قضايا وأراء
- Details
- قضايا وأراء
د.ثريا العريض
الثقافة ليست مجرد القدرة على القراءة و الكتابة فتلك تقف عند تجاوز الأمية.
الثقافة هي أسلوب حياة . هناك ثقافة جمود, و ثقافة نمو و بناء, و ثقافة حياة و ثقافة تحجر و موت حضاري بطيئ أو سريع. الثقافة البانية للحضارة تتسم غالبا بحرية إضافة الجديد, و استيعاب إضافاته في التراكم المعرفي و البناء المتواصل. وإضافة الجديد لا تقف عند تقليد مستجدات الآخرين, بل تعني أيضا توالد إبداع منبعه الذات و البيئة و مستجداتها.
و الثقافة كأسلوب حياة يتبناه أي مجتمع بشري يحدد العلاقة التبادلية المعرفية و الحراك الفكري بالإبداع و التعبير بكل اللغات التعبيرية التي عرفتها البشرية منذ بدأ إحساس البشر بقدرة التواصل عبر التعبير المقنن .
السؤال ماذا نعني بـ «الثقافة» في مجتمعنا بالضبط, يتبادر إلى الذهن حين نقف لنتأمل مؤسساتنا الثقافية الرسمية تحت مظلة وزارة الإعلام والثقافة و مظلة وزارة التعليم و هيئة السياحة و التراث, و إطار حياتنا العامة , و ما يحكم أو نجح في التحكم في تفاصيلها لتنشيط جوانب منها أو شل مفاصلها في العقود الأخيرة.
حتى عهد قريب كان الأمر واضحا أن الثقافة عندنا نخبوية محدودة عدديا, وشبيهة جدا ببدايات مؤسسات الثقافة الحديثة في الغرب: تسارع التأليف و الترجمة و اهتمام بالمتاحف و التراث و احترام جذور الأصالة و معالمها بالإضافة إلى نشر التعليم.
تحت مظلة وزارة الإعلام والثقافة يقع كل ما يتعلق بالنشاط الثقافي المحلي: الأندية الأدبية و جمعية الثقافة و الفنون و معارض الكتاب. الأندية الأدبية في مدننا الكبرى تكاد تركز على كل ما يتعلق بالكلمة المكتوبة وتشترط أن يكون لأعضائها صلة بالتأليف إبداعا و نقدا ومتابعة للمستجد في العلوم والترجمة. أما جمعية الثقافة والفنون و فروعها في المناطق فهي ساحة أشمل نطاقا و تغطي الفنون التشكيلية كالرسم و النقش و التصوير والنحت و الإبداع الحرفي و التكوينات و المسرح والتصوير الضوئي والسينما, إلى جانب الإبداع اللغوي و التأليف .
ومع توسع وانتشار التعليم وتراجع الأمية لم تعد النخبوية الثقافية محصورة في القارئين والمتعلمين في الخارج. و كل مؤسسات الدولة ساهمت بتبني النشاطات المثرية ثقافيا كالمهرجانات والمعارض, وكذلك بإتاحة فرص المشاركة في الأنشطة و المهرجانات العربية والدولية.
في العقود الأخيرة وبظهور حراك مواز تحت مسمى «الصحوة» تسارعت جهود «حماية هوية المجتمع» تحت مظلة الأسلمة بما في ذلك مؤسساته الثقافية سواء في مؤسسات التعليم أو الثقافة و الإعلام, وبدأت ضغوط توجه متنامٍ لاحتكار التحكم في تفاصيل وروافد النشاطات لمنع روافد الثقافات «الخارجية» من التأثير في التراكم الثقافي المحلي.
باختصار كان توجها لحصر المسموح به من النشاطات في ما يسمح به الطامحون للتحكم غير المعترف به رسميا والمتنامي فعليا في غياب المتابعة و المحاسبة على التجاوزات الفكرية و المغالاة في التراجع من ثقافة « الحياة» إلى ثقافة «الموت».
بدأ التوجس و التخوف من نتائج ثقافة الغلو حين أوصلنا تنامي ممارسة التطرف والإقصاء الى التكفير و شق المجتمع و تهميش الانتماء وحصره فقط في الانتماء الفئوي المذهبي و بتر علاقته بالوطن.
لم تعد الثقافة مجرى مغذيا لتوالد الإبداع, بل بدأت تتراجع الى ركود مستنقع تتوالد فيه الطحالب و الطفيليات و سموم تتضاعف مفعولا حتى أصبح قتل القريب الحميم مفتاحا لولوج جنة ما بعد الاغتيال والانتحار.
من هنا أصبح مصيريا أن يطهر المجتمع ثقافته من سموم شر الغلو, ويحررها للنمو فكريا ومعرفيا و إبداعيا. لا نمو مع التقييد وحجر التجديد.
و سأعود معكم لمتابعة مبادرات التحول ثقافيا, رسميا و مجتمعيا.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
- Details
- Details
- قضايا وأراء
- Details
- Details
- قضايا وأراء
- Details
- Details
- قضايا وأراء
- Details
- Details
- قضايا وأراء
د.عبد الرحمن الحبيب
أثناء مناقشة المحلل لإطلاق النار في دالاس، قاطعه المذيع بخبر مذبحة نيس، فحور موضوعه مرتبكاً، ثم قاطعه مجدداً بمحاولة انقلاب بتركيا، فصار يتخبط.. عالم سريع التغير غير قابل للتوقع وخارج عن تفكيرنا المألوف، والأخطر أنه خارج عن السيطرة المعتادة.
لا تدري هل تتابع الأحداث المتتالية المتلاطمة التي تهز العالم، أم التقلبات السياسية بالدول المستقرة، أم مثل مئات ملايين البشر تلاحق بوكيمون الذي سنلاحقه في نهاية المقال؟
أما البداية فمن أمريكا: تاجر العقارات الملياردير ترامب ممثل اليمين الشعبوي صار مرشحاً جمهورياً للرئاسة، وكان يقابله في اليسار الاشتراكي ساندرز مرشحاً ديمقراطياً كاد يهزم هيلاري كلينتون ممثلة الوسط.. وفي بريطانيا صارت اليمينية تيريزا ماي رئيسة وزراء وبوريس جونسون الأكثر يمينية وشعبوية صار وزيراً للخارجية يقابلهما زعيم حكومة الظل في اليسار الاشتراكي كروبين.. كذلك الحال في فرنسا وإيطاليا وأسبانيا واليونان.. فإما يمين شعبوي أو يسار اشتراكي.. فأين الوسط؟
الوسط يتلاشى والمؤسسات السياسية العريقة تتدهور.. قال جورج بوش قبل أيَّام: «أشعر بالقلق من احتمال أن أكون آخر رئيس جمهوري أمريكي» ملمحاً للمستقبل المظلم لحزبه حيث عدد من كبار الجمهوريين قاطعوا مؤتمر الحزب لترشيح ترامب. كذلك خارج العالم الغربي.. خذ مثلاً الهند أكبر ديمقراطية في العالم ومجتمعها المتسامح تاريخياً، فاز الشعبوي اليميني ناريندرا مودي بانتصار ساحق قبل سنتين تحت قيادة حزبه الهندوسي المتشدد بهارتيه جنتا.. ومودي كان متهماً من منظمات حقوقية بتشجيعه أعمال العنف الدينية في غوجارات، وقاطعته أمريكا وأوروبا على مدى عقد قبل أن تستأنف الاتصالات معه مؤخراً!
وفي تركيا ما أن تفاجأنا بالتحولات التي عملها أردوغان بالتطبيع مع إسرائيل ثم روسيا ثم أرادها مع سوريا، حتى باغتتنا محاولة انقلاب فاشلة وكنا ظننا أنها ودعت الانقلابات العسكرية؛ فتفاجأنا بتداعياتها غير العسكرية. صار عالمنا يخوض انقلابات غير عسكرية من شرق آسيا، ومن قلاقل شرق أوروبا وجنوبها، إلى أمريكا الجنوبية وما بينهما النزاعات المستشرية في الشرق الأوسط التي جعلت من الربيع العربي بؤساً عالمياً حين تمكنت عصابة اسمها داعش من تأسيس دولة هزت العالم بذئابها المنفردة.
فما الحكاية؟ ربما الحكاية تكمن في كلمة واحدة: الخوف! الناس تخاف من التغير المفاجئ الذي قد يؤدي لفقد الهوية والأمان، رغم أنه ليس كل التحولات المفاجئة سيئة، إنما قادة التيارات الشعبوية تستثمر قلق الجماهير بشعارات فاقعة متطرفة غايتها الجنة لكنها تنتهي بالجحيم!
لو أردنا أن نفصِّل الحكاية قد نجدها بطرح المفكر زيجمونت باومان بنظريته «الحداثة السائلة»، أي العالم في حالة سيولة: طريقة في الحياة يتم خلالها إعادة تشكيل مستمرة للعالم بطرق مفاجئة وعالية المجازفة.. تترابط فيها خمسة تطورات:
أولها أن الدولة الوطنية لم تعد الهيكل الحامل الأساسي للمجتمع، فالحكومات الحالية صار لديها نفوذ أقل بكثير لتقرير الأحداث داخل وخارج البلد.
الثاني، العولمة الرأسمالية التي فرخت الشركات متعددة الجنسية مسببة اللامركزية في سلطات البلدان؛ وإعادة هيكلة المؤسسات وتقليص عدد العاملين وكثرة التنقلات الوظيفية داخل البلد وبين البلدان أربك الاستقرار الاجتماعي.
أما الثالث فهو التقنية الإلكترونية، فالإنترنت هيأ وسائل الاتصال لتدفق المعلومات. لم تعد مؤسسات الدولة متفوقة على الأفراد والجماعات في المعلومات، فصار لهؤلاء خياراتهم التلقائية العشوائية.
الرابع هو أن المجتمعات أصبحت منشغلة بالمخاطر الأمنية.
وأخيراً، تنامي الهجرة بحدة أسهم في تغيرات الحياة اليومية للمجتمعات.
المحصلة أن البنى الاجتماعية التقليدية تتفكك وهويات الأفراد تتفكك معها على المستوى الذاتي والوطني.
الآن، العولمة تهز مجتمعات العالم اقتصادياً من تحت فتهتز أكثر من فوق بتقلبات سياسية تتخللها حوادث عنيفة تصل إلى أقصى ما تعرفه الهمجية.. والجسم الاجتماعي للقوميات يترنح يميناً ويساراً غير قادر على الاستقرار حول الوسط.
ترامب يقول إنه سيقود أمريكا ضد العولمة نحو الأمركة، فهل ينجح دعاة التشدد والانعزال في استثمار القلق الأمني والخوف على الهوية الذي يعتري الشعوب ويستميل عواطفها، أم أن الشعوب تمر بمرحلة تغير انتقالية وستدرك لاحقاً مصالحها الفعلية نحو عالم منفتح ومتسامح متوجهاً نحو التوحُّد؟ فإضافة للهياكل السياسية التي تضم دول العالم رغم ما يعتريها من خلل كهيئة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الاقتصادية، فثمة هياكل تجمع دول العالم كالمنظمات الدولية للصحة والغذاء والصناعة والزراعة توحد معايير العالم في شتى النواحي المادية.. وأيضاً في النواحي المعنوية تجد اتحادات عالمية رياضية وثقافية وعلمية وحقوقية وبرلمانية تضع أرضية من الأفكار المشتركة بين شعوب العالم. الميزان العقلاني البعيد عن العواطف يرجح الخيار الثاني.
ما بين الخيارين اندلع ضمن المفاجآت هوس يجمع العالم في بوكيمون.. فرغم أنه غير متوافر في كثير من الدول لكن تم الوصول إليه بطرق تقنية ملتوية.. مئات الملايين يلاحقونه، تفوق عددهم عدد مستخدمي تويتر.. وحطمت شركته نينتيندو الرقم القياسي لعدد الأسهم المتداولة في يوم واحد بتاريخ بورصة طوكيو، وفي ظرف أسبوعين بلغت إيراداتها نحو 40 مليار دولار وأرباح بحوالي 20 مليار دولار! عالم يتشقلب، بوكيمون آخر شقلباته ولكن ليس الأخير.. ولذلك مقال آخر.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
عبدالعزيز السماري
كانت احتفالية بعض رموز التيار الديني المسيس صاخبة بفشل الانقلاب التركي، برغم من علمانية الدولة، وبرغم من مخالفة ذلك لأطروحاتهم السياسية والثقافية السابقة، فالعلمانية كانت وما زالت في فتاويهم في حكم الكفر والإلحاد، فما الذي تغير في نظرتهم لها بعد عقود من تكفير الحكام العرب والمثقفين الذين كانوا يطالبون بها كحل سياسي لبعض الدول التي تتمزق من الداخل.
ليس الغرض أن أخوض في الشأن التركي مرة أخرى، لأنه يخص دولة أخرى، والشعب التركي قال كلمته وانتهى الأمر، لكن أود أن أخوض في الشأن العربي المتمزق الذي أصبح يهدد استقرارنا، بسبب الحروب الأهلية والصراع بين الإسلاميين الذين يريدون إعادة دولة الخلافة في العراق والشام ومصر وليبيا والجزيرة العربية، وبين الذين يؤمنون بفلسفة الدولة المدنية، على ألا تكون هناك صبغة طائفية للوطن.
الخلافة فكرة طارئة سرقتها بعض العقول من فكرة البابوية في القرون الوسطى، ولا يوجد في الإسلام نص يجعل من الحاكم خليفة لله عز وجل على وجه الأرض، ولكن الإنسان بمختلف أطيافه وأجناسه وجذوره هو الخليفة في الأرض، وعليه مسؤولية عمارتها والمحافظة عليها، وليس تدميرها، وفيه نهي عن القتل والتدمير وحث على البناء والتعمير..
إخوتنا عرب الشمال في العراق وسوريا يتمزقون ويتعرضون لمؤامرة إن شئت، أو لجهالة من أطيافهم السياسية والطائفية، ولا بد من اختراق ذلك الدمار والهلاك الذي يعصف بديار العرب في الشمال، ويكون بخروج المؤثرين على الأرض العربية من مختلف الأطياف، بحل جامع يُقدم للجميع، أشبه بالحل التركي الذي أصبح مثالاً للقوة، ومثارًا للتمجيد من قبل أطيافهم ورموزهم، لاستقراره ومناعته.
كان العرب في الموعد عندما تعرضت دولة لبنان لحرب أهلية مدمرة، وكان الحل نسبيًا أفضل من القتال، لكنه مع ذلك أبقى البارود في حالة تأهب للانطلاق مرة أخرى، وإن أرادوا أن يتجاوزوا هذه الحالة فلا بد من الحل التركي، الذي أثبتت الأيام مناعته ضد التمزق الداخلي، الذي عادة لا ينتهي إلا بالدمار والخراب، إِذ لا يمكن لأي طرف أن ينتصر ويحكم الآخرين بقوة السلاح، ولكن من خلال آلية التنظيم السياسي العادل.
مرحلة فرض الأمر الواقع مرحلة بدت في الأفول من العالم الحديث، ولا بد من التوافق بين فئات المجتمع باختلاف أطيافها على نظام سياسي متفق عليه من الجميع، ويكون أشبه بالآلية التي تنظم تداول السلطة فيما بينهم، وعلى أبناء العراق أن يدركوا أن الطائفية أشبه باللغم السياسي الذي يفجر الأوطان، الحل يكون بإخراج الطائفية والعرقية من التنظيم السياسي، وما فعله الأمريكان في العراق كان غرضه التدمير لهذا البلد العربي الجميل.
يُدرك رموز التيار الديني السياسي بمختلف رموزهم أن تركيا لن تتبدل أحوالها، فالعلمانية حل لن يتنازل عنه الشعب التركي، ولو حاول أيا كان أن يؤسلم تركيا على طريقة المنهج السلفي التقليدي لاندلعت في تركيا حرب أهلية لا تبقي ولا تذر، السبب أن ما يُطلق عليه بالطريقة السلفية في الحياة قد تكون خيارًا فرديًا، لكن لا يمكن أن تطبق على الجميع بالإكراه، وذلك لأن التنوع والاختلاف فطرة إنسانية محضة، كما أن ما يُطالبون بتطبيقه يتعارض كلية مع وعي وتطور الإنسان في حياته الدنيا..
لهذه الأسباب سننتظر من السياسيين العرب كلمتهم في حل جامع لحالة الدمار في الشام، وأن يتعلموا من تجربة أردوغان نفسه، وذلك عندما خرج من حزب أربكان الأصولي، وأسس لحزب جامع لمختلف أطياف وطوائف المجتمع التركي، ولكن الأهم أن يتوصل علماء الدين المؤثرين والثقات من الطائفتين السنية والشيعية، إلى إخراج فتوى موجهة لأهل الشام والعراق، تحثهم على استنساخ التجربة التركية، قبل فنائهم عن بكرة أبيهم في مستنقعات الدم وأجواء البارود، والله المستعان..
- Details
- Details
- قضايا وأراء
د. أحمد الفراج
مر وقت طويل، قبل أن يتعرض أي من الحزبين الرئيسيين في أمريكا، الجمهوري والديمقراطي، لهزات كبرى، قبيل المؤتمر العام للحزب، والذي يعلن فيه رسميا عن اسم المرشح للرئاسة، وربما أنها المرة الأولى، هذا العام، والتي يحدث فيها ذلك للحزب الجمهوري، وذلك منذ مؤتمر الحزب، في عام 1964، وهو المؤتمر الذي صاحبه شقاقات ومظاهرات، ضد المرشح المحافظ حينها، عضو مجلس الشيوخ، باري قولدواتر، وهو شخصية، يا للمفارقة، تشبه دونالد ترمب في مواقفه المحافظة، أو إن شئت فقل العنصرية، ولكن قولدواتر، على عكس ترمب، يملك خبرة سياسية كبيرة.
من الواضح أن الجمهوريين أدركوا أنهم أمام خيارين، فإما أن يتخلوا عن ترمب، وإما أن يتوحدوا خلفه قدر الإمكان، وهما خياران مران، فالتخلي عنه سيحدث انشقاقاً عظيماً في الحزب، نظراً لشعبيته لدى المحافظين، وأما التوحد خلفه، وهو خيار الحزب الإجباري، فسيغضب بعض أنصار الحزب، ولكنه أخف الضررين، وهذا ما حدث، ولهذا شهد المؤتمر أحداثاً دراماتيكية، كان من أبرزها قمع المندوبين الذين طالبوا الحزب بإعطاءهم الحرية للتصويت كما يشاؤون، ولمن يريدون، إذ إنهم مجبرون، حسب قوانين الحزب، على أن يصوتوا لمن صوتت له ولاياتهم، وبالتالي فهم مجبرين على التصويت لترمب، مع أنهم لا يرغبون بذلك، ولأجل أن يتاح لهم ذلك، فلا بد من تغيير قوانين الحزب، وهو الأمر الذي رفضته قيادات الحزب!!
وإضافة لذلك، فقد غابت قيادات وأسماء جمهورية كبرى عن المؤتمر، كما حضرت بعض قيادات الحزب الجمهوري للمؤتمر وكأنها مجبرة على ذلك، وبدا المؤتمر لوهلة، وكأنه حفل زواج لأسرتين متخاصمتين، وكان ذلك واضحا من تصرفات حاكم ولاية اوهايو، والمرشح الجمهوري المنسحب من السباق، فمع أن مؤتمر الحزب عقد في مدينة كليفلاند، وهي إحدى مدن ولايته، إلا أنه لم يكن متحمسا للمؤتمر، ولا لدونالد ترمب، كما جرت العادة، وحتى الجمهوريين الذين تحدثوا في المؤتمر، لم يكن معظمهم بذلك الحماس المتوقع، وكأن تلك الكلمات كانت مجرد أداء واجب، وهو الأمر الذي عوضت عنه حملة ترمب بكلمات حماسية، داعمة له، مثل كلمة حاكم ولاية نيوجرسي، كريس كريستي، وهو الانتهازي، الذي يرغب بمنصب في إدارة الرئيس ترمب، حسب معظم المعلقين.
كانت قيادات الحزب تعلم أن شعبية ترمب متدنية جدا لدى السيدات، ولذا استنجدوا بابنته، ايفانكا، والتي ألقت كلمة، أشادت فيها بوالدها، ومواقفه الإيجابية من السيدات، وحسب بعض استطلاعات الرأي، فإن كلمتها لم يكن لها ذلك التأثير الواسع، ومع ذلك فقد كان ترمب في كامل لياقته، وهو يعد الأمريكيين، في كلمته الهامة، بأنه سيعيد هيبة أمريكا، ويقضي على الإرهاب، ويدعم البرامج الاقتصادية، التي ستساهم في التوظيف، وتقليص نسب البطالة، وقد اختتم مؤتمر الحزب على خير، ولكنه لم يكن مرضياً لمعظم أنصاره، كما أنه لم يكن قريباً في جاذبيته من مؤتمرات سابقة، لمرشحين آخرين، مثل مؤتمر الحزب الجمهوري، في عام 1980، لترشيح رونالد ريجان، أو مؤتمر الحزب الديمقراطي، في عام 2008، لترشيح الرئيس الحالي، باراك اوباما، وسننتظر ردة فعل الجمهور الأمريكي على مؤتمر الجمهوريين، ومن خلالها ستتبين حظوظه بالفوز من عدمها، فلنتابع سوياً.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
د. جاسر الحربش
نحن عرب، لا ترك ولا عجم. الترك والعجم يتعاملون مع مشاكلهم ومصالحهم بطرقهم الخاصة. أحيانا نلتقي مع هذا أو ذاك في المصالح وأحيانا نفترق. الحدث التركي هو المتصدر حاليا، وانغماسنا فيه يعمق خلافاتنا نحن بإضافة مصدر جديد لمهاتراتنا اللفظية المزمنة. الأفضل من التنظير للترك والعجم أن ننظر في الحدث التركي كدرس ونحاول الاستفادة منه.
والآن، كيف كانت المسيرة التركية حتى وصلت إلى الأحداث الحالية؟. استطاع كمال أتاتورك العسكري الصارم لملمة الأشلاء المتبقية من الدولة العثمانية. عقليته العسكرية وإعجابه بقوة أعدائه ونظمهم ودساتيرهم جعلته يقرر القطيعة مع الهوية التركية القديمة، معتقدا أنها الطريق الوحيد نحو تركيا الحديثة القوية. أتاتورك فرض العلمانية بدكتاتورية الجيش وحرم مظاهر التدين في الحياة العامة والتعليم والمؤسسات الحكومية وحتى في اختيار الملابس وألغى الحرف العربي جاعلا التركية تكتب بالحرف اللاتيني.
لأن التجربة كانت علمانية مفروضة بفوهة البندقية لم تحقق تركيا شيئا من التقدم النوعي الذي كان أتاتورك يحلم به، وبقيت دولة فاسدة ومتخلفة وجسدا بلا روح.
الورطة الأتاتوريكية أجبرت العسكر الذين ورثوه على قبول طرح سياسي جديد تحت مسمى الأحزاب الديمقراطية. من هنا بدأت المسيرة التي نرى نتائجها اليوم.
كان رئيس الوزراء علي عدنان مندريس في نهاية خمسينيات القرن الماضي أول رئيس منتخب يتبنى علنا مبدأ المزاوجة بين الديمقراطية العلمانية والتصالح مع الهوية التركية القديمة، وخصوصا المطالبة بضمان حرية التدين. عندما شعرت المؤسسة العسكرية بالخطر على مركزيتها في الجمع بين السلطة والمال، انقلب الجيش على حكومة عدنان مندريس. كان الانقلاب الأول عام 1960م، ولم يواجه بمقاومة شعبية ولا بمعارضة من داخل الجيش، لأن الشعب التركي آنذاك كان فقيرا ومهزوما وممنوعا من الكلام في الحقوق الوطنية. أعدم الجيش علي عدنان مندريس وسجن رفيقه رئيس الدولة محمود جلال بايار حتى أنهكه المرض ومات. تكررت الانقلابات العسكرية في تركيا منذ ذلك الحين بمعدل انقلاب كل عشر سنوات، لكن وتيرة المعارضة الشعبية للعسكر بدأت تتصاعد. الانقلاب الأعنف كان على رئيس الوزراء سليمان ديميريل، الذي تبنى برنامجا مماثلا لبرنامج سابقه مندريس. أحدث ذلك الانقلاب خضات واضطرابات شعبية عنيفة، وأدى القمع العسكري إلى احتجاز نصف مليون تركي في السجون وقتل أكثر من عشرين ألف مواطن.
بعد حوالي عشرين سنة من القمع العسكري واستمرار الدولة الفاشلة جاءت الانتخابات بحكومة رئيس الوزراء تورجوت أوزال، الذي كان أكثر اقتناعا وإقناعا بمزاوجة الهوية والديمقراطية العلمانية، فتحققت لأول مرة في عهده إنجازات تنموية ضخمة. فجأة توفي تورجوت أوزال وهو يتناول كوبا من القهوة يعتقد أنه كان مسموما، ولكن الطريق نحو مسيرة التنمية والتطور الحقوقي أصبح معبدا رغم أنف الجيش.
في الأسبوع الماضي قامت قطاعات من الجيش التركي مرة أخرى بمحاولة انقلاب فاستولت على المفاصل الرئيسية (البرلمان ورئاسة الأركان والجسور والطرق ومحطات الإعلام والقواعد العسكرية) ولكن المحاولة فشلت لأول مرة.
نزول الشعب التركي بالملايين إلى الشوارع ومشاركة أحزاب المعارضة وأجزاء من القطاعات العسكرية في رفض الانقلاب لم يكن من أجل رئيس الدولة ولا حزب العدالة، بل من أجل تركيا بماضيها وحاضرها ومستقبلها. الذي يعتقد بمركزية الزعيم في تلك الاحتجاجات المليونية مازالت تعشش في رأسه عبادة الأشخاص وصنمية المتجبر العادل. أردوغان كان مجرد رمز لنتائج العملية الديمقراطية ونجاح التنمية التي قفزت بتركيا سريعا إلى الأمام.
بالمقابل كانت ثورات الربيع العربي تستعجل التغيير بأي ثمن، والكل يعرف لماذا وكيف كانت الأحوال، ثم كيف انتقلت من السيئ للأسوأ لانعدام الرؤية الشعبية الوطنية المتكافلة.
إذا ماهي الفوائد المفترضة من الدرس التركي؟. الفائدة الأولى هي أن الحصانة الوطنية الوحيدة تقدمها قناعة الشعوب بفوائد التمسك بأنظمة الحكم فيها. الفائدة الثانية هي وجوب الحذر من القبول بالاندفاع لتصفية الحسابات في تركيا خارج إطار التحقيقات العدلية المحايدة. العدد المهول للقضاة الذين تعرضوا للتوقيف منذ اليوم الثاني للانقلاب يثير الفزع. احتمال انتقال التنكيل من القبضة العسكرية إلى قبضة الشخص الحاكم قد يمهد لانقلاب دموي جديد ويعيد كل المنطقة إلى حقبة الانقلابات وإلى إفشال كل تجربة تنموية ديمقراطية في كامل المنطقة.
- Details