلاحقه في نهاية المقال؟
أما البداية فمن أمريكا: تاجر العقارات الملياردير ترامب ممثل اليمين الشعبوي صار مرشحاً جمهورياً للرئاسة، وكان يقابله في اليسار الاشتراكي ساندرز مرشحاً ديمقراطياً كاد يهزم هيلاري كلينتون ممثلة الوسط.. وفي بريطانيا صارت اليمينية تيريزا ماي رئيسة وزراء وبوريس جونسون الأكثر يمينية وشعبوية صار وزيراً للخارجية يقابلهما زعيم حكومة الظل في اليسار الاشتراكي كروبين.. كذلك الحال في فرنسا وإيطاليا وأسبانيا واليونان.. فإما يمين شعبوي أو يسار اشتراكي.. فأين الوسط؟
الوسط يتلاشى والمؤسسات السياسية العريقة تتدهور.. قال جورج بوش قبل أيَّام: «أشعر بالقلق من احتمال أن أكون آخر رئيس جمهوري أمريكي» ملمحاً للمستقبل المظلم لحزبه حيث عدد من كبار الجمهوريين قاطعوا مؤتمر الحزب لترشيح ترامب. كذلك خارج العالم الغربي.. خذ مثلاً الهند أكبر ديمقراطية في العالم ومجتمعها المتسامح تاريخياً، فاز الشعبوي اليميني ناريندرا مودي بانتصار ساحق قبل سنتين تحت قيادة حزبه الهندوسي المتشدد بهارتيه جنتا.. ومودي كان متهماً من منظمات حقوقية بتشجيعه أعمال العنف الدينية في غوجارات، وقاطعته أمريكا وأوروبا على مدى عقد قبل أن تستأنف الاتصالات معه مؤخراً!
وفي تركيا ما أن تفاجأنا بالتحولات التي عملها أردوغان بالتطبيع مع إسرائيل ثم روسيا ثم أرادها مع سوريا، حتى باغتتنا محاولة انقلاب فاشلة وكنا ظننا أنها ودعت الانقلابات العسكرية؛ فتفاجأنا بتداعياتها غير العسكرية. صار عالمنا يخوض انقلابات غير عسكرية من شرق آسيا، ومن قلاقل شرق أوروبا وجنوبها، إلى أمريكا الجنوبية وما بينهما النزاعات المستشرية في الشرق الأوسط التي جعلت من الربيع العربي بؤساً عالمياً حين تمكنت عصابة اسمها داعش من تأسيس دولة هزت العالم بذئابها المنفردة.
فما الحكاية؟ ربما الحكاية تكمن في كلمة واحدة: الخوف! الناس تخاف من التغير المفاجئ الذي قد يؤدي لفقد الهوية والأمان، رغم أنه ليس كل التحولات المفاجئة سيئة، إنما قادة التيارات الشعبوية تستثمر قلق الجماهير بشعارات فاقعة متطرفة غايتها الجنة لكنها تنتهي بالجحيم!
لو أردنا أن نفصِّل الحكاية قد نجدها بطرح المفكر زيجمونت باومان بنظريته «الحداثة السائلة»، أي العالم في حالة سيولة: طريقة في الحياة يتم خلالها إعادة تشكيل مستمرة للعالم بطرق مفاجئة وعالية المجازفة.. تترابط فيها خمسة تطورات:
أولها أن الدولة الوطنية لم تعد الهيكل الحامل الأساسي للمجتمع، فالحكومات الحالية صار لديها نفوذ أقل بكثير لتقرير الأحداث داخل وخارج البلد.
الثاني، العولمة الرأسمالية التي فرخت الشركات متعددة الجنسية مسببة اللامركزية في سلطات البلدان؛ وإعادة هيكلة المؤسسات وتقليص عدد العاملين وكثرة التنقلات الوظيفية داخل البلد وبين البلدان أربك الاستقرار الاجتماعي.
أما الثالث فهو التقنية الإلكترونية، فالإنترنت هيأ وسائل الاتصال لتدفق المعلومات. لم تعد مؤسسات الدولة متفوقة على الأفراد والجماعات في المعلومات، فصار لهؤلاء خياراتهم التلقائية العشوائية.
الرابع هو أن المجتمعات أصبحت منشغلة بالمخاطر الأمنية.
وأخيراً، تنامي الهجرة بحدة أسهم في تغيرات الحياة اليومية للمجتمعات.
المحصلة أن البنى الاجتماعية التقليدية تتفكك وهويات الأفراد تتفكك معها على المستوى الذاتي والوطني.
الآن، العولمة تهز مجتمعات العالم اقتصادياً من تحت فتهتز أكثر من فوق بتقلبات سياسية تتخللها حوادث عنيفة تصل إلى أقصى ما تعرفه الهمجية.. والجسم الاجتماعي للقوميات يترنح يميناً ويساراً غير قادر على الاستقرار حول الوسط.
ترامب يقول إنه سيقود أمريكا ضد العولمة نحو الأمركة، فهل ينجح دعاة التشدد والانعزال في استثمار القلق الأمني والخوف على الهوية الذي يعتري الشعوب ويستميل عواطفها، أم أن الشعوب تمر بمرحلة تغير انتقالية وستدرك لاحقاً مصالحها الفعلية نحو عالم منفتح ومتسامح متوجهاً نحو التوحُّد؟ فإضافة للهياكل السياسية التي تضم دول العالم رغم ما يعتريها من خلل كهيئة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الاقتصادية، فثمة هياكل تجمع دول العالم كالمنظمات الدولية للصحة والغذاء والصناعة والزراعة توحد معايير العالم في شتى النواحي المادية.. وأيضاً في النواحي المعنوية تجد اتحادات عالمية رياضية وثقافية وعلمية وحقوقية وبرلمانية تضع أرضية من الأفكار المشتركة بين شعوب العالم. الميزان العقلاني البعيد عن العواطف يرجح الخيار الثاني.
ما بين الخيارين اندلع ضمن المفاجآت هوس يجمع العالم في بوكيمون.. فرغم أنه غير متوافر في كثير من الدول لكن تم الوصول إليه بطرق تقنية ملتوية.. مئات الملايين يلاحقونه، تفوق عددهم عدد مستخدمي تويتر.. وحطمت شركته نينتيندو الرقم القياسي لعدد الأسهم المتداولة في يوم واحد بتاريخ بورصة طوكيو، وفي ظرف أسبوعين بلغت إيراداتها نحو 40 مليار دولار وأرباح بحوالي 20 مليار دولار! عالم يتشقلب، بوكيمون آخر شقلباته ولكن ليس الأخير.. ولذلك مقال آخر.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
عبدالعزيز السماري
كانت احتفالية بعض رموز التيار الديني المسيس صاخبة بفشل الانقلاب التركي، برغم من علمانية الدولة، وبرغم من مخالفة ذلك لأطروحاتهم السياسية والثقافية السابقة، فالعلمانية كانت وما زالت في فتاويهم في حكم الكفر والإلحاد، فما الذي تغير في نظرتهم لها بعد عقود من تكفير الحكام العرب والمثقفين الذين كانوا يطالبون بها كحل سياسي لبعض الدول التي تتمزق من الداخل.
ليس الغرض أن أخوض في الشأن التركي مرة أخرى، لأنه يخص دولة أخرى، والشعب التركي قال كلمته وانتهى الأمر، لكن أود أن أخوض في الشأن العربي المتمزق الذي أصبح يهدد استقرارنا، بسبب الحروب الأهلية والصراع بين الإسلاميين الذين يريدون إعادة دولة الخلافة في العراق والشام ومصر وليبيا والجزيرة العربية، وبين الذين يؤمنون بفلسفة الدولة المدنية، على ألا تكون هناك صبغة طائفية للوطن.
الخلافة فكرة طارئة سرقتها بعض العقول من فكرة البابوية في القرون الوسطى، ولا يوجد في الإسلام نص يجعل من الحاكم خليفة لله عز وجل على وجه الأرض، ولكن الإنسان بمختلف أطيافه وأجناسه وجذوره هو الخليفة في الأرض، وعليه مسؤولية عمارتها والمحافظة عليها، وليس تدميرها، وفيه نهي عن القتل والتدمير وحث على البناء والتعمير..
إخوتنا عرب الشمال في العراق وسوريا يتمزقون ويتعرضون لمؤامرة إن شئت، أو لجهالة من أطيافهم السياسية والطائفية، ولا بد من اختراق ذلك الدمار والهلاك الذي يعصف بديار العرب في الشمال، ويكون بخروج المؤثرين على الأرض العربية من مختلف الأطياف، بحل جامع يُقدم للجميع، أشبه بالحل التركي الذي أصبح مثالاً للقوة، ومثارًا للتمجيد من قبل أطيافهم ورموزهم، لاستقراره ومناعته.
كان العرب في الموعد عندما تعرضت دولة لبنان لحرب أهلية مدمرة، وكان الحل نسبيًا أفضل من القتال، لكنه مع ذلك أبقى البارود في حالة تأهب للانطلاق مرة أخرى، وإن أرادوا أن يتجاوزوا هذه الحالة فلا بد من الحل التركي، الذي أثبتت الأيام مناعته ضد التمزق الداخلي، الذي عادة لا ينتهي إلا بالدمار والخراب، إِذ لا يمكن لأي طرف أن ينتصر ويحكم الآخرين بقوة السلاح، ولكن من خلال آلية التنظيم السياسي العادل.
مرحلة فرض الأمر الواقع مرحلة بدت في الأفول من العالم الحديث، ولا بد من التوافق بين فئات المجتمع باختلاف أطيافها على نظام سياسي متفق عليه من الجميع، ويكون أشبه بالآلية التي تنظم تداول السلطة فيما بينهم، وعلى أبناء العراق أن يدركوا أن الطائفية أشبه باللغم السياسي الذي يفجر الأوطان، الحل يكون بإخراج الطائفية والعرقية من التنظيم السياسي، وما فعله الأمريكان في العراق كان غرضه التدمير لهذا البلد العربي الجميل.
يُدرك رموز التيار الديني السياسي بمختلف رموزهم أن تركيا لن تتبدل أحوالها، فالعلمانية حل لن يتنازل عنه الشعب التركي، ولو حاول أيا كان أن يؤسلم تركيا على طريقة المنهج السلفي التقليدي لاندلعت في تركيا حرب أهلية لا تبقي ولا تذر، السبب أن ما يُطلق عليه بالطريقة السلفية في الحياة قد تكون خيارًا فرديًا، لكن لا يمكن أن تطبق على الجميع بالإكراه، وذلك لأن التنوع والاختلاف فطرة إنسانية محضة، كما أن ما يُطالبون بتطبيقه يتعارض كلية مع وعي وتطور الإنسان في حياته الدنيا..
لهذه الأسباب سننتظر من السياسيين العرب كلمتهم في حل جامع لحالة الدمار في الشام، وأن يتعلموا من تجربة أردوغان نفسه، وذلك عندما خرج من حزب أربكان الأصولي، وأسس لحزب جامع لمختلف أطياف وطوائف المجتمع التركي، ولكن الأهم أن يتوصل علماء الدين المؤثرين والثقات من الطائفتين السنية والشيعية، إلى إخراج فتوى موجهة لأهل الشام والعراق، تحثهم على استنساخ التجربة التركية، قبل فنائهم عن بكرة أبيهم في مستنقعات الدم وأجواء البارود، والله المستعان..
- Details